كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بعد المؤتمر الثامن لحركة فتح: رسائل الداخل والخارج وتجديد شرعية المشروع الوطني الفلسطيني

بعد المؤتمر الثامن لحركة فتح: رسائل الداخل والخارج وتجديد شرعية المشروع الوطني الفلسطيني

تاريخ النشر: 2026-05-18 | 11:23

لم يكن المؤتمر الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" مجرد محطة تنظيمية عابرة، أو استحقاقاً داخلياً لتجديد الهيئات القيادية، بل جاء في لحظة فلسطينية وإقليمية ودولية شديدة التعقيد، ليؤكد مجدداً أن حركة فتح ما زالت تمثل العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني، وأنها، رغم كل التحديات والتحولات، لا تزال الحركة الأوسع حضوراً، والأكثر قدرة على التعبير عن الهوية الوطنية الجامعة للشعب الفلسطيني.
لقد حمل المؤتمر في مضامينه السياسية والتنظيمية والفكرية جملة من الرسائل العميقة، الموجهة إلى الداخل الفلسطيني أولاً، ثم إلى الإقليم والعالم، مؤكداً أن فتح ما تزال حركة تحرر وطني أصيلة، لم تغادر موقعها الطبيعي في قيادة النضال الفلسطيني من أجل الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشريف.
أولى الحقائق التي أكدها المؤتمر، أن فتح ليست مجرد تنظيم سياسي تقليدي، بل حالة وطنية تاريخية متجذرة في الوعي الجمعي الفلسطيني. فهي الحركة التي استطاعت منذ انطلاقتها أن تجمع بين الكفاح الوطني والعمل السياسي والبعد الشعبي والاجتماعي، وأن تحافظ، رغم الهزات والانقسامات والضغوط، على مركزيتها في النظام السياسي الفلسطيني وفي معادلة الشرعية الوطنية.
كما أكد المؤتمر أن حركة فتح ما تزال تؤمن بوحدة الشعب الفلسطيني ووحدة التمثيل السياسي ووحدة القرار الوطني، وترفض كل محاولات التشظي أو صناعة البدائل المشبوهة التي تستهدف منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل السياسية للمؤتمر: أن الشرعية الوطنية الفلسطينية لا تُصنع خارج التاريخ النضالي للشعب الفلسطيني، ولا خارج مؤسساته الوطنية الجامعة.
أما الرسالة الثانية، فقد تمثلت في التأكيد على أن فتح لا تزال حركة واقعية وعقلانية، تجمع بين الثوابت الوطنية والمرونة السياسية، دون أن تتخلى عن جوهر القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق تقرير المصير والعودة والاستقلال. وهي بذلك تقدم نموذجاً لحركة تحرر تدرك تعقيدات البيئة الدولية، لكنها لا تسقط في اليأس أو العدمية السياسية.
وعلى المستوى الداخلي، حمل المؤتمر رسالة واضحة مفادها أن فتح ما تزال قادرة على تجديد ذاتها، وإعادة بناء مؤسساتها، وإنتاج قياداتها، رغم كل ما تعرضت له من استهداف ومحاولات إنهاك سياسي وتنظيمي. كما أن الحضور الواسع والتفاعل الكبير مع أعمال المؤتمر عكس حقيقة مهمة، وهي أن الحركة ما تزال تمتلك قاعدة شعبية وتنظيمية ممتدة في الوطن والشتات، وأنها قادرة على استعادة المبادرة الوطنية متى توفرت الإرادة السياسية والرؤية الواضحة.
إقليمياً، بعث المؤتمر برسالة طمأنة إلى العمق العربي، مفادها أن القضية الفلسطينية ستبقى قضية تحرر وطني عربية وإنسانية، وأن فتح، بحكم تاريخها واعتدالها السياسي، ما تزال قادرة على لعب دور التوازن الوطني الذي يمنع انزلاق الحالة الفلسطينية نحو الفوضى أو الارتهان للمحاور الإقليمية. فالحركة حافظت تاريخياً على استقلالية القرار الوطني الفلسطيني، ودفعت ثمناً كبيراً دفاعاً عن هذا المبدأ، وما تزال ترى أن فلسطين يجب أن تبقى فوق الاستقطابات والصراعات الإقليمية.
أما دولياً، فقد أكد المؤتمر أن الشعب الفلسطيني ما يزال متمسكاً بخيار الدولة الفلسطينية المستقلة وفق قواعد القانون الدولي والشرعية الدولية، وأن فتح لا تزال تؤمن بالنضال السياسي والدبلوماسي والقانوني إلى جانب حق الشعب الفلسطيني الطبيعي في مقاومة الاحتلال. كما حمل المؤتمر رسالة واضحة للمجتمع الدولي بأن تجاهل الحقوق الفلسطينية لن يصنع سلاماً، وأن أي استقرار حقيقي في المنطقة يبدأ من إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه الطبيعي في الحرية والاستقلال.
لقد أثبتت فتح، مرة أخرى، أنها حركة يصعب اختزالها أو تجاوزها. فهي ليست حزباً أيديولوجياً مغلقاً، ولا تنظيماً نخبوياً محدوداً، بل حركة وطنية واسعة تشبه الشعب الفلسطيني نفسه بتنوعه وتعدديته وحضوره الإنساني والسياسي. وربما لهذا السبب ينطبق عليها وصف "السهل الممتع"؛ فهي قريبة من الناس، حاضرة في وجدانهم، وقادرة على مخاطبة مختلف الشرائح الاجتماعية والوطنية بلغة جامعة ومتوازنة.
إن سر قوة فتح الحقيقي لا يكمن فقط في تاريخها الطويل، بل في قدرتها الدائمة على التكيف مع التحولات دون أن تفقد هويتها الوطنية. فهي الحركة التي تشبه فلسطين: متعددة، صلبة، حية، وقادرة دائماً على النهوض من بين الركام.
وبعد المؤتمر الثامن، تبدو فتح أمام مسؤولية تاريخية جديدة، تتمثل في تحويل مخرجات المؤتمر إلى مشروع وطني إصلاحي شامل، يعيد الاعتبار للمؤسسات، ويعزز الوحدة الوطنية، ويجدد الثقة بين القيادة والشعب، ويؤسس لمرحلة فلسطينية أكثر قوة وقدرة على مواجهة التحديات المصيرية القادمة.
ستبقى فتح، رغم كل شيء، عنواناً مركزياً في التاريخ الوطني الفلسطيني، لأنها ببساطة الحركة التي لا يشبهها إلا نفسها، والأكثر تعبيراً عن آمال الشعب الفلسطيني وآلامه وطموحه الدائم نحو الحرية والاستقلال.

×
أخبار
وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط