كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بعيدا عن السياسة ...جربة نموذج التعايش السلمي

بعيدا عن السياسة ...جربة نموذج التعايش السلمي

تاريخ النشر: 2022-09-11 | 17:27

وانت تزور جزيرة الأحلام التونسية، لن تكتفي بالجلوس على الشاطئ والاستمتاع برائحة الأمواج وزرقة البحر، بل ستأسرك زقاق المدينة النظيفة والمليئة بالدكاكين الصغيرة، التي تعرض مختلف المنتوجات التقليدية التونسية من مجوهرات وحلي، وألبسة وأقفاف ومراوح السعف المصنوعة يدويا، وعليها علم تونس أو كلمة جربة بالحروف اللاتينية والعربية او حتى العبرية ! ربما ستلجأ إلى ملاذ يحميك من حرارة الشمس لتجد نفسك داخل مقهى شعبي يسحرك ببساطة الديكور وفخامة المجلس، الذي يعطي صورة عن البيوت التونسية في الزمن الجميل، وكيف كانت المرأة التونسية تتفنن في خياطة الوسائد والزرابي والافرشة التقليدية المصنوعة من جلد الخراف، ربما ستلاحظ وجود أشخاص يلبسون الكيباه اليهودية وتتعجب أن هذه الجزيرة العربية في البلد المسلم ترحب بهم... سيجيبك التوانسة المسلمون بأنهم أهل الدار ولافرق بينهم وبين المسلم والمسيحي ولا وجود لأي حركة متشددة داخل الجزيرة أو القطر التونسي تطالب برحيلهم أو تدعوا للانتقام منهم... هنا ستدرك أن تونس هي نموذج التعايش السلمي بين الأديان السماوية الثلاثة....ولكن كيف وصل هذا البلد العربي ذو الغالبية المسلمة والذي يناصر القضية الفلسطينية ويرفض التطبيع إلى تقبل اليهود كجزء من المجتمع التونسي له حقه ف المواطنة و الانتماء على عكس الشعوب العربية الأخرى التي لطالما تمزج ما بين الدين والسياسة وتخلط ما بين اليهودية و الصهيونية ؟

ربما أخفق الزعيم التونسي بورقيبة في مجال الاقتصاد والحريات السياسية والدينية وعسكر البلاد حتى تنجب ديكتاتورا جديدا يمضي بتونس على خطاه. ولكنه نجح في تحصين تونس من خطر التشدد الديني والتطرف و جنبها السقوط في الفخ الذي وقعت فيه الجزائر لاحقا ودفعت ثمنه لعقد من الزمن جعل يهود ومسيحي الجزائر يكتمون دينهم بل يفرون من البلاد خشية التعرض للتصفية، وما ينعم به اليهود في جربة من تعايش سلمي مع المسلمين ما هو إلى ثمرة من ثمار فكر  بورقيبة الذي لم يكن فقيها في الدين ولا من اتباع ما جاءت به سنة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام والذي دعي إلى حفظ حق اليهود في الدولة الإسلامية ومعاملتهم بأخلاق الإسلام واعتبارهم من أهل الكتاب، ومنذ استقلال الدولة التونسية عن '' الحماية الفرنسية '' كما يسميها المؤرخون سابقا ورئيس تونس الحالي قيس سعيد يمارس اليهود التونسيون شعائرهم الدينية في كنف الأمان والتعايش مع المسلمين لا بل أصبح معبد الغريبة في جربة مزارا لليهود من مختلف بقاع العالم من دون أن يكون موسم حج اليهود عبئا ثقيلا على المؤسسة الأمنية التي تعتبر ان مستوى خطر استهداف اليهود يبقي ضئيلا جدا، ذلك لأن الغالبية المسلمة في تونس متعايشة مع اليهود بل تجد في المكون اليهودي لونا من ألوان تونس ولا تكن أي مشاعر عداء، وحتى عندما تم تعيين يهودي على رأس وزارة السياحة استبشر التونسيون خيرا لما لهذا الرجل من قدرة على بعث النشاط السياحي من خلال تواصله مع يهود فرنسا الأثرياء وقدرته على اقناع المال اليهودي للاستثمار في تونس.

يقطن الحارة الصغيرة في جربة حاليا قرابة 1300 يهودي حسب الاحصائيات الرسمية يتشاركون مع المسلمين في العديد من العادات والتقاليد التونسية وتتجاور بيوت ودكاكين المسلمين واليهود ويتقابل أبناءهم الصغار في مباريات كرة قدم الشوارع أما الكبار فيجتمعون ليناصروا منتخب تونس من داخل المقاهي في جو تسوده لحمة أخوية تعبر عن حسن الجوار وتسامح الأديان، وتتحول جربة في موسم الحج الى جزيرة تعج باليهود القادمين من مختلف بقاع الأرض ليزوروا المعبد المسمى ‘‘الغريبة ‘’ نسبة لامرأة كان التونسيون على اختلاف اديانهم ومنذ  2400 سنة يتباركون بها، ويستبشر التجار المسلمون بقدوم موسم الغريبة لانتعاش حركة الأسواق بعد قدوم أفواج من اليهود الى المدينة الصغيرة، وقد قدر عدد الزائرين العام الماضي بأزيد من 3000 زائر أجنبي ساهموا في عودة القليل من الروح للسياحة التونسية المتوقفة عامين بسبب كورونا ، وما ان تنتهي طقوس حج الغريبة السنوية تعود المدينة الى هدوئها المعهود ويمتزج اليهود والمسلمون في حياتهم اليومية وكأن شيئا لم يكن .

قد يسأل القارئ عن الغاية من الحديث عن جربة وتعايش المسلمين واليهود فيها، بالرغم من أنها هذا يحصل في الداخل الفلسطيني المحتل ويتشارك عرب إسرائيل المسلمون مع يهود إسرائيل في العمل أو مقاعد الدراسة أو وسائل النقل والأماكن العامة، ولكن الوضع يختلف تماما في فلسطين المحتلة ذلك لأن السياسة ورغبة الإقصاء التي يمارسها المتطرفون بتشجيع من الحكومة الإسرائيلية، وطبيعة الصراع على أساس الأحقية في الأرض ومحاولة إلغاء دولة فلسطين ووجود حق فلسطيني في الأرض المحتلة، تلغي مظاهر التعايش السلمي بين المسلمين واليهود وتجعله تعايشا مفروضا بالأمر الواقع، ومهددا في ظل التصعيد وموجات العنف دون أن ننسى الانتهاكات المستمرة للمقدسات الإسلامية التي تحرك مشاعر المسلمين وتدفع الى الانتقام : لقد نجحت جربة في تحقيق تعايش سلمي بين المسلمين واليهود في حين فشل اليهود والمسلمون في فلسطين في تحقيق ذلك، لأن أساس الصراع صراع وجودي ذو خلفية سياسية وصراع يعتمد على فلسفة عبثية عنوانها الأرض لمن ؟  وهذا ما من شأنه أن يعطل الحل ما بين الإسرائيليين والفلسطينيين واليهود والمسلمين في الشرق الأوسط بمجمله، وأن يضاعف الأعباء الأمنية على دولة إسرائيل التي لن تنعم بالهدوء حتى في أوج قوتها العسكرية لأنها ستبقى دولة مهددة من الداخل والخارج وتعيش على تماس مباشر مع خصم يجد في المقاومة الخيار الوحيد للبقاء، كما من شأنه ان يضاعف من معاناة وحصار وتشريد الفلسطينيين الذين يواجهون الإقصاء والحق في بناء دولتهم والعيش بسلام.

سينعم اليهود والمسلمون في جربة بالسلام الدائم لطالما ظلوا مبتعدين عن السياسية وعن فكرة صراع وجودي، وسيتمر مسلمو ويهود فلسطين وإسرائيل في دفع فاتورة ما تفعله السياسة وما تنتجه صراعات الرغبة في الإقصاء.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط