كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بهمش مش متذكر:عن اللغة والثقافة والحكم

بهمش مش متذكر:عن اللغة والثقافة والحكم

تاريخ النشر: 2015-12-28 | 11:25

بهمش!

مش متذكر!

في روايته الشهيرة "يوميات نائب في الأرياف"، تأمل الكاتب توفيق الحكيم عبارة عامية ساخرة من حسناء في الريف المصري، تستهين فيها من غفير ضايقها، وعلّق عليها بأنها أكثر بلاغة من الكتاب والشعراء.

صدرت الرواية في منتصف ثلاثينات القرن العشرين، في عصر النهضة العربية الحديثة، التي اتكأت على النهضة الأدبية بشكل خاص، والتي صاحبها تخليص اللغة مما علق بها من جمود. في ظل إعادة إنتاج المعاني، والمضامين، يتم توظيف اللغة الجاهزة من أجل القيام بهذا الدور، لكن في ظل الإبداع، فإن في اللغة متسعا للاستخدام الخاص لكل كاتب، والذي يكون استخداما إبداعيا.

وتوفيق الحكيم، بلغته العادية جدا، الخالية من التقعر اللغوي والمتحررة من تكرار الصيغ القديمة هو أحد المجددين في الأدب العربي، والذي ما زال يؤثر في الأجيال، ويبدو أن تأثيره سيطول.

من خلال فقرة في "يوميات نائب" تحررت من أفكار المعلمين التقليديين عن الأدب الشعبي، والأدب بشكل عام، وتعلمت أن المهم هو التعبير الصادق لا التكلف، أما باقي تحرري الأدبي فكان على يد الشنفرى وأبي نواس في كلية الآداب.

عودة إلى "بهمش" الحاج زياد أبو هليل،  و"مش متذكر" الطفل أحمد مناصرة، وكيف شاهدنا انتشارهما. سبب الانتشار كان بلا شك هو الموقف نفسه، وزاد ذلك عمق التعبير اللغوي الصادق والصادم أيضا.

بلاغة اللغة هي بلاغة المشهد لا إعادة إنتاج اللغة، والتي تشبه المحفوظات.

هي بلاغة المعنى إذن، وهو الصدق الفني كأهم شرط لنجاح الإبداع.

بهمش ابو هليل، دلالات السخرية من الاحتلال واستنكار فعلهم المشين تجاه الأطفال والفتيان، فحتى ولو ألقوا حجارة على جنود الاحتلال، فإن ذلك برايه لا يستحق قمع الجنود لهم، فهو يخفف من رمي الأطفال السلمي، ويكشف طغيان الآلة العسكرية. وهو أيضا يرى أن هؤلاء مجرد أطفال وفتية يعبرون عن مشاعر الغضب تجاه الاحتلال، ولهم الحق في ذلك، في حين أن جنود الاحتلال هو كبار في السن وعاقلون لا ينبغي أبدا أن يرتكبوا جرائم. كلامه منطقي، حجر مقابل رصاص ودخان خانق لا يلتقيان!

 "مش متزكر" أحمد مناصرة، براءة الطفولة المستباحة من محققي أمن الاحتلال الذين مارسوا فروسية واهمة ووهمية على طفل بريء.

لقد أوجع أحمد قلوب العالم، قلوب متحدثي العربية واللغات الأخرى؛ إذ كيف سيتذكر الطفل الصغير كل تلك المعلومات، بل كيف سيستطيع حتى الإجابة على الأسئلة المخيفة شكلا ومضمونا وهي تنطلق من محققين عصبيين هما أقرب إلى الجنون من العقل، بسبب غياب الحد الأدنى من الإنسانية؟!

-       ................

-       مش متزكر!

لم يبك أحمد لكنه أبكانا، لم يغضب لكنه جعلنا نغلي كرها للاحتلال.

بهمش بهمش بهمش بهمش بهمش بهمش بهمش.....وإلى آخره.

مش متزكر مش متزكر مش متزكر مش متزكر، وإلى آخر ما تبقى من التذكر والذكرى والذكريات.

في ظل كساد بضاعة الساسة والكتاب، يتم بسهولة انتشار بهمش ومش متزكر، بدون تحمل نفقات الترويج.

لعلنا هنا بالذات نقف لنتأمل الشعور والفكر على ضوء الكلمات؛ متذكرين دوما أنه"في البدء كانت الكلمة".

بدء الحضارة، وبدء النهضة، وبدء النهوض، بدء الرسالات والمبادئ والأفكار.

لماذا؟ وماذا؟

في هذه الهبة التي ما زلنا مختلفين في توصيفها، استطاع شيخ حكيم وطفل بريء وصفها كأبدع ما يكون الوصف والتحليل السياسي أيضا؛ فمن جهة كما أسلفنا ترى الحكمة والموضوعية ألا تستخدم سلطات الاحتلال القوة ضد المنتفضين/ات، كون الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة هي التي تتحمل مسؤولية إيصال المشهد هنا إلى ما وصلنا إليه. فكانت "بهمش" أي اصبروا ولا تردوا على الأطفال، ودعوهم يعبرون عن أنفسهم، لأنهم فعلا في حالة تعبير شعوري وفكري، يتجلى جزء منه بإلقاء حجر.

أما دلالة "مش متزكر" في سياق وصف الهبة-الانتفاضة وتحليها، فهي أن الفعل التعبيري أصلا هو انفعالي ارتجالي غير مخطط له، فمن أين سيأتي أحمد والآخرون بتفاصيل هي أصلا غير موضوعة على المجمل!

أبدع الشيخ الخليلي في رد فعله "بهمش".

وصدق الطفل المقدسي في التعبير عن حاله الخائفة والمرتبكة.

تلك هي اللغة التي نريدها. تلك هي المضامين التي نحتاج أن ندمجها في خطابنا الإعلامي والسياسي.

-       إذن؟

-       نحن بحاجة لانتفاضة لغة، منها نستطيع الدخول للحداثة والابداع للتخلص من التقليديين السلفيين.

-       وانتفاضة اجتماعية وإدارية، سمها هبة، تخلص الناس إضاعة الوقت والانشغال ببعضنا بدلا من الانشغال بما وضعنا له وأؤتمنا عليه، في الشارع والبيوت والمؤسسات، في الوزارات. (وقد دمجتهما معا لاعتقادنا بأهمية وظيفة رعاة الأسر من أب وأم، ووظيفة العاملين/ات في الحكومة بشكل خاص).

-       و؟

-       وانتفاضة ثقافية وسياسية تخلصنا من العبث واللامبالاة، لأن ما ينفع الناس يمكث في بيت القصيد، على حد تعبير محمود درويش، في تناصه القرآني "ما ينفع الناس فيمكث في الأرض".

هناك مجال لقياس أثر الفعل على الأرض الفلسطينية: أرض الزراعة، وأرض الثقافة، وأرض الوظيفة الحكومية، وكل أرض خصبة تصلح للبذور والأشتال.

لو فصلنا أكثر، سنجد أننا في أي مرحلة من مراحل بناء كياننا السياسي والمجتمع والمؤسسات، قبل وخلال وبعد، نحن بحاجة إلى تحديث مؤسسات التعليم والبنى الثقافية والدينية والإعلامية والأمنية، تحديث يستهدف منظومة بديلة تهدف إلى مخرجات أفضل، بشرط أن يتم ذلك من خلال التصالحية لا العنف؛ فمن الطبيعي، ومن السهولة تطوير بنية مؤسساتنا، في ظل توفر الموارد البشرية، التي كل ما تحتاجه هو التشغيل والمساءلة بعدها للتقييم والتطوير لا للثأر والمعاقبة، ولا لتبديل مراكز قوى بأخرى تعيد الإنتاج نفسه تربويا وصحيا وثقافيا وزراعيا وقضائيا...

في البدء تكون الكلمة، فنهضة الأدب والفن والتعليم هو مبشّر بنهوض آخر اجتماعي يمهد لنمو اقتصادي، وسياسي يرع، وإعلامي يصور ويحاسب أيضا.

نختتم بتوفيق الحكيم كاتبنا العربي الكبير، الذي صدرت روايته" يوميات نائب في الأرياف" عام1937 تلك التي سرد فيها مشاهداته من الحوادث والقضايا التي عرضت عليه أثناء عمله في القضاء، في الريف، حيث دارت أحداثها حول يومياته كوكيل النيابة القادم من القاهرة إلى الأرياف، وكيف يمضي وقته في محاربة البعوض والذباب، والاصطدام مع المأمور وكاتب النيابة، وتفكيره النقدي في القوانين والحكم. كما ظهر في الرواية فساد المنظومة الإدارية، وعدم مقدرتها على تحقيق العدل للفلاحين المساكين، حيث يعرضها الكاتب في أسلوب فكاهي ساخر.

نحن لسنا بعيدين عن مصر والعالم العربي والعالم النامي المنشغل بنفسه والمقتتل على ثمار المنصب، لا دوره.

استدعى المضمون الإنساني لغة إنسانية معاصرة للحدث، والأهم استدعى التعبير الصادق والتفكير النقدي الملتزم، حيث راح القراء المثقفون والوطنيون والنخب السياسية الصاعدة في الأربعينات يتأثرون بهذا النقد، والذي سرّع من عمليات الإصلاح فيما بعد. ولعلنا نتذكر كلمات أغنية صورة للشاعر صلاح جاهين، التي غناها عبد الحليم حافظ، المتحدثة والمتغنية بالإنجاز، نسمع منها:

مدخنه قايده قلوب حسادنا تحتها صلب كأنه عنادنا

وقدامه من اغلي ولادنا عامل ومهندس عرقان

وبعيد عن العين لكن في الصوره اوضح ناس

ناس تحت حر الجبال والقلب كله حماس

بتفجر الرمل انهار من دهب اسود

وناس بتكسيه بخضره وكل لون له ناس

واساتذه وعلما ومعامل ودكاتره من الشعب العامل

ورجال سُكَّر علي مكاتبها تخدم بالروح لما تعامل

والصوره مافهاش الخامل

النهضة عاملان ذاتي وموضوعي.

نعم صدق الشيخ الخليلي في بهمشه.

وصدق الطفل المقدسي في عدم القدرة على التذكر.

وصدق صلاح جاهين، واللي حيبعد من الميدان عمره ما حيبان في الصورة.

[email protected]

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط