تاريخ النشر: 2026-10-02 | 02:50
تاريخ النشر: 2026-10-02 | 02:50
بعد ثلاث سنوات على هجمات السابع من أكتوبر 2023، لم يعد كافيا أن تُقرأ الحرب الإسرائيلية على غزة باعتبارها رد فعل أمنيا على هجوم حماس، أو عملية عسكرية تطورت أهدافها بفعل ظروف الميدان. فالحكم على حرب بهذا الحجم يقتضي النظر أيضا في الحيثيات التي سبقتها، من التصورات والخطط والترتيبات السياسية والأمنية، إلى التسريبات والخطابات والمشروعات التي تعاملت مع الوجود الفلسطيني بوصفه مشكلة ينبغي حلها، لا مجرد طرف في نزاع ينبغي تسويته. ولا يعني ذلك التسليم بوجود خطة واحدة مكتملة التفاصيل، وإنما قراءة الحرب في سياق أوسع، بما في ذلك ما أتاحته وما أنتجته من تحولات.
من هذه الزاوية، يبدو السابع من أكتوبر نقطة تحول كبرى، لكنه لم يكن بالضرورة بداية المشروع الذي تشكل بعده. فقد كشفت الحرب عن مسار يتجاوز تدمير حماس إلى إعادة صياغة غزة نفسها: تهجير متكرر، تدمير واسع، التحكم في الموارد، إضعاف مقومات الحياة، وتحويل السكان تدريجيا من أصحاب قضية وحقوق سياسية إلى جماعات سكانية تكافح من أجل الغذاء والمأوى والمساعدات. ومن ثم، فإن مستقبل الفلسطينيين ليس مجرد مسألة تتعلق بـ "اليوم التالي" في غزة؛ بل هو في قلب الصراع نفسه، وربما أحد مفاتيح فهم الحرب وأهدافها الأبعد.
لا يمكن فصل ما جرى في قطاع غزة عن التحولات الإقليمية التي رافقته. فقد اتسعت المواجهة إلى لبنان وإيران وسوريا وساحات أخرى، وتوسعت حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية، فيما تعزز الحضور الأمريكي وأعيد ترتيب بعض التحالفات والتهديدات. وقد يكون التصعيد المتواصل جزءا من تصور أوسع لإعادة بناء الشرق الأوسط وفق موازين قوة تخدم التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، وتحد من نفوذ الخصوم، وتوفر لواشنطن موقعا أكثر قوة في مواجهة المنافسين الدوليين، وفي مقدمتهم الصين. في غضون ذلك، لا تبدو إسرائيل دولة تبحث بالضرورة عن الاستقرار بالمعنى التقليدي، بقدر ما تسعى إلى إدارة إقليم مضطرب من موقع القوة. فبحسب هذا المنظور، الأمن لا ينتج عن معالجة جذور الصراع و"إعطاء كل ذي حق حقه"، وإنما يتأتى نتاج التفوق العسكري، والهيمنة، والتحكم في مصادر القوة لدى الآخرين. لهذا ربما يصح القول أن حكومة إسرائيل تفضل الاستثمار في استمرار الأزمات والتوترات، لا إنهائها.
لهذا تبدو الأسئلة التقليدية حول "من سيحكم غزة؟" أقل أهمية من سؤال آخر: أي غزة يراد لها أن تبقى؟ فالتصور الإسرائيلي الرئيس، وهو محل إجماع تقريبا، لا ينطلق من إعادة بناء مجتمع فلسطيني قادر على إدارة نفسه، وإنما من نزع قدرته على إنتاج سلطة مستقلة، وإخضاع مجاله للأمن الإسرائيلي، مع جعل سياسات التهجير والاستيطان وإعادة تشكيل الجغرافيا احتمالات مفتوحة ومحتملة. في هذه القراءة، الحرب على غزة، من منظور صهيوني، ليست طريقا إلى تسوية تاريخية، بل أداة لإعادة تعريف شروط الصراع نفسه انطلاقا من غزة.
هنا تظهر المفارقة الكبرى. حققت إسرائيل إنجازات عسكرية واسعة، وألحقت دمارا هائلا بغزة، ووسعت نطاق قدرتها على استخدام القوة في الإقليم. لكن هذه المكاسب ترافقها خسارة متزايدة في مجال الشرعية والصورة السياسية والأخلاقية. ففي الولايات المتحدة، ارتفعت النظرة غير المواتية إلى إسرائيل من 53% عام 2025 إلى 60% في ربيع 2026، فيما ارتفعت نسبة من لا يثقون بنتنياهو إلى 59%. كما أظهر مسح Pew في 36 دولة أن غالبية المستطلعين في معظم الدول تحمل نظرة سلبية إلى إسرائيل، ولا تثق بنتنياهو. بالطبع، لا تعني هذه المؤشرات أن إسرائيل فقدت دعمها الدولي، ولا أن المواقف العالمية أصبحت موحدة؛ لكنها تشير إلى تآكل مهم في أحد عناصر قوتها الاستراتيجية الناعمة. والأكثر دلالة أن التغير لم يعد مقتصرا على الحكومات أو النخب، بل امتد إلى الرأي العام الأمريكي وإلى أجيال أصغر سنا.
لذلك فإن السؤال بعد ثلاث سنوات لا ينبغي أن يكون ببساطة: هل انتصرت إسرائيل أم انهزمت؟ لقد انتصرت عسكريا في جوانب كثيرة، وهذا أمر يصعب إنكاره. لكن إذا كان المشروع يتجه إلى الهيمنة بدل التسوية، وإلى إدامة الصراع بدل حله، فإن معيار النجاح يصبح مختلفا. إسرائيل قد تكون قد ربحت جولات عسكرية وأعادت توزيع موازين القوة في الإقليم، لكنها في الوقت نفسه دفعت ثمنا متزايدا في الشرعية، والصورة الدولية، والعلاقة مع قطاعات من المجتمع الأمريكي، وفي قدرتها على تقديم نفسها بوصفها دولة تسعى إلى الأمن والسلام. وهنا يكمن مأزق إسرائيل الأعمق؛ تحول قوتها العسكرية، التي يفترض أن تكون وسيلة لحماية مشروعها، إلى قوة تنتج بيئة دولية وإقليمية أكثر عداء له. عندئذ لا يكون السؤال التاريخي عما إذا كانت إسرائيل قد انتصرت في حرب غزة، بل عما إذا كان النموذج الذي انتصرت به عسكريا قادرا على إنتاج مستقبل مستقر لها، أم أنه يعيد إنتاج الشروط التي ستجعل الحرب والصراع والهيمنة ضرورة دائمة لبقائها.