كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بن غفير والـ15 مقعدًا: حين يتحول تهجير غزة إلى برنامج انتخابي

بن غفير والـ15 مقعدًا: حين يتحول تهجير غزة إلى برنامج انتخابي

تاريخ النشر: 2026-08-14 | 16:39

لم يعد تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة مجرد فكرة يطرحها وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في خطابات اليمين المتطرف، بل بات جزءًا معلنًا من حساباته الانتخابية. ففي تصريحات حديثة، قال بن غفير إن زيادة قوة قائمته في الانتخابات المقبلة إلى 12 أو 15 مقعدًا ستمنحه نفوذًا أكبر للدفع باتجاه تشجيع هجرة الفلسطينيين من غزة، مؤكدًا أنه يرى في ذلك عنصرًا أساسيًا في سياسته تجاه القطاع.

تكمن خطورة هذا التصريح في أنه ينقل قضية التهجير من هامش الخطاب السياسي الإسرائيلي إلى صلب المنافسة الانتخابية. فالمسألة لم تعد، وفق هذا المنطق، مجرد موقف شخصي لوزير من أقصى اليمين، وإنما محاولة لتحويل مصير ملايين الفلسطينيين إلى ورقة انتخابية، وربط حجم القوة البرلمانية للحزب بقدرته على فرض سياسة تستهدف تغيير الواقع السكاني والجغرافي في غزة.

ويكشف تعبير «الهجرة الطوعية»، الذي يكرر بن غفير استخدامه، عن محاولة لإعادة صياغة مفهوم التهجير بلغة أكثر قبولًا سياسيًا. غير أن الطوعية لا يمكن فصلها عن الظروف التي تحيط بالمدنيين. فعندما يعيش السكان تحت وطأة الحرب والدمار والنزوح والأزمة الإنسانية، فإن طرح مغادرة الوطن باعتبارها «خيارًا حرًا» يثير أسئلة جوهرية حول مدى حرية هذا الخيار أصلًا.

وهذه ليست المرة الأولى التي يطرح فيها بن غفير هذه الرؤية. فقد وثقت الأمم المتحدة تصريحات سابقة له دعا فيها إلى تشجيع ما يسميه «الهجرة الطوعية» من غزة، بالتوازي مع الدعوة إلى السيطرة الإسرائيلية على القطاع وإعادة الاستيطان فيه. كما كرر في يوليو/تموز 2026 أن تدمير حركة حماس وتشجيع هجرة الفلسطينيين يمثلان، من وجهة نظره، الحل الذي ينبغي أن تتبناه إسرائيل في غزة.

لذلك، فإن التصريح الانتخابي الأخير لا ينبغي التعامل معه باعتباره موقفًا منفصلًا، بل باعتباره جزءًا من مسار سياسي متراكم. ففي يوليو/تموز الماضي، شارك بن غفير مع شخصيات من اليمين الإسرائيلي في تحرك قرب حدود غزة للمطالبة بإعادة إقامة المستوطنات الإسرائيلية في القطاع، في مشهد يعكس تداخل فكرتي التهجير والاستيطان في خطاب اليمين المتطرف.

وهنا تظهر المفارقة السياسية الأبرز: فبينما يفترض أن تكون الانتخابات مناسبة لمناقشة مستقبل إسرائيل، وأمنها، وعلاقاتها مع الفلسطينيين، تتحول غزة إلى مادة للمزايدة الانتخابية. تصبح أصوات الناخبين، في خطاب بن غفير، وسيلة لزيادة القدرة على التأثير في مستقبل شعب آخر لا يشارك أصلًا في الانتخابات الإسرائيلية ولا يملك أي قدرة على التأثير في نتائجها.

والأكثر إثارة للقلق أن هذه الخطابات تأتي في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية بشأن مستقبل غزة، فيما لا تزال الحكومة الإسرائيلية تواجه تناقضات داخلية حادة حول الحرب والانسحاب وترتيبات ما بعد الحرب. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن اليمين المتطرف داخل الحكومة يضغط باتجاه خيارات أكثر تشددًا، بينما تتعرض الحكومة لضغوط دولية للقبول بمسار يؤدي إلى وقف الحرب وترتيبات سياسية وأمنية جديدة في القطاع.

من هذه الزاوية، فإن معادلة «15 مقعدًا» ليست مجرد رقم انتخابي. إنها تعكس محاولة لتحويل القوة البرلمانية إلى أداة لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني. وهذا يستدعي من المجتمع الدولي التعامل مع هذه التصريحات بجدية، لا باعتبارها مجرد دعاية انتخابية، لأن تكرارها وانتقالها من الخطاب إلى سياسات حكومية محتملة قد يجعل الأفكار التي كانت توصف سابقًا بأنها متطرفة جزءًا من النقاش السياسي المعتاد.

كما أن استخدام مصطلح «الهجرة الطوعية» لا يلغي الأسئلة القانونية والأخلاقية المتعلقة بالتهجير القسري أو النقل القسري للسكان. فالقضية لا تتعلق فقط بوجود أمر مباشر بإجبار السكان على الرحيل، وإنما أيضًا بالظروف والسياسات التي قد تجعل البقاء في أرضهم غير قابل للحياة.

إن أخطر ما في خطاب بن غفير ليس فقط ما يقوله عن الفلسطينيين، وإنما ما يكشفه عن طبيعة التحول داخل السياسة الإسرائيلية: حين يصبح اقتلاع السكان من أرضهم وسيلة للحصول على الأصوات، يصبح التهجير نفسه برنامجًا انتخابيًا.

ومن هنا، لا ينبغي أن يكون السؤال الدولي: هل يستطيع بن غفير الحصول على 15 مقعدًا؟ بل: ماذا يعني أن يصبح الحصول على هذا العدد من المقاعد، في خطاب سياسي معلن، وسيلة لزيادة القدرة على الدفع نحو تهجير الفلسطينيين من غزة؟

غزة ليست ورقة في الانتخابات الإسرائيلية، وسكانها ليسوا كتلة سكانية قابلة لإعادة التوزيع وفق نتائج صناديق الاقتراع. إن حق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم وتقرير مستقبلهم لا يخضع لعدد المقاعد التي يحصل عليها حزب إسرائيلي، ولا ينبغي أن يصبح مستقبل شعب بأكمله رهينة للمنافسة بين قوى اليمين المتطرف.

إن مواجهة مشروع التهجير تبدأ، قبل كل شيء، برفض تطبيع لغته. فحين يصبح «الرحيل الطوعي» تعبيرًا سياسيًا متكررًا عن إفراغ الأرض من سكانها، فإن مسؤولية المجتمع الدولي هي التمييز بوضوح بين حرية الإنسان في اختيار مكان إقامته، وبين دفع شعب كامل إلى مغادرة وطنه تحت وطأة الحرب والدمار والضغط.

وفي النهاية، فإن معادلة بن غفير الانتخابية تختصر جوهر المشكلة: 15 مقعدًا قد تزيد نفوذ حزب، لكنها لا تمنح أي حكومة أو برلمان حق تقرير مصير شعب آخر. وغزة، قبل أن تكون ملفًا انتخابيًا إسرائيليًا، هي قضية شعب وحقوق وأرض ومستقبل، ولا يمكن حسمها بصندوق اقتراع لا يشارك فيه أصحابها.

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط