كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بوتين.. من فرانك سيناترا إلى ليونيد بريجنيف

بوتين.. من فرانك سيناترا إلى ليونيد بريجنيف

تاريخ النشر: 2022-06-24 | 08:23

مع استمرار الحرب في أوكرانيا يتساءل كثير من المعلقين أين ومتى سيقرر فلاديمير بوتين وضع نهاية لسلوكه العدائي الحالي.

إذا ما قمنا بالغوص في التاريخ الروسي ربما نجد البعض يؤكد أنه حتى إذا توقف عما يفعله فسيكون ذلك تحركاً مرحلياً على شاكلة ذلك التحرك الذي وصفه لينين بأنه «خطوة واحدة للوراء وخطوتان للأمام»، فسلوك بوتين لديه جذور في تكوين النفس الروسية.

ظل الروس منذ بداية ظهورهم كشعب مميز يخشون أن يصبحوا مثل الآخرين، فنظراً لافتقارهم إلى أشكال الدفاع الطبيعية، كانت أراضيهم الشاسعة معرّضة للغزو الأجنبي. يطرح نيكولاي تشيرنيشيفسكي في روايته «ما الذي يمكن فعله؟» سؤالا عما إذا كان على روسيا أن تصبح أوروبية أو آسيوية أم تظل كما هي وتجعل أوروبا وآسيا مثلها. بالنسبة إلى خومياكوف وغيره من أنصار القومية السلافية، لا ينبغي على روسيا السماح بخسارة أي جزء من تربتها أو روحها لصالح الآخرين حتى تؤدي واجبها كروما الثالثة وآخر حاملي لواء المسيحية الحقيقية.
لذا عندما يقول بوتين إن أوكرانيا كانت وما زالت روسية، ويجب أن تعود روسية مرة أخرى، فإنه يعبر عن كبرياء قومية لها جذور ضاربة في العمق تجعل أي علاقة مع العالم الخارجي قائمة على الصراع بفعل الواقع. لقد عبّر لينين عن ذلك الغرور الروسي القديم بأسلوبه من خلال استخدام نسخة تم إساءة فهمها من الجدل الهيغلي. وقد كتب: «سنكون آمنين ونصرنا سيكون نصراً حقيقياً فقط عندما تنجح قضيتنا في العالم أجمع». لقد تقبل التعايش بين الاشتراكية والرأسمالية خلال «فترة انتقالية»، لكنه أصرّ على أن روسيا في ثوبها البلشفي آنذاك لن تكون في أمان «إلى أن تغزو قضيتنا العالم بأسره». كذلك كتب: «من غير المعقول للجمهورية السوفياتية أن توجد إلى جانب دول إمبريالية لأي مدة من الزمن. يجب أن ينتصر أحد الطرفين في النهاية».
لقد ارتكب لينين خطأين في استخدامه للجدلية؛ أولاً لقد افترض ضرورة حل الصراع بين الأطروحة والأطروحة المضادة «في النهاية» وهو نطاق زمني خيالي. ثانياً لم يتمكن من إدراك أن الصراع في الجدل الهيغلي ينتهي بأن الاثنين يمثلان ولا يمثلان الأطروحة والتأليف مع تمثيل واقع ثالث جديد. بعبارة أخرى يمكن القول إن الصراع بين الاشتراكية والرأسمالية ليس مثل مباراة ملاكمة يجب أن تنتهي بعد عدد محدد سلفاً من الجولات بفوز أحد الطرفين بالضربة القاضية.
في نهاية الخمسينات بعدما أصبح تفاخر نيكيتا خروشوف بـ«دفن العالم الرأسمالي» بحلول عام 2000 نكتة سخيفة، أعاد من خلفوه قولبة الرؤية ذات المظهر الروحاني لخومياكوف ولينين الخاصة بدور روسيا في التاريخ من خلال التخلي عن الجوانب المسيحية والشيوعية، وجعلوها مستندة إلى الحفاظ على مصالح روسيا ونفوذها كدولة. مثّل ذلك ميلاداً لعقيدة بريجنيف، التي لن تسمح روسيا بموجبها لأي دولة كانت تقع ضمن نطاق النفوذ الروسي أو كان لديها نظام شيوعي، بالانفصال والانضمام إلى «الجانب الآخر».
طبقاً لهذه العقيدة قمعت الدبابات الروسية ربيع براغ، وحاولت لاحقاً الحفاظ على النظام الشيوعي المتداعي في كابل من خلال غزو أفغانستان، حيث لم يكن الهدف غزواً عالمياً أو هيمنة عالمية، بل تمسك بالجزء الروسي من العالم. حين وصل ميخائيل غورباتشوف إلى رأس السلطة في الكرملين، كانت الكارثة الأفغانية وتنامي السخط في شرق ووسط أوروبا جعلا من عقيدة بريجنيف لا لزوم لها.
وضع غورباتشوف عقيدته الصغيرة الخاصة من خلال الاعتراف بما تسمى الجمهوريات الشعبية في منطقة النفوذ الروسي في أوروبا، بل ومساعدتها في بعض الحالات في المضي في طريقها المستقل شريطة عدم إقصاء روسيا تماماً. كانت رسالته الباطنية هي إمكانية تشارك الاتحاد السوفياتي و«العالم الرأسمالي» للغنيمة التي حظوا بها بعد الحرب العالمية الثانية، وإنشاء نظام عالمي جديد قائم على «قيم عالمية» و«مصالح مشتركة».
على عكس لينين، الذي رأى أن كل العلاقات قائمة على الصراع والتنافس، اعتقد غورباتشوف وجود إمكانية للجمع بين الأطروحة والأطروحة المضادة في رقصة تانغو صناعية عالمية. من المثير للاهتمام أن الدول الديمقراطية الغربية قد أرادت بقاء الاتحاد السوفياتي كأحد أعمدة الاستقرار في أوروبا. وأكد جيمس بيكر الثالث، وزير الخارجية الأميركي خلال فترة حكم الرئيس جورج بوش الأب، أن «انعدام الاستقرار في أوروبا الشرقية ليس في مصلحتنا»، وكانت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا العظمى تناور من أجل تأجيل أو منع إعادة توحيد ألمانيا.
كذلك كرر غينادي غيراسيموف، المتحدث باسم وزارة الخارجية السوفياتية، في عام 1989 ما قاله ألكسندر ياكوفليف، عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي، بطريقة مازحة قبل ذلك بعدة أسابيع بتأكيده أن الاتحاد السوفياتي أراد أن يكون جزءاً من نظام عالمي قائم على التنوع.

قال: «اليوم تبنينا عقيدة سيناترا بدلاً من عقيدة بريجنيف وهو ما يسمح لكل دولة بالمضي في طريقها المستقل».
بطبيعة الحال كانت تلك إشارة إلى الأغنية الشهيرة للمغني الأميركي فرانك سيناترا «لقد فعلت ذلك على طريقتي»، والتي أحبها ألكسندر ياكوفليف، وأعضاء آخرون في المكتب السياسي من محبي صاحب العينين الزرقاوين. ظلت عقيدة سيناترا مطبّقة في الكرملين حتى بعد حلّ وتفكك الاتحاد السوفياتي، وهو ما أبقى الأمل في العثور على موضع ملائم لروسيا في نظام عالمي جديد خالٍ من التنافس الآيديولوجي وسباق تسلح وتنافس إمبريالي على الهيمنة في «العالم الثالث» قائماً.
بغض النظر عن الطرف المسؤول لم تتحقق آمال العثور على موضع ملائم لروسيا قط، وربما يعزى ذلك بشكل ما جزئياً إلى رغبة روسيا الدائمة في الحصول على أكثر مما تستحق، وتقديم القوى الغربية أقل مما تستحقه روسيا. تمثل لغة بوتين القومية المتطرفة المتشددة، ووهم الاجتياح لتحقيق مكاسب في أوكرانيا رداً جافاً على ذلك الواقع. من المؤكد أنه قد دفن عقيدة سيناترا، لكن لا يمكن للمرء أن يؤكد ما إذا كان قد عاد وارتد إلى عقيدة بريجنيف بالكامل أم لا.
توضح الإشارات المتعارضة القادمة من موسكو أنه قد ينتهي به الحال إلى تبني الرئيس بوتين نسخة أكثر اعتدالاً من عقيدة بريجنيف من خلال القبول بضمّ قطعة أخرى من أوكرانيا. تقول ماريا زاخاروفا، المتحدثة باسم وزارة الخارجية في موسكو، إن أوكرانيا «بشكلها الموجود على الخريطة وبتلك الحدود المرسومة قد انتهت ولن تعود مرة أخرى». تتمثل المشكلة في أنه إذا تمكن بوتين من إعادة تشكيل أوكرانيا في دولة أصغر حجماً، ربما يشعر بإغواء الارتداد إلى العقائد التي تبناها وأيّدها كل من خومياكوف ولينين التي تقوم على آراء مختلفة لهما، لكنها متشابهة في طابعها الروحاني، عن دور روسيا في التاريخ الإنساني. قد يعني ذلك نشوب صراعات أخرى، بل وحروب أخرى في أوروبا، وربما حتى في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا. من وجهة نظر روحانية للشؤون الإنسانية كثيراً ما تكون معرفة نقطة البداية أمراً سهلاً، لكن من الصعب معرفة موضع نقطة النهاية. لهذا السبب ربما لن تكون حتى نهاية الحرب في أوكرانيا أمراً كافياً لاستعادة سلام دائم في أوروبا.

عن الشرق الأوسط اللندنية

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط