كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بعد فشل أوسلو والتوسع الاستيطاني: الدولة ثنائية القومية كخيار استراتيجي

بعد فشل أوسلو والتوسع الاستيطاني: الدولة ثنائية القومية كخيار استراتيجي

تاريخ النشر: 2026-04-15 | 12:28

لم يعد بالإمكان التعاطي مع المسار السياسي الذي انبثق عن اتفاقيات أوسلو بوصفه إطارًا قابلًا للحياة أو التطور. فبعد أكثر من ثلاثة عقود على توقيعها، تكشف الوقائع الميدانية أن هذا المسار لم يؤدِّ إلى قيام الدولة الفلسطينية، بل أفضى إلى نتيجة معاكسة تمامًا: توسع استيطاني متسارع، تفكيك جغرافي ممنهج للأراضي الفلسطينية، وإعادة إنتاج واقع السيطرة الإسرائيلية بأدوات أكثر تعقيدًا.
لقد تحوّل “حل الدولتين” من مشروع سياسي إلى شعار دبلوماسي يُستخدم لإدارة الصراع لا لإنهائه. ومع تضاؤل فرص تطبيقه عمليًا، برزت الحاجة إلى إعادة التفكير في المقاربات التقليدية، والانفتاح على خيارات بديلة أكثر انسجامًا مع الواقع القائم، وفي مقدمتها طرح الدولة الواحدة أو الدولة ثنائية القومية كأفق استراتيجي طويل المدى.
هذا التحول في النقاش لم يعد فلسطينيًا صرفًا، بل بات حاضرًا بقوة في أوساط إسرائيلية وغربية. فقد اعتبر المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه أن الصراع في جوهره صراع استعماري استيطاني، وأن إنهاءه يتطلب تفكيك هذا النمط من الهيمنة ضمن إطار سياسي جامع قائم على المساواة. كما أشار المفكر ميرون بنفنستي إلى أن الواقع القائم بين النهر والبحر هو في حقيقته واقع ثنائي القومية، ما يستدعي الاعتراف به سياسيًا بدل الاستمرار في إنكاره.
وفي السياق ذاته، يذهب الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي إلى أن استمرار الاحتلال يقوّض أي إمكانية لحل الدولتين، ويجعل من الدولة الواحدة الديمقراطية الخيار الأخلاقي الوحيد. بينما يدعو المؤرخ شلومو ساند إلى تجاوز فكرة الدولة القومية المغلقة، والانتقال نحو نموذج مدني يضمن المساواة الكاملة بين المواطنين.
أما على مستوى مراكز الأبحاث، فقد حذّرت مجموعة الأزمات الدولية ومركز كارنيغي للشرق الأوسط من أن استمرار الوضع القائم يقود فعليًا إلى ترسيخ نظام فصل عنصري دائم، في ظل تآكل فرص الحل التفاوضي التقليدي. كما خلصت دراسات صادرة عن تشاتام هاوس إلى أن الواقع الميداني بات أقرب إلى “دولة واحدة غير متساوية”، الأمر الذي يفرض البحث في كيفية تحويلها إلى دولة ديمقراطية بحقوق متساوية.
وفي الولايات المتحدة وأوروبا، تتنامى أصوات نقدية داخل الأوساط الأكاديمية والسياسية. فقد دعا المفكر الأمريكي بيتر باينارت إلى إعادة تعريف الحل السياسي على أساس المساواة بدل التقسيم، فيما أكدت الباحثة فرجينيا تيلي أن حل الدولتين لم يعد قابلًا للتطبيق، وأن البديل الواقعي يكمن في نظام سياسي واحد قائم على المواطنة المتساوية.
إن جوهر هذه المقاربات يكمن في إدراك حقيقة بنيوية: أن المشروع الاستيطاني لم يعد مجرد عقبة أمام السلام، بل أصبح هو الإطار الحاكم للواقع، ما يجعل من التقسيم الجغرافي والسياسي أمرًا شبه مستحيل. فشبكات المستوطنات، والبنية التحتية الأمنية، والتداخل الديمغرافي، كلها عوامل كرّست واقع الدولة الواحدة، ولكن بصيغة تمييزية.
من هنا، يبرز طرح الدولة ثنائية القومية أو الدولة الديمقراطية الواحدة ليس كحل مثالي أو قريب، بل كأفق استراتيجي يعيد تعريف الصراع من نزاع حدودي إلى صراع على الحقوق. وهو طرح يقوم على تفكيك بنية الامتيازات الاستعمارية، وإعادة بناء النظام السياسي على أساس المساواة والعدالة وسيادة القانون.
غير أن هذا الخيار لا يخلو من تحديات عميقة، في مقدمتها معضلة الثقة المتبادلة، وإرث العنف، والسؤال حول إمكانية التعايش في ظل ذاكرة مثقلة بالصراع. إلا أن التجارب التاريخية، كما في جنوب أفريقيا، تشير إلى أن الانتقال من أنظمة الإقصاء إلى أنظمة ديمقراطية ممكن، إذا توفرت الإرادة السياسية وآليات العدالة الانتقالية.
في المقابل، فإن الإبقاء على الوضع الراهن أو الاستمرار في الرهان على حلول متآكلة، يعني عمليًا تكريس حالة عدم الاستقرار، وفتح الباب أمام دورات جديدة من العنف، في ظل غياب أفق سياسي عادل وشامل.
وخلاصة القول ؟؟ إن التحولات الجارية إقليميًا ودوليًا، إلى جانب انسداد الأفق السياسي التقليدي، تفرض إعادة التفكير بعمق في مستقبل القضية الفلسطينية. لم يعد ممكنًا الاكتفاء بإدارة الصراع أو إعادة إنتاج الشعارات القديمة، بل باتت الحاجة ملحّة لبلورة رؤية استراتيجية جديدة تستند إلى الواقع لا إلى الأوهام.
وفي هذا السياق، تظل الدولة ثنائية القومية أو الدولة الديمقراطية الواحدة خيارًا استراتيجيًا مفتوحًا، يعكس جوهر النضال الفلسطيني من أجل الحرية والعدالة. فهي ليست مجرد صيغة سياسية، بل إطار أخلاقي يعيد الاعتبار لقيم المساواة وحقوق الإنسان، ويؤسس لإمكانية سلام حقيقي قائم على الشراكة لا الهيمنة.
وبين واقع يتجه نحو تكريس التمييز، وأفق يسعى إلى تفكيكه، يبقى الرهان على وعي الشعوب، وتحولات الرأي العام العالمي، وقدرة الفلسطينيين على إعادة بناء مشروعهم الوطني على أسس أكثر صلابة ووضوحًا. فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يصنعه ميزان القوة وحده، بل تصنعه أيضًا عدالة القضايا وإصرار أصحابها على انتزاع حقوقهم.

×
أخبار
وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط