مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

برنامج الإنتفاضة وأهدافها هو ما يرسم أدواتها النضالية

برنامج الإنتفاضة وأهدافها هو ما يرسم أدواتها النضالية

تاريخ النشر: 2016-02-27 | 10:52

قبل الحديث عن أدوات النضال الكفاحية للإنتفاضة، «سلمية» كانت أم «غير سلمية» دعونا نتفق أولاً على برنامجها وأهدافها، ونضمن عدم الإنقلاب عليها كما وقع في أيلول 93.

■ في مخاتلة سياسية، تكشف حقيقتها الوقائع، تحاول رئاسة السلطة الفلسطينية تغليف موقفها الحقيقي من الحراك الشعبي متمثلاً بإنتفاضة الشباب، بتكرار الدعوة إلى ما تسميه بالهبة السلمية. وتدعو في الوقت نفسه لعدم عسكرة هذا الحراك، بذريعة أن ميزان القوى بيننا وبين سلطات الإحتلال، مختل للجانب الإسرائيلي، وإن أي لجوء إلى العنف، من شأنه أن يمنح الجانب الإسرائيلي ذريعة لاستعمال «القوة المفرطة» ضد الشعب الفلسطيني، ويوقع في صفوفه المزيد من الضحايا. وعلى خلفية هذه المخاتلة، المكشوفة، تؤكد رئاسة السلطة أنها هي التي تصدر الأوامر إلى الأجهزة الأمنية لسد الطريق بين الشباب الفلسطيني المحتج، في مسيرات وغيرها، وبين الحواجز الإسرائيلية، حتى لا يقع «فتيان» فلسطين، على حد قولها، ضحية الرصاص الإسرائيلي.

وعلى خلفية هذه الأقوال، تأتي تصريحات رئيس جهاز المخابرات الفلسطينية إلى صحيفة «ديفنيس نيوز» مؤكداً أن جهازه «نجح» خلال الثلاثة أشهر الأولى من الإنتفاضة الشبابية بإحباط مئة عملية ضد قوات الإحتلال والمستوطنين، وإعتقال حوالي مئتين ناشط فلسطيني والزج بهم في السجن. وتبرر السلطة أحياناً إعتقالها البعض، أنه بهدف حمايتهم من خطر الإعتقال على يد سلطات الإحتلال بعد أن تبين لها أنهم مطلوبون للإسرائيليين. وهكذا يتحول الإعتقال السياسي على يد جهاز المخابرات الفلسطينية لمناضلين فلسطينيين عملاً وطنياً، وليس إلتزاماً بإتفاق التنسيق والتعاون الأمني الموقع عليه منذ 13/9/1993.

وخارج سياق النقاش المحسومة نتائجه سلفاً لصالح الدعوة إلى وقف التنسيق الأمني، بعدما إنزلق، في ظل تواصل الإنتفاضة الشبابية وتصاعدها إلى شكل من أشكال الممارسات «اللحدية»، ودخل في باب التشكيك الوطني..، خارج هذا كله، علينا أن نلاحظ أن أصحاب الدعوات إلى «إنتفاضة سلمية» لم يقدموا لنا، حتى الآن، النموذج الناجح لمثل هذه الإنتفاضة ولكيفية إدارتها سلمياً، إلا إذا إعتبرت «السلمية» هنا، أن يتجمع الفلسطينيون عند دوار عرفات في رام الله، ويهتفوا ضد الإحتلال، وضد الإستيطان، ويقرعوا الطبول والطناجر، ثم يعود كل منهم إلى بيته. أو أن يتجمعوا في قاعة من قاعات البيرة، ليعقدوا مهرجاناً خطابياً، يلقون فيه القنابل الكلامية، التي لن يصل صداها، حتى إلى الحواجز التي تعطل على الفلسطينيين حياتهم، ولا إلى زنازين الإحتلال حيث آلاف المعتقلين، ولا إلى المستوطنات الذاهبة يوماً بعد يوم إلى التوسع، ولا إلى العلاقات الإقتصادية المختلة التي تعطل قيام إقتصاد وطني فلسطيني. ولن تعطل هذه المهرجانات مسيرة الإحتلال، بل هي وصفة جيدة لإدامة الإحتلال بإعتباره «إحتلالاً بلا كلفة» وإدامة السلطة الفلسطينية بإعتبارها «سلطة بلا سلطة» إلا على الناشطين السياسيين، وعلى المسيرات الشعبية في طريقها للصدام مع مواقع الإحتلال، وإلا ــــ أيضاً ــــ مع نشطاء المقاطعة للبضائع الإسرائيلية في الأسواق الفلسطينية.

*       *      *

يصف البعض الإنتفاضة الوطنية الكبرى (1987 ــــ 1993)، بأنها كانت إنتفاضة سلمية. ويدعو إلى إنتفاضة شبيهة بها، متجاهلاً أن الظروف السياسية، وخصوصية كل مرحلة، وأن طبيعة العلاقات السائدة مع الجانب الإسرائيلي، والظرف العربي والإقليمي والدولي، وتطور وعي الأجيال، ومراكمة الخبرة والمعرفة، وتطور أدوات النضال وأساليبه، كلها عوامل تلعب دورها البارز في صناعة طبيعة كل مرحلة من مراحل النضال، وأن ما جرى في الإنتفاضة الأولى، هو ما أنتجته عبقرية الحركة الشعبية الفلسطينية في تلك المرحلة، وأن ما جرى في الإنتفاضة الثانية هو عبقرية ما أنتجته الحركة الشعبية في تلك المرحلة أيضاً، وأن الأساليب التي يتبعها شباب الإنتفاضة الحالية هو شكل من إبداعات جيل هذه المرحلة، وهو ليس ملزماً بإتباع أساليب الأجيال التي سبقته، فلكل جيل أفكاره، ووعيه، وأداوته التعبيرية. فإذا كان الحجر، وإلى جانبه البندقية كان وسيلة النضال في الإنتفاضة الأولى، وإذا كانت القنبلة والعبوة والبندقية هي وسيلة رئيسية في وسيلة النضال في الإنتفاضة الثانية، فإن تطور الأحوال الفلسطينية هو ما دفع الشباب إلى إمتشاق السكين والمقص والمخرز، والدهس بالسيارة أداته الكفاحية التي شكلت عنواناً لمرحلة جديدة.

وإذا سلمنا، جدلاً، بأن الإنتفاضة الأولى كانت سلمية، لأن عنوانها كان الحجر، فعلينا، في الوقت نفسه أن نلاحظ التالي:

• أنها شكلت عنواناً لوحدة وطنية سياسية وميدانية تمثلت في إنخراط المجتمع الفلسطيني بكل فئاته به، وتشكل قيادة وطنية موحدة لها، وإعلان أهدافها السياسية واضحة في الإستقلال والعودة والخلاص من الإحتلال والإستيطان.

• أنها تعرضت لتدخلات فظة من قبل الخارج، تمثلت في أكثر من أسلوب، بعضها أخذ طابع الإغراق المالي على فئة دون أخرى لأسباب سياسية مكشوفة، وبعضها تمثل في التدخل القيادي الخارجي الفظ في تعديل أو حتى إعادة صياغ نداءات الإنتفاضة بتخفيض سقفها، ما يعني العمل على مصادرة الحركة الشعبية وحجزها في قفص سياسي، حدود إستراتيجيته وتكتيكاته، هي الحدود التي ترسمها القيادة الرسمية في الخارج، وليست الحركة الشعبية في الداخل. وهي محاولة مكشوفة لإخضاع سقف الحراك الشعبي، حتى لا يتجاوز بتضحياته وشجاعته السقف المنخفض للقيادة الرسمية.

• ما يؤكد ذلك أن القيادة الرسمية انقلبت على الإنتفاضة، حين ذهبت سراً إلى مفاوضات أوسلو، وحين صدمت أبطال الإنتفاضة وشعبها، بالقبول بحل سياسي هابط، إنقلبت به على برنامج الإستقلال والدولة والسيادة والعودة، لصالح برنامج الإدارة الذاتية المحدودة، ولصالح عملية تفاوضية تثبت الوقائع يوماً بعد يوم، مدى عقمها وعبثتيها، وأنها لا تعدو كونها مجرد ملهاة لإغلاق الطريق أمام الشعب الفلسطيني لتحقيق أهدافه المشروعة غير القابلة للتصرف.

*            *          *

إذن، وكي نضع النقاش في نصابه الصحيح، دعونا نعترف أن حقيقة المشكلة لا تكمن (إطلاقاً) في كون الإنتفاضة سلمية، شعبية، أم عسكرية، المشكلة تمكن في الإتفاق على البرنامج السياسي للإنتفاضة. والبرنامج السياسي هو الذي يرسم الإستراتيجيات والتكتيكات، ويرسم أدوات النضال وأساليبه. هذه هي تجارب الشعوب كلها، عربية، وعالمية، ومنها تجربة الشعب الفلسطيني الغنية والحافلة بالدروس العميقة.

• من أراد «هبة شعبية» هدفها لفت أنظار الوسيط الأميركي للعودة إلى مبادراته لإستئناف المفاوضات، حرص على أن تكون «سلمية» أي لا تشوش على الأجواء السياسية التي من شأنها أن تجسر العلاقة مع «الشريك» الإسرائيلي في العملية التفاوضية.

• أما من أراد إنتفاضة شعبية شاملة، هدفها، إعادة رسم الأمور كما هي في الواقع: صراع بين شعب تحت الإحتلال، تقوده حركة تحرر وطني مؤتلفة في جبهة وطنية متحدة هي م.ت.ف. وهدفها الضغط بكل الوسائل على  الإحتلال، للإعتراف بحقوقه الوطنية المشروعة غير القابلة للتصرف، والإنتقال به من «شريك» مزعوم في عملية تفاوضية فاشلة، والعودة به إلى موقعه تحت إحتلال يبطش بالشعب ويدمر إقتصاده وحياته اليومية وينهب أرضه، وهدفها شد المجتمع الدولي نحو مسؤولياته القانونية والسياسية بما فيها العمل على تطبيق القرارات الشرعية ذات الصلة بالحقوق الوطنية الفلسطينية .. من أراد هذا كله، يطلق سراح الحركة الشعبية، عبر توفير عناصر الأمان السياسي لها، بوقف التنسيق الأمني مع الإحتلال، ومقاطعته اقتصادياً، ومنازلته في كل الميادين: في الأرض المحتلة وفي المحافل الدولية، ونزع الشرعية عنه، وعزل دولة الإحتلال.

ما نشاهده اليوم، عكس هذا تماماً. لقاءات فلسطينية إسرائيلية تؤكد على التنسيق الأمني بين الجانبين. لقاءات بين وزيري المال الفلسطيني والإسرائيلي لتطوير العلاقات تحت السقف الإسرائيلي الهابط. وتصريحات مترددة [بل محجمة] عن الإنخراط في الإنتفاضة الشعبية من أكثر من فصيل لا يتورع عن الترحيب بالمبادرة الفرنسية لما يسمى إستئناف المفاوضات. ما نشاهده: سجون السلطة الفلسطينية وهي تكتظ بالمناضلين بإعتراف رئيس جهاز المخابرات الفلسطينية شخصياً.

وهذا، ما يتطلب، بتقديرنا، نظرة أعمق، وأكثر تدقيقاً بالحالة الفلسطينية، ونظرة أبعد، في رؤية مستقبل الإنتفاضة الشبابية وكيفية توفير الحماية السياسية لها، بإعتبارها فرصة الشعب التاريخية لإخراج قضيته الوطنية من أزمتها التي أدخلها فيها المدمنون على المفاوضات العقيمة سبيلاً وحيداً للحل■

 

 

×
أخبار
النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو الأحمد يبحث مع الاتحاد الدولي للنقابات أوضاع العمال الفلسطينيين وكالة الطاقة الدولية: نقص الديزل ربما يستمر حتى عام 2027 رغم "اتفاق روسيا" الخارجية الفلسطينية تدين افتتاح كولومبيا سفارة لدى الاحتلال في القدس المحتلة الحرس الثوري: غرق سفينة حاويات جنوب مضيق هرمز بعد اصطدامها بلغم بحري إدانة عربية وإسلامية لافتتاح كولومبيا سفارةً في القدس وتحذير من مخالفتها للقانون الدولي دبلن: فندق يُلغي حجز 70 غرفة لمشاركين في مؤتمر لمكافحة "معاداة السامية" ترامب يطالب باستبعاد مدعية نيويورك من تحقيق بشأن واقعة جامعة كورنيل الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,392 شهيدا وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط