كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"بدها تصفير"!

"بدها تصفير"!

تاريخ النشر: 2022-06-06 | 14:32

حسن عبادي
حسن عبادي

بدايةً؛ اسمحوا لي أن أحيّيكم من حيفا وبحرها وكرملها، وأن أشكر القيّمين على هذه الندوة لإتاحة الفرصة لي أن أشارككم وأكون بينكم.

أوّل ما قرأت للشاعر الرِّوائي أحمد أبو سليم كانت هذه الرواية، رواية "الحاسَّة صفر" الصادرة عن  منشورات ضفاف اللبنانيّة ومنشورات الاختلاف الجزائريّة ومكتبة كل شيء الحيفاويّة الفلسطينية حين ناقشناها في حيفا يوم 19.08.2014؛ وقرأت له بعدها رواية ذئاب منويَّة ورواية كوانتوم ورواية يس؛ وحين رأيت الإعلان عن هذه الأمسية قرأتها ثانيةً؛ وجاءت قراءتها مختلفة وتساءلت: هل هذا مرتبط بنظريّة التلقّي الألمانيّة "إنّ قراءة نصّ واحد في زمنين مختلفين من القارئ نفسه تؤدّي إلى قراءتين مختلفتين" أم هو قراءاتي لباقي إصداراته؟

تناولت "الحاسَّة صفر" تجربة المقاومة الفلسطينيَّة في لبنان، حطَّم من خلالها كل التابوهات، أنسن التَّجربة النِّضاليَّة الفلسطينيَّة ونزع القناع عن هالتها وقدسيّتها وصرخها بصريح العبارة: "لا قداسة لأَحد، ولا مطلق أَبدًا".

 وجاء أحمد في روايته "ذئاب منويَّة" ليُعرّي الواقع والإنسان العربي، حيث أَصبحت الذِّئْبويّة هي القيمة الَّتي يحملها الإنسان في داخله، يتصيّد الفرص ليهمِّش الجمال ويُهشّمه ليقلب المفاهيم والمعتقدات رأسًا على عقب.

ووصل في روايته "كوانتوم" إلى القدس التي تحوّلت إلى رمزٍ خطابيّ يتغنّى به الجميع رغم أنّها تتآكل، شوارعُها تغترب، بيوتها تفقد هُوِيَّتَها وأهلَها، والكلّ نيام، وخوفي أن نصحو من سُباتِنا ونجدَها في مخيّلاتنا فقط. قام الاحتلال بتغيير معالِمها، وهدم الكثير من بيوتها وأماكنها.

وحفر في روايته "يس" ليصل النكبة وما حولها؛ فوجدته مشروعًا متكاملًا وليس نزوة عابرة.

 تساءلت عندما رأيت الرواية للمرّة الأولى: ما هي "الحاسَّة صفر"؟  فوجدتها "هي الحاسَّة التي لازمتني منذ ولادتي. الحاسَّة صفر هي حاسَّة الخيبات والوجع الذي لا يتوقّف أبداً، هي الحاسَّة التي لا تصل إلى حقيقة قطّ، حاسة القلق والشكِّ والألم". (ص149).

يعرّي الكاتب المقاومة وسلبيّاتها وينتهك "مقدّساتها" ويؤنسنها ضاربًا عرض الحائط بالمسلّمات والتابوهات المتكلّسة البغيضة التي أجهضت الثورة وما زالت؛ فيصرخها بصريح العبارة: "كلُّ شيء كان مباحًا، ليس ثمّة حدود ولا قواعد ولا قوانين، وإذا سقطتَ داستك الأرجل الكثيرة التي لم تكن ترحم أحدًا أبدًا"، ويقول: "لا تقل لي إنّك تؤمن بأنّ فلسطين يمكن أن تتحرّر بالحجر، أو حتّى ببندقيّة الكلاشنكوف" (ص57)

يحاول أبو سليم تعرية "المقاومة والثورة" وتفكيك مركبّاتها بحِرَفيّة، يصوّر بحِرَفيّة سرقة الثورة، عمليّة سطو مُمأسسة؛

يتحدّى أحمد أبو سليم التعذيب والموت ويهزمهما قائلًا:

"الثّقة تعني الموت!.. الرّاحة.. الوقوف.. الانحياز.. الحياد.. السُّكوت.. الكلام.. والموت... كلها تعني الموت! (ص27)؛ "الموت أكثر رحمة من الأسر....فكَّرت: "الموت يعني أن تغمض عينيك لحظة، وتموت، أمّا الأسرُ فهو أن تبعث من الموت كلَّ لحظة لكي تموت...."، وحين يقول: "الموت يعني أن تُغمضَ عينيك مرّة واحدة فقط، وتموت، أمّا العذاب فهو موت يوميٌّ لا يتوقَّف!"، وهذا ما أسمعه يوميًا من أسرانا خلف القضبان.

يصوّر الكاتب مخيّمات اللجوء وبنيتها التحتيّة "السقوف الواطئة، والأزقّة، والحارات، والأبواب المتهالكة، والنوافذ التي تشي بأسرار البيوت، والمجارير، والماء الآسن، والشعارات الثورية على الجدران، وملصقات الشهداء، والوجوه التي تضجُّ بالفقر والجوع والتعب والخوف، والذباب، والجرذان، والقطط، والكلاب الضّالة، والمخبرون، والباعة المتجوّلون"، وكأنّي به يصف مخيم الوحدات أو بلاطة، مخيّم البقعة أو جنين؟ وطوابير المؤن! وما أشبه اليوم بالأمس، وقادتنا يجوبون فنادق الخمسة نجوم في تل أبيب وعواصم العالم، فالناس البسطاء الفقراء هم الذين يدفعون ثمن الحرب، أمّا الكبار فيتعاملون دائمًا بالمصالح العليا التي يعتقدون أنّها أهم من آرائهم الشخصيّة، ومن حياة البشر.

ويتناول ازدواجية المعايير في المجتمع الدولي "هنا إذن، على هذه الأرض، في هذه الطُّرقات والأزقّة تناثرت الجثث التي ملأت صورها الدنيا ولم تحرّك مشاعر أحدٍ في الكون"(ص62).

يتناول استباحة جسد المرأة الفلسطينيّة، سواء كانت بنت شهيد أو أرملة شهيد، أو زوجة ثائر ومقاتل، فكان القادة "يعبرون على جسدها ثم يمضون باحثين عن سواه" (ص94) وويل لتلك الثورة "التي أخرجت النساء من جحورهنَّ، وتركتهنَّ فريسة لكثير من الذئاب الذين كانوا يتربَّصون بهنَّ، ويعلنون عكس ما يُبطنون".

يصوّر بجرأة قضيّة الاختراق الأمني المتفشيّة منذ القدم، بشتّى الطرق والوسائل، "كان يعرف أنّ الثورة مخترقة حتّى العظام" وللأسف ما زالت. نعم ، لا عزاء في الساقطين.

 والخديعة والنفاق والغش، من البندقيّة التي زوّده بها عبد الحميد إلى زينب شقيقة أبو الفوز!

ويتناول ظواهر اجتماعيّة بغيضة ومقيتة؛ معاملة اليتيم/ ابن الشهيد من زوجة الأب أو من قبل المجتمع، عمالة الأطفال واستغلالهم وغيرها.

نكبتنا مستمرة، من لجوء إلى آخر، من نزوح إلى آخر، من هزيمة إلى أخرى.. وها هي أم أحمد ترحل من تل الزعتر بعد استشهاد زوجها ومسح المخيّم عن الوجود لتهجّر من جديد.. إلى صبرا والبرج وشاتيلا.. "كم شهيدٍ راح ضحيَّة الماء!" ليبقى الفلسطيني مشروع موت، لاجئ أزليّ، متهم حتى تثبت براءته.

في أيام الزمن الجميل؛ "المتطوِّعون جاؤوا بالآلاف من كلِّ أنحاء الأرض، وبيروت كانت تنزف دمًا... ومقاتلين" لكن بعنا الثورة بأبخس الأثمان! وتركونا للكلاب تنهش لحمنا.

يحاول أبو سليم تعرية الهزيمة لتولد من رحمها الثورة والمقاومة، فالتجربة حارقة ومميتة،

سمّى أحمد الأمور بمسميّاتها، أذهلني وعيه وتصويره لعنصريّة اليهودي فيقول على لسان إدريس المغربيّ: "أنا لم أسمع ذات يوم يهوديًّا يهتف ضد فلسطينيّ... سمعت اليهوديَّ يهتف دائمًا ضدّ العربي، وأنا شخصيًا لم أسئ ذات يوم لليهود، لكنّني ذلك وجدتهم يناصبونني العداء" (ص133)؛ نعم يا أحمد، يكرهوننا لمجرّد كوننا عرباً وليس كفلسطينيين، أسمعهم يصرخون في المظاهرات: "الموت للعرب"، يحاولون حذف وتهميش كلمة فلسطيني من قاموسهم، هذه العنصريّة والفاشيّة بأمّ عينها.

استحضر الكاتب غسّان كنفاني بحرفيّة، حيًا وقتيلًا/ شهيدًا وإرثه الباقي، وغيابه الذي يزداد حضورًا وكذلك الأمر جورج حبش.

يهزأ الكاتب من اتفاقيَّات السَّلام"  ومنذ متى التزمت "إسرائيل" بالأعراف والمواثيق؟ منذ متى توقّفت عن القتل وسفك الدماء واحتلال الأرض، وبناء المستوطنات؟ مصر أعادت سيناء، وخسرت مصر" (ص59) وكذلك الحال مع مفاوضات مدريد المقيتة  ومرحلةَ السراب الأوسلَويّ، ويكاشفنا قائلًا: "الدنيا تتغيَّر، وفلسطين بحاجة إلى قائد لا يساوم، ولا يهادن، ولا ينساق وراء الزعماء العرب، والأمريكان، ولا يخلق الذرائع والحجج ليبرّر موقفه" (ص160)، نعم، إنّها حالة من الجنون.

راق لي استحضار قصيدة/ أغنية ليونيل ريتشي (ص198-199)، وجاءت لغة الكاتب شاعريّة، فيتغلّب أحمد الشاعر على الروائي ولكنّها كانت مهضومة بُنيوية خدمت النص دون ابتذال، وهناك سيناريوهات لمشاهد مسرحيّة أو سينمائية راقية، وعلى سبيل المثال افتراقه عن ليلى واللازمة "الآن عليك أن تجيب إن كنت تحبّني أم لا!"

يلجأ الكاتب لأسلوب السخرية السوداء وجلد الذات فيُبدع: "كنت أقطف باقةً ممّا تبقَّى من الورود فوق الأشجار في حدائق البيوت المهجورة في الصباح، وأضعها في إناءٍ على الطاولة، وسط الصَّالة، لعلَّ أريجها يطرد رائحة الموت التي كانت تملأ المكان" (ص28)، "كانت رائحة الجثث المتحلِّلَة في صبرا وشاتيلا تعمي العيون، وتزكم الأنوف وهي تطوف كلَّ أرجاء الأرض". وكذلك حين صوّر رجب "هذا المجنون نكح نصف نساء المخيّم" (ص142) ويصل ذروة سوداويّته حين يقول: "نضال ما عاد إلّا ذكرى، صورة شهيد معلّقة على الجدران"، وكذلك الأمر "لو قُدِّر لنساء المخيّم أن يعترفن بالحقيقة لشابت رؤوس الرّجال" و"رجب يعتبر الأب غير الشَّرعي لكثير من أطفال المخيّم" (ص210)

صدق جيفارا: "الثائر آخر من يأكل، وآخر من ينام، وأوّل من يموت"، وثوّارنا إمّا شهداء وإمّا أسرى.

صدقت عزيزي أحمد؛ أم عيسى اغتصبت ليلة الخروج من حيفا.

 "كُلّنا شياه معدّة للذبح من أجل المصالح العليا لشيء ما يُسمَّى الوطن.

الكلّ ضاعوا، تغيّر الناس، صدَّقوا وهم السلام، انقلبت المفاهيم، انتهت الحرب، وكلٌّ بات يبحث عن نفسه، عن موقعه، عن مكاسبه، كلّ دخل ماراثون البحث عن الذات".

 أين ضاع التاريخ؟ وأيُّ يد لم تغتسل بالدم الفلسطيني بعد؟ حتى يد الفلسطيني ذاته جرّبت حظّها في دم الفلسطينيّ، علينا أن نناضل من الداخل ومن الخارج كلّ لحظة لكي نطهّر الثورة من أدرانها. "ربّما لو اعترفنا لكان بوسعنا أن نبدأ من الصَّفر، وأن نؤسّس لنظريّتنا الخاصة التي يمكن أن تؤهّلنا للحياة" (ص175).

نعم، بدها تصفير، وبلغة اليوم: بدها "ري- ستارت".

(ألقيت هذه المداخلة في أكثر من قراءة/عمان - يوم الأحد 05.06.2022)

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط