كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بين الاصطفاف والقضية: الانهيار الخفي للمشروع الوطني

بين الاصطفاف والقضية: الانهيار الخفي للمشروع الوطني

تاريخ النشر: 2026-01-11 | 12:00

ليس الاستمرار في تسليط الضوء على الحالة الفلسطينية المتشظية ضربًا من ترف القول أو فذلكة لسانيّة، بل ضرورة تحليلية تفرضها طبيعة التحوّل الذي أصاب الانقسام الفلسطيني؛ إذ لم يَعُد خلافًا سياسيًا قابلًا للاحتواء، ولا تباينًا تنظيميًا عابرًا، بل تحوّل إلى ثقافة عامة أعادت تشكيل الوعي الجمعي، وفرضت منطقها على أنماط التفكير والسلوك، وأعادت تعريف الوطنية بوصفها ولاءً تنظيميًا لا موقفًا أخلاقيًا جامعًا. وبذلك غدا الانقسام إطارًا ناظمًا للوعي قبل أنْ يكون واقعًا سياسيًا مفروضًا.

فعلى الرغم من سنوات الاصطفاف الفصائلي، ما يزال الفلسطيني، في حياته اليومية، قادرًا على التعايش مع الاختلاف وتقاسم الألم ذاته تحت الاحتلال والحصار. غير أنّ هذا التعايش يتآكل سريعًا عند الدخول في فضاء الجماعة الفصائلية؛ حيث لم تَعُد الإشكالية محصورة في تعدد البرامج أو اختلاف التقديرات السياسية، بل في إعادة تشكيل الوطنية على أسس تنظيمية ضيقة، يُصادَر فيها الوعي، وتُقدَّم الجماعة بوصفها مرجعية نهائية، ويُختزَل الوطن في إطارها، وتُعطَّل الأهداف السياسية باسم الوطن والقضية.

ضمن هذا الفضاء، لا تُدار الخلافات بوصفها تعبيرًا عن تنوّع سياسي مشروع، بل باعتبارها معارك وجودية داخلية؛ تُحَوَّل فيها الأسئلة إلى شبهات، والنقد إلى تهديد، ويُعاد إنتاج خطاب التخوين بوصفه أداة للضبط والسيطرة. وهكذا لم يَعُد الانقسام حالة طارئة، بل تحَوَّل إلى بُنية ثابتة تُستخدم لإعادة إنتاج السلطة وضمان إخضاع الجمهور، حتى وإنْ كان الثمن إضعاف المشروع الوطني ذاته.

وقد كشفت الحرب على غزة، بوضوح قاسٍ، مآلات هذا المسار. فعلى الرغم من الحجم غير المسبوق للتضحيات الإنسانية، بدا الفلسطينيون أمام العالم بلا مرجعية وطنية جامعة، وبلا رؤية سياسية قادرة على تحويل الكلفة البشرية إلى رافعة تحررية ومكاسب سياسية ملموسة.
وفي السياق ذاته، تراجع حضور القضية الفلسطينية في بُعدها التحرري لصالح مقاربات أمنية وإنسانية مفصولة عن سياقها الوطني؛ فأُديرت غزة بوصفها مأساة إنسانية منفصلة عن السياسة، وأُديرت الضفة بوصفها ملفًا أمنيًا، فيما غاب الإطار الوطني القادر على وصل المعاناة بالهدف، والصمود بالمشروع. ولم يكن هذا الغياب نتاج السياسات الإسرائيلية في الضفة وغزة فحسب، بل نتيجة مباشرة لانقسام طويل عطّل إمكان بناء استراتيجية سياسية موحّدة.

تكمن خطورة هذا الواقع – أو بالأحرى تبعاته البنيوية – في أنّ الانقسام لم يَعُد خللًا طارئًا، بل غدا نمط حكم وآلية لإعادة إنتاج السلطة، وبُنية تُقوِّض القدرة الوطنية على الفعل. ومع غياب القرار الفلسطيني الموحّد، تُستنزف التضحيات في مسارات تفاوضية لا يملك الفلسطينيون مفاتيحها، وتُعاد صياغة القضية بوصفها أزمة إنسانية طويلة الأمد، لا مشروع تحرر وطني ذي أفق سياسي.

ولا يمكن، في هذا السياق، فصل الانقسام الداخلي عن بيئته الإقليمية والدولية. فبعض القوى التي قدّمت دعمًا جزئيًا أو كليًا للقضية الفلسطينية، وجدت في الانقسام فرصة للاستثمار السياسي ضمن صراعاتها الاستراتيجية، فحُوِّلت المساعدات والغطاء السياسي إلى أدوات ترجيح داخلي، تُغذّي التنافس الفصائلي بدل الإسهام في بناء موقف وطني جامع. وهكذا تشكّلت حلقة مُنهِكة: أضعفت التوافق الداخلي، ورسّخت منطق الجماعة على حساب المصلحة الوطنية، وفتحت الباب أمام تدخلات خارجية راكمت مزيدًا من التصدعات، ما جعل المشروع الوطني أكثر قابلية للتفريغ والتهميش.

إنّ التّحدي الجوهري في مرحلة ما بعد غزة لا يكمن في التفاصيل الإجرائية ولا في صيغ المصالحة الشكلية، بل في استعادة المعنى السياسي ذاته. فالمسألة لم تَعُد تتعلق بتقاسم السلطة، بل بإعادة بناء الوعي الوطني بوصفه وعيًا نقديًا جامعًا، لا وعيًا تعبويًا مغلقًا. ومن هنا، فإنّ كسر هذا المسار لا يمكن أنْ يكون نتاج تسوية فصائلية مغلقة، ولا نتيجة تدوير النُّخب ذاتها – إذ إنّ الفصائل نفسها أحد تعبيرات هذا المأزق – بل ثمرة فعل فكري ومجتمعي تقوده نُخب نقدية عابرة للتنظيمات والفصائل، تستعيد السياسة من منطق الاصطفاف، وتعيد وصل الوعي الوطني بالإنسان لا بالجماعة.

وفي هذا الإطار، لا تُستعاد الشرعية الوطنية بوصفها إجراءً تقنيًا أو تفويضًا انتخابيًا معزولًا عن المعنى، بل باعتبارها تعاقدًا سياسيًا وأخلاقيًا جامعًا يُعاد تعريفه على أساس الإرادة الشعبية الحرة. فالنظام الأساسي أو الدستور لا يُختزَل، هنا، في كونه نصًا قانونيًا، بل يُفهم بوصفه التعبير الأعلى عن إعادة تأسيس الشرعية، وضبط العلاقة بين السلطة والمجتمع، وتحديد وظيفة السياسة باعتبارها أداة تحرر لا إدارة انقسام. وأي مسار لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني يفقد معناه إنْ لم ينطلق من هذا الأساس: شرعية تُستمد من الشعب، وتُمارَس تحت سقف منظمة التحرير بوصفها إطارًا وطنيًا جامعًا، لا امتيازًا تنظيميًا أو تفويضًا قابلًا للتوظيف الفئوي. وبهذا المعنى، لم تَعُد الوطنية امتيازًا تنظيميًا أو شرعية مفروضة، بل مسؤولية أخلاقية تجاه الإنسان الفلسطيني، والتزامًا صريحًا بالقضية بوصفها قضية تحرر لا ملكية فصائلية.

من هنا، فإنّ وحدة الوطن لا تُصاغ بالاصطفاف خلف الجماعات، ولا بالرهان على شرعيات إجرائية، ولا بإدارة الانقسام بوصفه أمرًا واقعًا دائمًا، بل بوعي نقدي يضع القضية فوق التنظيم، وبإرادة سياسية جريئة لكسر المنطق الذي جعل الجماعة أقوى من القضية. فالمستقبل الفلسطيني لن يُحدَّد بإدارة المأساة، بل بالقدرة على تحويل المعاناة إلى مشروع سياسي موحّد وقابل للتحقق، يضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الفئوية، ويعيد السياسة إلى موقعها الطبيعي أداةً للتحرر، لا مجرد كلفة تُدار بلا رؤية.

وعليه، يظل السؤال الاستراتيجي اليوم: من يملك الجرأة الفكرية والسياسية لكسر هذا المسار، قبل أنْ يتحوّل الانهيار الخفي للمشروع الوطني إلى واقع مكتمل لا يترك مجالًا للاختيار؟ إذ لم يَعُد السؤال المُلحّ كيف نُنهي الانقسام، بل كم من الهزائم الأخلاقية والسياسية نحتاج قبل الاعتراف بأنّ الجماعة والأحزاب، حين تُقدَّم على القضية، لا تحميها فحسب، بل تُجهِز عليها.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط