كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بعد ثلاثة عقود على أوسلو: ما العمل لوقف انهيار الحركة الوطنية؟

بعد ثلاثة عقود على أوسلو: ما العمل لوقف انهيار الحركة الوطنية؟

تاريخ النشر: 2022-09-13 | 07:36

يُصادف اليوم الذكرى التاسعة والعشرين على اتفاق أوسلو، الذي كان بغض النظر عن النوايا، يُصادف اليوم الذكرى التاسعة والعشرين على اتفاق أوسلوبمنزلة نكبة ثانية للفلسطينيين، والدليل أن التحديات التي تهدد القضية الفلسطينية، وأداة تجسيدها الحركة الوطنية بمختلف مكوناتها، جسيمة، وتهدد الأولى بالتهميش، والثانية باستكمال الانهيار، الذي بدأ منذ وصول الإستراتيجيات المعتمدة إلى طريق مسدود، التي تلتقي حول برنامج حل الدولتين، الذي سقط بسبب أن سقفه أصبح اتفاق أوسلو الذي لا ينص على الدولة، ووسائله المفاوضات وإثبات الجدارة وتقديم التنازلات، وبتركيزه على بناء الدولة ومؤسساتها، وإهمال القضية الأهم، وهي تقرير المصير وإنهاء الاحتلال، بوصفه شرطًا لتجسيد الدولة وتحقيق الاستقلال الوطني، كما تم تجاهل الحقوق التي يجري الآن اعتمادها وكأنها البديل المناسب لحل الدولتين.

في هذه المناسبة، لا بد من أخذ الحقائق التالية بالحسبان.

أوسلو مات إسرائيليًا

إذا لم نعدّ أن أوسلو ولد ميتًا، فهو مات إسرائيليًا منذ فشل قمة كامب ديفيد في العام 2000، وبدلًا من التخلي عنه وتبني مقاربة جديدة، تم ضم أطراف جديدة تحت سقفه عبر انخراط الفصائل التي قاطعت انتخابات 1996، وشاركت في انتخابات 2006، من دون ربط مشاركتها في الاتفاق بالتخلي عنه، واعتماد مشروع وطني، بل باتت مطالبة بالموافقة عبر الحكومة التي تشارك فيها على شروط اللجنة الرباعية الدولية. والأنكى والأمر استمرار المحاولات الفلسطينية والعربية والدولية لإحياء أوسلو، ومن الطبيعي أن تبوء هذه المحاولات بالفشل، لدرجة أنه لم يعد أحدٌ يدعو لإحيائه ولاستئناف المفاوضات غير الجانب الفلسطيني، ويجامله بعض العرب والأصدقاء على الرغم من إدراكهم بأن أوسلو بات وراءنا، ولا يمكن إحياؤه وهو رميم، وفعلوا ذلك ليضمنوا بقاء الوضع الراهن الذي يرونه يتغير إلى الأسوأ باستمرار.
وعندما تتحدث الإدارة الأميركية عن تمسكها بحل الدولتين من دون أن تفعل شيئًا لتحقيقه، فهي بذلك تخدّر الفلسطينيين وتدفعهم لمواصلة التمسك بأذيال العملية السياسية، حتى لا يتبنوا مقاربة أخرى أخذت القيادة الفلسطينية تهدد بها وباعتمادها منذ 12 عامًا، وأصدرت قرارات لترجمة ذلك في المجلسَيْن المركزي والوطني، وكررت إقرارها مرات عدة من دون تنفيذ؛ لأنها لا تملك الإرادة اللازمة لتغيير المسار، ولخشيتها من المواجهة ومن ردة فعل المستفيدين مما يسمى "عملية سلام"، وهم باتوا قوة كبيرة، ويستندون إلى بنية كاملة متكاملة لا يمكن الاستهانة بها على الإطلاق، وبقيت المعارضة تطالب، وبانتظار تطبيق القيادة الرسمية للقرارات المتخذة.

أي ما يزيد القلق أن المعارضة الفلسطينية، أو ما يسمى "محور المقاومة الفلسطيني"، على الرغم من صموده ومقاومته، لا يملك بديلًا لما هو مطروح، ويتعامل مع الواقع هو الآخر، والأولوية عند عموده الفقري استمرار سيطرته على قطاع غزة، والمساهمة بذلك في تعميق الانقسام، ويتعاطى هو الآخر بسبب تمسكه بالسلطة مع السلام الاقتصادي، ويراهن على الربيع العربي الإسلامي تارة، وعلى إيران وحزب الله تارة أخرى، وعلى زوال إسرائيل قريبًا في هذا العام أو الذي يليه، أو على نهاية الاحتلال وزوال الاستيطان وفك الحصار قريبًا تارة ثالثة، جراء تناقضات إسرائيل الداخلية، وهي كبيرة، ولكنها لا تكفي لزوال إسرائيل أو الاحتلال، ويتذبذب ما بين تخوين القيادة والاستعداد لمحاصصتها وتجديد الشرعية لها.

إن الخلاص الوطني والانتصار على المشروع الاستعماري الصهيوني وأدواته الاحتلالية والتوسعية والعنصرية ليس قريبًا، وهناك شواهد ومؤشرات كثيرة على ذلك، وبحاجة إلى توفير مستلزماته غير المتوفرة، ويجب الاستعداد والتصرف على هذا الأساس.
سقوط نظرية الحلول وتبني الأبارتهايد وحده ليس حلًا

لا يفتح سقوط حل الدولتين عن طريق المفاوضات والتنازلات طريق الدولة الواحدة عن طريق تبني خطاب الحقوق والقانون كما يتوهم البعض، فالحركة التي لم تستطع إنهاء الاحتلال عن جزء من فلسطين لن تستطيع إزالة إسرائيل، أو هزيمة المشروع الصهيوني وتفكيك نظام الامتيازات العنصري وإقامة دولة واحدة في فلسطين إذا استخدمت الوسائل نفسها التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه، أو استخدمت وسائل تشكل وجه العملة الآخر لأوسلو والسلام الاقتصادي.

فالحديث عن حل الدولة الواحدة من دون ربطه بهزيمة المشروع الصهيوني، هو وجه آخر لأوسلو؛ لأنه يستبدل خطاب التحرر الوطني والنضال السياسي بنضال قانوني حقوقي فقط، بزعم أن العالم سيتعاطف مع الحقوق الفردية والمدنية الفلسطينية كما لم يتعاطف مع الحقوق الوطنية، وحتى إذا تعاطف فهذا تعامل مع أحد مظاهر الاستعمار الاستيطاني الذي تمثله إسرائيل، وليس مع جذوره وجوهره، وهو يهبط بسقف النضال الفلسطيني بجعله يشمل تحسين الحياة ضمن الدولة الواحدة اليهودية القائمة حاليًا، التي هي عنصرية بامتياز، وهي ذكية تحاول الانفصال عن الفلسطينيين مع بقاء التحكم فيهم عبر أنظمة وقوانين مختلفة لكل تجمع فلسطيني، حتى تتهرب من مسؤولياتها عن الفلسطينيين وحقوقهم بوصفهم مواطنين، على الرغم من توهم أصحاب الدولة والواحدة وخطاب الحقوق بأنهم يحشرونها في الزاوية.

إذا لم يرتبط خطاب الحقوق والمساواة والعدالة بالكفاح لإنهاء الاحتلال وتقرير المصير، أو ضد الاستعمار الاستيطاني لهزيمته وتفكيك نظام الامتيازات العنصري؛ أو بكلامها يكون مجرد ضحك على الذقون بوعي أو من دونه.

مخاوف تغيير المسار

ما يخيف القيادة الرسمية من المواجهة ومن تبعات تغيير المسار، وما يقلق المعارضة ويجعلها مترددة من بلورة البديل العملي عن سلطة أوسلو، هو الخشية على مصالحهما والمكاسب والمناصب التي حصلتا عليهما، وهيمنة وترسّخ اليمين الإسرائيلي، وسيطرته الكاسحة على إسرائيل، على عكس توقعات الكثيرين، الذين راهنوا عى تراجع إسرائيل، وأنها على وشك الزوال، أو راهنوا على المصالحة التاريخية مع الحركة الصهيونية.
في حين لا بد من إدراك استحالة تغيير هذا الواقع اليميني الإسرائيلي على المدى المباشر، ولسنوات قادمة عدة على الأقل؛ كونه يحكم من دون منافس من اليسار، أو ما يسمى "معسكر السلام".

لقد بات التنافس الأكبر في إسرائيل بين اليمين واليمين الأكثر تطرفًا، أما بقايا اليسار والوسط فهي أقلية صغيرة لا تملك بديلًا من اليمين، بل تتماهى معه، ولا يمكن أن تحكم وحدها من دون مشاركة أحزاب يمينية في الحكومة، كما حصل بعد سقوط حكومة نتنياهو، وسيكون لها الفيتو في أي حكومة تشارك فيها، وهي صاحبة القرار كما شاهدنا في حكومة نفتالي بينيت، وما تبعها من حكومة يائير لابيد، الذي ينافس كما يدل توغله في الدم الفلسطيني وتهويد القدس، وخصوصًا الأقصى، أعتى اليمين في عدائه للفلسطينيين.

حسم الصراع وليس تقليصه

لا يستمر اليمين الحاكم في إسرائيل في إدارة الصراع، كما فعلت الحكومات الإسرائيلية منذ أوسلو وحتى عودة بنيامين نتنياهو إلى سدة الحكم في إسرائيل في العام 2009، وإنما شرع في حسم الصراع وتصعيده، وليس إلى تقليص الصراع كما تدعي أوساطٌ حاكمة في إسرائيل، وصدقت أوساط فلسطينية وعربية ودولية ذلك، بل ما يجري محاولات إسرائيلية محمومة لحسم الصراع، وتصفية القضية الفلسطينية من مختلف أبعادها، بدليل ما يحصل في القدس والأقصى وعموم الضفة الغربية من تهويد وتهجير واستعمار واستيطان وعنصرية، ومن عدوان عسكري متكرر وحصار مستمر لقطاع غزة، وتطبيق قانون القومية العنصري في إسرائيل، وتكثيف المساعي الحثيثة لتصفية وكالة الأونروا، وتغيير تعريف اللاجئ، وتوطين اللاجئين، وشطب حق العودة، وتهجير اللاجئين إلى مناطق لجوء جديدة.
ما يحدث لا يدع مجالًا للشك بأن ما يجري أمامنا هو قيام الدولة الإسرائيلية اليهودية الواحدة، من خلال سعي متزايد لضم وتهويد الضفة الغربية، أو مساحات واسعة منها لإسرائيل، وليس إقامة دولة أو شبهة دولة فلسطينية، لا في الضفة والقطاع، ولا في الضفة وحدها، ولا في القطاع وحده، فقد تمت تنحية المضمون السياسي لعلاقة دولة الاحتلال بالفلسطينيين، وباتت تتعامل معهم بوصفهم أفرادًا وليسوا شعبًا، وأن المطلوب استخدام كل الوسائل لدفعهم لقبول، أو على الأقل، التعايش والتعامل مع الواقع الذي تفرضه إسرائيل على الأرض، والذي يجعل الحل الإسرائيلي هو الحل الوحيد المطروح والممكن عمليًا.
إن ما يجري هو تطبيق لصفقة ترامب من دون ترامب، مع تأجيل الضم القانوني للمناطق المحددة للضم إلى حين توفر الظرف المناسب، فالقضم والضم الفعلي الزاحف والمتدرج يقود عاجلًا أو آجلًا إذا لم يحصل نهوض فلسطيني وعربي إلى الضم القانوني.
هل سينجح المشروع الاستعماري الاستيطاني في تصفية القضية؟
الجواب، لا قطعًا، بدليل كل أشكال الصمود والمقاومة، سابقًا وحاليًا، التي يسطرها الشعب الفلسطيني، ولكنه ينجح في تصفية الحركة الوطنية التي تصدرت المشهد الفلسطيني خلال عشرات السنين الماضية، فيأس القيادة وتخاذلها وفسادها واستسلامها، وعجز المعارضة وعدم إقدامها على بلورة البديل النظري والعملي قاد إلى ما أسميه انهيار الحركة الوطنية، الذي يفسر عدم تغيير المسار على الرغم من الكارثة التي أوصلنا إليها، وعدم قيام السلطة بحماية شعبها من عمليات القتل اليومي والاقتحام والاعتقال وهدم المنازل، وعجز الفصائل عن ردع الاحتلال وعدوانه وتخلفها عن قيادة المقاومة في الضفة؛ ما أوجد فراغًا أخذت تملؤه عناصر ومجموعات فردية ترد بشكل عفوي على عمليات الاغتيال والاقتحام والاعتقال اليومية.
وما يميز هذه المقاومة أنها دفاعية في الغالب، ومحلية، تسطر بطولات، ولكن من دون إمكانات ولا وعي ولا خبرة ولا تنظيم ولا قيادة ولا إستراتيجية، وهذا يجعلها في أحسن الأحوال أن تحافظ على القضية حية، ولكنها لا تملك القدرة على الاستمرار والتصاعد، والأهم على المراكمة وتحقيق الإنجازات السياسية والانتصار؛ ما يجعل البطولات والمقاومة الباسلة مجرد تضحيات وبطولات.
لا بديل من تغيير المسار والخطاب، وتحريره من نظرية الحلول الجاهزة، واعتماد مسار التحرر الوطني من الاستعمار الاستيطاني الذي يحكم من خلال الاحتلال العسكري والفصل العنصري والعدوان بكل أشكاله، ويستهدف مصادرة وتهويد أكبر مساحة من الأرض وأقل عدد من السكان أصحاب البلاد الأصليين مع الانفصال عنهم، واستمرار التحكم الكامل فيهم.
هذا المسار المطلوب الذي يوقف انهيار الحركة الوطنية، ويعيد بناءها بشكل مشترك، أو يبني حركة وطنية جديدة يمكن أن تجمع الشعب كله من خلال الجمع ما بين خطاب الحلول المرحلية والنهائية ومختلف أشكال المقاومة، وإدراك المشترك والظروف الخاصة والأولويات لكل تجمع، وما بين إنهاء الاحتلال والحقوق المدنية والوطنية والأبارتهايد والمساواة وحق العودة وتقرير المصير والحل التاريخي الجذري الديمقراطي، ولكن بالترابط، مع تحدي المشروع الاستعماري العنصري، والكفاح لهزيمته، وليس تحسين شروط الحياة فيه، مع أهمية انتزاع أي مكسب مهما كان صغيرًا، ولكن شريطة ربطه بأفق رحب.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط