كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بدر .. دروس تأسيسية في شروط الانتصار

بدر .. دروس تأسيسية في شروط الانتصار

تاريخ النشر: 2023-04-04 | 07:15

في ضحى هذا اليوم كادت المواجهة غير المتكافئة تنهي عصبة الحق وحملة الرسالة.. انها المواجهة الأخطر في تاريخ المسلمين فكان الدرس الأول الذي ينبغي ان يضبط الوعي والممارسة.. في هذا اليوم رسمت معالم كيفية اتخاذ القرار فلا يكفي الإيمان لحسم المعركة إنما هي سنن الانتصار وأسبابه.. فالذي ينتصر في المعارك هو الحشد والإعداد والنباهة والإمكانات وحسن الإدارة ودقة اتخاذ القرار في الزمان والمكان المناسبين.. وان حصل تجاوز لهذه القاعدة فهو استثناء لا يقاس عليه.. هذا هو درس بدر الأكبر بعيدا عن نشوة الانتصار.. فلقد كانت بدر بحق الدرس الأول كما كانت النصر الأول وهنا لابد من تدبر موقف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في معالجة الخلل.. نتائج موقعة بدر في سياق الصراع بين قريش والمدينة دشنت حالة المواجهة بين قوتين واحدة تحاول الحفاظ على القديم بكل ما فيه من جاهلية وقوة أخرى تصر على تكسير القيود أمام العقل والروح والقلب إنها الحرب التي استمرت ما يقارب عشر سنوات بعد الهجرة والتي تجلت فيها عملية الأخذ بالأسباب ونواميس الانتصار.
خصوصية بدر:
كانت حالة المؤمنين قبل المواجهة كما وصفها القرآن الكريم : " وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون".. هذا تقرير لما كان عليه المسلمون، وذلك لأسباب ذاتية تتعلق بعدم الحشد الكافي للمعركة التي لم تكن بالحسبان.. أما ظروف المعركة فهي كما تذكر الروايات أن المهاجرين الذين نزعت منهم ثرواتهم واغتصبت بيوتهم ومصالحهم وصلوا المدينة فارغي اليدين، وهنا أصر المتضررون على استرداد بعضا من حقهم من قافلة قريش العائدة من بلاد الشام والتي تمر بطريق يحاذي المدينة.. فكان الخروج بعد عامين من الهجرة يستردون منها بعضا من حقوق المهاجرين وليس لقتال: "وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم".. الا ان قيادة القافلة أدركت ما ينتظرها فغيرت الاتجاه وارسلت الى مكة تستنجد بقوة كافية فكانت فرصة قيادة قريش في حسم المعركة مع محمد صلى الله عليه وسلم بشكل نهائي..
هنا وجد المسلمون أنهم ازاء حرب لم يعدوا لها عدتها هنا تغيرت طبيعة المهمة وهنا فرضت المعطيات على المسلمين التفكير بطريقة أخرى.. فادرك الرسول صلى الله عليه وسلم ان الامر ان توقف على دائرة الاسباب والسنن فان هزيمة ماحقة ستلحق بالموحدين.. ها هم في المواجهة الاولى التي فرضت فرضا عليهم يكتشفون أن قوة العدة تفوقهم عددا وعدة ومؤنة.. ترك أمر التموقع والادارة لمن لديه من الخبرة والدراية الفرصة، وكان بالفعل تحديد الموقع، لكن الرسول قلق وخائف على الرسالة وعصبة الايمان من هلاك يلوح في الافق ولعله امر طبيعي لمن تعرف على ان النصر لايكون الا بتوفبر شروطه بغض النظر عن ايمان من عدمه..
كانت ظروف المدينة وما يحيطها من قبائل وما يعتمل فيها من حراك من قبل يهود والمنافقين حساسة للغاية وكانت المواجهة لا تعني فقط نتائج تخص الميدان بل ان انعكاساتها مباشرة على الوضع داخل المدينة ومحيطها فاي ضعف يصيب المسلمين سيكون محل استضعاف لهم في المدينة وجوارها.. ومن هنا فان المواجهة لها ما بعدها.. ولكن أيضا لو حصل إنتصار في هذه المواجهة فهو من شأنه ان يوجه رسالة كبيرة لقادة قريش انهم ازاء حالة خرجت عن طور الاستضعاف كما انها ستكون رسالة واضحة للمنافقين واليهود في المدينة وستكون بمثابة صوت ممتليء وجريء نحو القبائل العربية المحيطة بالمدينة..
بمعنى واضح ان المواجهة ستحدد مستقبل جماعة المسلمين ورسالتهم.. كما ستضع قريش على بداية التفسخ والاضمحلال مهما بلغت قوتها حيث ان قوتها وحشدها الكامل اليوم يلتقي بعدد قليل من المسلمين الذين لم يخرجوا لقتال..
المواجهة وعي والتزام:
هنا لابد من تدبر خطوات الرسول وخطابه وادارته للمواجهة.. فلقد وقف الرسول صلى الله عليه واله وسلم يستشير المسلمين موقفهم من المواجهة وبعد ان ابدى عدم اهتمامه بموقف كبار الصحابة ادرك الانصار انه يقصدهم فانبروا يحدثونه عن ما لحق بهم من خير بمقدمه وانهم ملتزمون به ومعه في أي عمل حتى لو خاض البحر فهم معه خائضون ولن يكونوا كبني اسرائيل الذين قالوا لموسى اذهب انت وربك فقاتلا بل انهم معهما مقاتلون.. وهنا ملاحظة في غاية الاهمية فلا يكفي ان يكون نبيا ورسولا لكي يفرض على الناس حربا لايريدونها ولم يوقعوا على وثيقة تلزمهم بها.. فشروط بيعة العقبة الاولى والثانية لا تلزم الانصار الا بالدفاع عنه مادام هو في ربوع المدينة اما خارجها لم يكن عليهم سابق التزام.. وهنا ترك لهم ان يقولوا رايهم بوضوح وجلاء..
الملاحظة الثانية لم يمنع المسلمين كونه رسول الله أن يبدوا له ما يرونه مناسبا في ادارة المعركة وخطط المواجهة ولقد شجعهم على ذلك واستحسن ما انتهوا اليه وهذه ملاحظة عميقة حيث لم تحل عصمته وانه وحي يوحي من ان يترك للمسلمين الراي كاملا في تحديد نقاط اساسية من المواجهة.
خطط الرسول صلى الله عليه وسلم لترتيب واضح لكيفية سير المعركة بين الرماة والضاربين بالسيوف وكيف يمكن احداث عوامل النصر وتثبيت المؤمنين في مواجهة صلف قريش وقياداتها المدججة بالكبر والزهو والفرسان..
لكن الاخطر من هذا كله والاهم مما سبق جميعا هو انصراف الرسول صلى الله عليه وسلم للدعاء لربه بدعاء غريب لم يتكرر فيما بعد ولم يسبق من قبل: " ان تهلك هذه العصبة فلن تعبد في الارض بعد اليوم" .. ادرك الرسول من معرفته بربه ان النصر يقوم على اسباب وسنن وارقام وحسابات وان الخلل الكبير في ميزان القوى الحاصل لصالح العدو يعني ان الانتصار انما هو استثناء وليس اصلا، وهنا تزايد الحاحه على ربه بان يلطف بهم ويحقق لهم نصرا يحفظ الرسالة ويحمي حملتها من مهلكة تكاد تكون محققة.
رسول الله يعرف ربه ويعرف انه سبحانه عدل حتى بين المؤمنين والكافرين فالكل عبيده وهو قد رفع السماء ووضع الميزان ولقد سبق بدر وقائع كثيرة لانبياء ورسل وصالحين قتلوا وذبحوا وانهزموا في ساحات المعارك لانهم لم يحشدوا للمواجهة قوى مكافئة..
لقد كانت واقعة خطيرة بكل المعاني ادرك الرسول خطورتها فيبكي بين يدي ربه ويزداد دعاؤه الحاحا فيأتي بعض الصحابة يطمئنونه بنصر الله فلا يلتفت اليهم وهو الاعرف منهم بربه.. يعرف أن ربه يأمر بالأخذ بالاسباب ولا محاباة في ذلك وان كل من يخرج لمواجهة دون اخذ الاسباب فسيتحمل نتائج المواجهة هزيمة فادحة لم ينج منها انبياء ورسل وائمة واولياء..
وهنا يفتح القران والرسول ساحة الوعي بالسنن والاسباب على وسعها.. وحتى لاتكون السنن والاسباب قيدا على من يسببها فهي خاضعة بلا شك للاستثناء والتعديل ولكن ايضا دون المس في جوهرها.. وهنا أشار القران الكريم الى اشارة تعليلية عندما برأ المسلمين من الاهمال والاستهانة بالخصم حيث قرر لهم انهم " وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم".. اذن انتم ايها المسلمون لم تتجاوزوا القوانين والنواميس ولم تستهينوا بها انما هي الاقدار وجهتكم وجها لوجه مع العدو.. وكأن الله سبحانه يقول لهم ان هذا عذر لكم يجنبكم المصير المحتوم في مثل حالتكم.
هنا يقرر الله انقاذ الرسالة وحملتها لاسيما وهم لم يسقطوا ايا من الاسباب عمدا او غفلة بل هي الاقدار التي ساقتهم لمواجهة مسلحة.. ويعلن الله للمسلمين ان نصرهم حتمي للمعركة فاخذهم بسنة من النعاس تهديء روعهم وثم يبشرهم ان الاف الملائكة المسومين يلتحقون بالمعركة في صف المسلمين.. وهنا اضارة بالغة الاهمية والضرورة حيث كان يكفي ان يقول سبحانه :" كن فيكون" لكنه أراد سبحانه ان يبقى الرقم حاضرا في عقل المسلم أي توازن القوى وتكافؤها بين الفريقين وتكرار الرقم وتضاعفه يعني بوضوح الاشارة الى احد أسباب النصر رغم أنه سبحانه قرر النصر حتى بدون الملائكة المسومين وماجعله الله الا بشرى ولتطمئن به قلوب المؤمنين الذين عرفوا عن ربهم ان التكافؤ الميداني هو المؤهل الموضوعي للنصر.
انتصار بدر:
لقد اختارت قريش المواجهة المسلحة وخرجت في حفلة مهرجانية باذخة متهيأة للنصر على المسلمين نصرا نهائيا.. خرجت قريش بفرسانها وقادتها ولم تستمع لصوت الحكمة انما هو الطغيان في اعلى مستوياته.. أدار الرسول المعركة بخطوات كل منها أسقط في قلوب قادة قريش هزيمة معنوية في البداية أخرج عمه حمزة وابن عمه علي بن ابي طالب وابن عمه عبيدة بن الحارث لمواجهة عتبة بن ربيعة، وولده الوليد بن عتبة، وأخوه شيبة بن أبي ربيعة.. قتل قادة المشركين وبدأت الملحمة.. ثم يأمر النبي برمي النبال حتى اذا اتخنوهم هجموا عليهم بالسيوف.
14 شهيدا من المسلمين في مقابل سبعين من مشركي قريش كان أغلبهم من قادتها وساداتها، واسر 70 اخرين قام بعضهم بتعليم المسلمين الكتابة والقراءة..
هكذا تحقق نصر الاسلام الاول في اول مواجهة واخطر مواجهة ليعود المسلمون الى المدينة وقد تعزز نفوذهم وارتفع شأنهم وسمع العرب بنصر جماعة المسلمين على قريش فكان لذلك أثره البالغ على لحاق كثير من الناس بالدين الجديد..
ولكنه أيضا أثار حفيظة قادة قريش بعد أن اهان كبرياءهم و ردع كبرهم وحط من زهوهم و قد عادوا يتجرعون غصص الهزيمة والفقد فكان بالنسبة لهم ان تستأنف الحرب بعد عام..
لقد كانت الموقعة التي نال كل من شارك فيها نيشانا أبديا حيث اصبح اهل بدر هم اهل الحل والعقد وهم الذين لا عليهم من ذنوبهم السابقة واللاحقة فلقد غفر الله لهم ماسبق وما لحق.. وهي المعركة التي أثارت في نفوس المسلمين الشوق للجهاد والشهادة وادخلت في المجتمع المدني روحا جديدة فهاهي المجموعة الصغيرة من مهاجرين وانصار تحقق انتصارا على جيش بكل معداته.
في بدر فقد المسلمون بعض عناصر الانتصار ولكن دون عمد منهم فتجاوز لهم ربهم عن ذلك ولكنهم في احد تنازلوا عن سبب من اسباب النصر ونزلوا من الجبل فكانت هزيمة للمسلمين مؤلمة.. انها السنن الماضية والاسباب المعلومة والنواميس التي لا تقبل التهميش.

×
أخبار
السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط