كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بين الانتماء والتخوين : كيف يُختطف الوطن حين يُجرَّم السؤال"

بين الانتماء والتخوين : كيف يُختطف الوطن حين يُجرَّم السؤال"

تاريخ النشر: 2026-01-13 | 16:06

في كل مرة يُمنَع فيها السؤال باسم الوطن، يخسر الوطن جزءًا من نفسه. وفي كل مرة يُشيطَن فيها النقد بحجة “الظرف الحساس”، تتراكم الأخطاء حتى تتحول إلى قدر. في السياق الفلسطيني والعربي، لا يُدار الصراع السياسي فقط في ساحات المواجهة أو موازين القوة، بل وربما أخطر  في معركة الوعي، حيث يُعاد تعريف الانتماء بوصفه طاعة، وتُصوَّر المساءلة كخيانة، ويُختزل المواطن في دور المصفّق أو المتَّهَم.

 

هذا ليس انحرافًا لغويًا عابرًا، بل بنية خطابية متكاملة تُستخدم لحماية الفشل من النقد، لا لحماية القضية من الأعداء. فحين تعجز السياسة عن تقديم إجابات، تلجأ إلى تخويف الناس من الأسئلة. وحين تفشل القيادة في المراجعة، تطالب المجتمع بالصمت. هكذا يتحول “الانتماء” من علاقة مسؤولية متبادلة، إلى أداة قمع معنوي تُرفع في وجه كل من يجرؤ على التفكير بصوت عالٍ.

 

في لحظات الأزمات الكبرى، يُختبر صدق المشاريع لا بشدة الشعارات، بل بقدرتها على تحمّل النقد. لكن في الواقع الفلسطيني والعربي، غالبًا ما يحدث العكس تمامًا: كلما اشتدّ المأزق، ضاق هامش النقاش. يُقال إن الوقت غير مناسب، وإن المعركة لا تحتمل “التشويش”، وكأن الفشل لا يُشوّش إلا إذا كُشف، لا إذا استمر بلا مساءلة. وكأن الصمت فضيلة سياسية، لا وصفة مؤكدة لإعادة إنتاج الهزيمة.

 

في الحالة الفلسطينية، يأخذ هذا المنطق بعدًا أكثر خطورة. فالقضية العادلة التي يفترض أن تكون مصدر قوة وثقة تُستخدم أحيانًا كدرع لإغلاق النقاش الداخلي. تُستدعى قدسية فلسطين لا لحماية المشروع الوطني، بل لحماية الأداء السياسي من المحاسبة. يُمنَع السؤال عن الخيارات، وعن إدارة الصراع، وعن جدوى المسارات، وكأن عدالة القضية تُعفي من أخطأ باسمها من أي مسؤولية.

 

لكن الانتماء لفلسطين لا يعني تعليق العقل ولا تعطيل الضمير. الانتماء الحقيقي لا يُقاس بحدة الهتاف، بل بصرامة الموقف من الفشل. لا يُقاس بعدد الشعارات، بل بالقدرة على المراجعة. فالقضية التي دفعت أثمانًا هائلة من الدم والوقت لا تملك ترف إعادة تدوير الأخطاء، ولا تحتمل قيادة تُخطئ ثم تطلب من الناس الصمت احترامًا “للرمزية”.

 

النقد البنّاء، في هذا السياق، ليس ترفًا نخبويًا ولا تشويشًا على المعركة، بل شرط من شروط بقائها. من دون نقد، تتحول السياسة إلى طقس مغلق، وتتحول الشعارات إلى بدائل عن الاستراتيجيات، وتُدار الأزمات بالعاطفة بدل العقل. النقد ليس ضد الصمود، بل ضد الوهم. ليس ضد الوحدة، بل ضد وحدة زائفة تُبنى على القمع والخوف.

 

عربيًا، يتكرر المشهد ذاته بصيغ مختلفة. في دول وأنظمة وحركات، يُقدَّم الاستقرار بوصفه نقيضًا للنقد، وتُرفع فزاعة “التهديد الخارجي” لتبرير غياب المساءلة. يُقال للناس إن السؤال يفتح أبواب الفوضى، بينما الواقع يثبت أن الفوضى الحقيقية هي نتاج عقود من الصمت، ومن احتكار القرار، ومن إقصاء المجتمع عن المشاركة في رسم مصيره.

 

التاريخ الفلسطيني والعربي لا يترك مجالًا للشك: غياب النقد لم يحمِ القضايا، بل أضعفها. الانقسامات لم تبدأ حين اختلف الناس، بل حين مُنعوا من الاختلاف. الهزائم لم تكن نتيجة حرية التعبير، بل نتيجة قرارات اتُّخذت في غرف مغلقة، بلا مساءلة ولا شفافية. كل مشروع سياسي انهار، لم ينهَر لأنه تعرّض للنقد، بل لأنه حُصِّن ضد النقد.

 

الأخطر من ذلك أن خطاب التخوين لا يكتفي بإسكات الحاضر، بل يدمّر المستقبل. فهو يربّي أجيالًا تخاف السؤال، وتخلط بين الولاء والعجز، وتتعلم أن الوطنية تعني الصمت لا المشاركة. وحين تُطلب من هذه الأجيال التضحيات، تُطلب بلا حق في الفهم أو التقييم أو الاعتراض. يُطلب منها أن تثق، لا لأن الثقة بُنيت، بل لأن الشك مُجرَّم.

 

في المقابل، الجبهة الداخلية القوية لا تُبنى بالصمت، بل بالنقاش. لا تُبنى بالخوف، بل بالوضوح. الوحدة الحقيقية ليست وحدة القطيع، بل وحدة المختلفين حول مشروع واضح وقابل للنقد. أما الوحدة التي تُفرض بالقمع، فهي هشة، مؤقتة، وقابلة للانفجار عند أول اختبار حقيقي.

 

ولا يعني الدفاع عن النقد تبرير كل خطاب عبثي أو كل معارضة غير مسؤولة. النقد البنّاء له شروطه: معرفة لا جهل، مسؤولية لا شعبوية، وحرص حقيقي على المصلحة العامة. لكنه، مهما كان قاسيًا، يظل أقل خطرًا من الصمت، وأقل كلفة من الاستمرار في مسار مغلق لا يعترف بالخطأ ولا يتعلم من التجربة.

 

الخلاصة واضحة ولا تحتمل الالتباس:

لا تعارض بين الانتماء والنقد. التعارض الحقيقي هو بين الانتماء والخوف، وبين الوطنية وعبادة الخطأ. القضايا العادلة لا تحتاج إلى حماية من الأسئلة، بل إلى شجاعة مواجهتها. وكل مشروع سياسي لا يحتمل النقد، لا يستحق أن يطالب الناس بالتضحية من أجله.

 

فلا تحرر بلا وعي،

ولا وعي بلا مساءلة،

ولا انتماء حقيقي بلا الجرأة على قول الحقيقة، حتى حين تكون مؤلمة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط