كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بشتاشان "خلف الطواحين... وثمة ذاكرة

بشتاشان "خلف الطواحين... وثمة ذاكرة

تاريخ النشر: 2023-04-28 | 17:43

شهادة وليست رواية

شيء عن بشتاشان

(الحلقة الأولى)

بشتاشان أو كما تُكتب باللغة الكردية بشتئاشان، ومعناها باللغة العربية "خلف الطواحين"، قرية من قرى كردستان العراق، حبتها الطبيعة بكلّ ما هو جميل من مناظر خلّابة ونُهير ذو مياه عذبة يخترقها منسابًا من جبل قنديل متّجهًا نحو وادي شاروشين،  إضافة إلى عيون ماء "حلوة" عديدة. والقرية عبارة عن غابة كثيفة مكتظّة بالأشجار، ولاسيّما أشجار الجوز والفواكه المتنوّعة، خصوصًا العنب. وكانت تقوم حياة القرية والناس فيها على تربية المواشي والنحل وزراعة التبغ وبيع منتجاتها الزراعية إلى المدن والمناطق الأخرى.

تنقسم بشتاشان إلى قسمين: بشتاشان العليا وبشتاشان السفلى، وتتصل جغرافيًا بعدد من القرى المتقاربة من بعضها مثل أشقولكا وليوْجة وقرناقو ورزكة وكاسكان وسط سلسلة عالية من الجبال الشديدة الوعورة والدروب والمسالك المتعرّجة ذات الانحدار الحاد، كما أن الوصول إليها عسيرًا، خصوصًا  في فصل الشتاء لقسوة المناخ، حيث تصل درجة الحرارة إلى 20 درجة تحت الصفر، فتنقطع سُبل الحياة فيها وتعيش حالة عزلة شبه كاملة، الأمر الذي يتطلّب خزن المواد الغذائية لنحو ثلاثة أشهر أو ما يزيد عن ذلك، لاسيّما أشهر (كانون الأول / ديسمبر وكانون الثاني / يناير وشباط / فبراير).

 وتستمر الثلوج بالهطول على نحو كثيف حتى شهر (آذار / مارس)، كما يزداد سقوط المطر طيلة فصل الربيع الذي يمتاز بالبرودة أيضًا. أمّا في فصل الخريف فإن المطر حين يهطل يستمرّ لعدة أيام دون انقطاع، والمناخ يزداد برودة كلّما اقتربنا من فصل الشتاء، وخصوصًا في شهر تشرين الثاني / نوفمبر، في حين يكون المناخ معتدلًا والهواء عليلًا في الصيف. ويقيس الفلاحون قساوة فصل الشتاء بمراقبة ردود فعل الحيوانات وحركتها تحسّبًا للبرودة فيزداد انكماشها، وهذا يعني أن البرد سيكون قارصًا، وكذلك وخلايا النحل فيما إذا بدت مبكّرة في فصل الخريف.

تعتبر قرية بشتاشان مثل قرى جبل قنديل الأخرى معزولة، ولا تصل إليها سيارات، وسكاّنها ينتقلون إمّا مشيًا على الأقدام أو يركبون الحيوانات، ولاسيّما البغال. والبغل مهم في حركة الأنصار، لدرجة عُدّ من الرفاق "الجهاديين" حسبما كنّا نتندّر فيما بيننا، لكنه أحيانًا يحرن ويتمرّد وحتى ينتحر، وهكذا يخرق قواعد النظام الداخلي والطاعة الحزبية، لذلك لا بدّ من العناية به.

كان كلّ شيء في تلك القرية الجميلة الوديعة يسير هادئًا وبطيئًا، فقد ظلت مستلقية وراقدة منذ قديم الزمان على سفح جبل قنديل الذي يبلغ ارتفاعه 7800 قدم وتكسوه الثلوج طيلة أيام السنة تقريبًا باستثناء شهريْ تموز / يوليو وآب / أغسطس، لكن الأمور تغيّر وانقلبت  رأسًا على عقب، فقد تم تهجير سكّانها البالغ عددهم 70 عائلة إلى معسكر (جوارقورنة) القسري في العام 1975، وجرى تجريف منازلهم وأكواخهم ومزارعهم، التي ظلّت مهجورةً على الرغم من انتقال الأنصار الشيوعيين إليها في العام 1982، ثم بدأ بعض سكّانها بالعودة إليها في الثمانينيات والتسعينيات.

لم يكن أحد يتصوّر أن تلك المنطقة النائية المعزولة المنقطعة عن مراكز الحضارة والمدنية ستستقبل مئات من المثقّفين كتّابًا وصحافيين وشعراءً ومسرحيين وفنانين وأطباء ومهندسين ومعلّمين وحقوقيين وأساتذة جامعة وطلابًا وعمالًا وفلاحين وعددًا كبيرًا من السياسيين الذين أجبرتهم الظروف للعيش في تلك الأرض المنسية من العالم.

 أقام الوافدون حياةً جديدة في تلك القرية وبعثوا حركة دائبة فيها، حتى بدت تلك البقعة من الأرض وكأنها ورشة عمل دائمة لا تهدأ ولا تنام، حيث نُصبت فيها إذاعة ونُقلت إليها أجهزة طباعة وأنشئت فيها طبابة وانتظمت فيها ندوات وأماسي واحتفالات وافتُتحت فيها معارض فنية وعُرضت فيها مسرحيات، ناهيك عن تنظيم حراسات، مثلما كان يجول فيها مسلّحون بينهم الكثير من العرب الذين لم يسبق لهم حتى زيارة كردستان، فضلًا عن أنهم لا يتكلّمون لغتها ولا يعرفون تقاليدها وعاداتها الاجتماعية، وبسرعة كبيرة أصبح بعضهم يتحدّث باللغة الكردية (اللهجة السورانية أو البهدنانية) حسب منطقة وجوده، بل صار دليلًا في تلك الطرقات الوعرة والجبال العالية.

وكان الكرونجية (الباعة المتجولون)، سواء الذين يأتون من الداخل العراقي الكردستاني  أم عبر الحدود الإيرانية أحد مصادر المعلومات التي يستقي منها الأنصار ما يجري حولهم، وكان هؤلاء غالبًا ما ينقلون أخبارًا مبالغ فيها أو أن جزءًا منها يقع ضمن تقديرهم ووعيهم، وهذا في الكثير من الأحيان بعيدًا عن الدقّة إن لم يكن مفبركًا أو مغرضًا بحكم هواهم ومصالحهم، ناهيك عمّا يسمعونه من الأطراف المختلفة التي تريد منهم نقل رسائل محدّدة إلى الأنصار.

كان الكرونجية غالبًا ما يبدون إعجابهم واستغرابهم في الآن بقدرة الشيوعيين على تحمّل الصعاب ومشاق الحياة القاسية، إذْ لم يحدث أن عاش غرباء في تلك المنطقة، فما بالك حين يكون هؤلاء من مناطق العراق العربي. فليس من السهولة بمكان التأقلم مع الظروف الطبيعية القاسية وطريقة العيش البدائية، وانعدام الحد الأدنى من مستلزمات الحياة البسيطة. وكانوا يرددون من باب الانبهار أنه لا أحد يستطيع العيش في هذه المنطقة سوى الخنازير والشيوعيين.

 ومثل هذا الكلام سمعته في قرية قاسم رش في الوادي المنحدر من ناوزنك - نوكان، ومن صاحب دكان اسمه كاك أحمد ويُدعى أحمد كلاشنكوف أو أحمد طلقة، وكان يقول أنه نائب ضابط سابق في الجيش العراقي حين خاطبني قائلًا: أنتم الضباط، ما الذي جاء بكم إلى هنا؟ لم أجبه، فأردف مضيفًا، أنا أعرفك، كنتَ نقيبًا في الجيش، فأجابه رفيقي سامي عبد الرزاق الجبوري (أبو طه) الكاك ليس ضابطًا، فوجّه خطابه إليه قائلًا: وأنت كذلك كنت نقيبًا؟ وأنا أعرف الضباط من هندامهم وقيافتهم. ويُذكر أن قرية قاسم رش كانت سوقًا مفتوحة، فيها يتم تبادل العملات وبيع الممنوعات، كما كانت مرتعًا لأجهزة المخابرات الإقليمية والدولية المختلفة.

في أيار / مايو العام 1983 دخل اسم بشتاشان القاموس السياسي،  وأصبح معروفًا على نطاق واسع كرديًا وعربيًا وعالميًا بفعل ما نقلته وكالات الأنباء والصُحف عمّا حصل فيها، مثلما أصبح  لها رمزية خاصة وإن ارتبطت بمأساة إنسانية. وأستطيع القول أنها احتلّت مكانًا خاصًا في ذاكرة جيل من الحركة اليسارية والكردية في العراق، وذلك حين هاجمت قوات "الاتحاد الوطني الكردستاني" الذي يرأسه جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق لاحقًا، ونائبه ناوشيروان مصطفى أمين مقرّات الحزب الشيوعي العراقي في بشتاشان وارتكبت مجزرة راح ضحيتها نحو 70 شهيدًا شيوعيًا ، بعضهم لا تُعرف قبورهم حتى الآن، وبعض الناجين غادروا الحياة دون أن يسمعوا اعتذارًا أو اعترافًا أو تعويضًا لما حصل، وظلّت الحقيقة تحاصر من تورّط بالفعل الشنيع، فضلًا عن أسئلة التاريخ الحارقة.

نشرت الحلقة الأولى في جريدة الزمان (العراقية) بتاريخ 29 نيسان / أبريل 2023.

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط