كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بين الحل السياسي والإنساني

بين الحل السياسي والإنساني

تاريخ النشر: 2018-08-08 | 10:14

يحضرني في هذا المقام -وعلى وقع سلسلة الاقتراحات والحلول الانسانية التي تعرض على قيادة الشعب الفلسطيني في هذه الآونة - العودة الى تجربة تاريخية مبهرة. وهي للأسف تجربة عدونا الصهيوني. تجربة ترصد لنا لماذا ينجحون ولماذا نفشل نحن؟ كيف يعتمدون على عقلهم ووعيهم وذاتهم؟ كيف يملكون الرؤية؟ وهو للأسف ما نفتقده.
في حزيران عام 1859 قابل زعيم الصهيونية ومؤسسها "هرتسل" البارون "موريس هيرش" واحد من أهم وأعظم الشخصيات الاقتصادية في تاريخ القرن التاسع عشر. والسخي اليهودي الذي ساعد في هجرة اليهود من روسيا وأوروبا الشرقية وأقام لهم مستعمرات ليستوطنوا بها في الارجنتين. وأنفق عليهم أموالا طائلة. وقد دار حوار بين الرجلين ذكره هرتسل في مذكراته. حوار بين رجل عملي وبين قائد سياسي صاحب رؤيا. كان "هرتسل" يأمل في اقناع البارون "هيرش" في مساعدته لدعم مشروعه الصهيوني بإنشاء وطن قومي لليهود. غير أن البارون "هيرش" كان يرغب في استكمال مهمته في خدمة اليهود بمساعدتهم والانفاق عليهم. فقال له "هرتسل" معارضاً: "إن مبدأ الاحسان هو خاطىء تماماً برأيي، فإنك تربي الناس على الاستجداء، والاحسان يفسد طباع قومنا". فقد رفض العون الانساني وهو من يهودي،لأنه لا يريد أن يقترن مصير قومه بيدٍ غير أيديهم. بل كان يريد أن يعزز المسألة اليهودية في أوروبا باعتبارها تتجاوز المعطى الانساني معها إلى قضية سياسية وجودية كبرى لليهود. وشتان بين الأمرين.
ومنذ وعد بلفور -وربما قبله- كان الأمر واضحاً أن فلسطين هي قضية سياسية بامتياز. وحاول البريطانيون بكل السبل أن يتحايلوا على المسألة ليجعلوها قضية انسانية للفلسطينيين، فقدموا حلولاً وفق هذا التصورلا تتجاوزه. وربما نجحوا –نسبياً- بسبب رجعية القيادة الوطنية الفلسطينية حينذاك أن يمرروا بعضاً من مشاريعهم التي تعالج الشأن الفلسطيني باعتباره انسانياً. في ذات الوقت الذي قدمت فيه بريطانيا حلولاً سياسية (للمهاجرين) اليهود إلى فلسطين. بمعنى أنها رؤية تخدم مصيرياً ووجودياً اليهود. وتعالج جزئياً احتياجات الفلسطيني باعتباره كياناً بيولوجياً يستوجب اشباع حاجاته الأساسية. ثم جاءت النكبة عام 1948 فتأسست وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين لتكرس المسألة الفلسطينية باعتبارها قضية انسانية وتؤكد على الحرص الدولي –المشبوه- في مساعدة الفلسطينيين لإشباع حاجاتهم الأساسية من مأوى ودواء. واستمرت هذه المؤسسة الأممية تعزز هذا المنهج. فتقدم الدواء والماء والمسكن والمأكل للفلسطينيين. دون النظر –مثلاً- إلى قرار 194 القاضي بعودة اللاجئين الفلسطينيين. ولنراجع –على سبيل المثال- حجم التركيز والفعالية في الجانب السياسي والجانب الانساني. حينها سنجد أن الانساني هو الذي ظهر وتأكد على حساب السياسي الذي غاب وتضاءل. ثم تفجرت ثورة 65 لتصحيح المسار للقضية الفلسطينية والتأكيد على جانبها السياسي.
وبعد خمسين سنة. وبعد وهم التسوية ووهم الدولة الفلسطينية ووهم مسيرة السلام. عادت بعد أكثر من نصف القرن القضية الفلسطينية إلى مربع الصفر. إلى مناخ الانتداب البريطاني. وقتما كان النظر إلى اليهود وقضيتهم على أنها قضية وجودية وسياسية لا نقاش فيها. وبعين أخرى تُرى القضية الفلسطينية كقضية انسان يحتاج الماء والدواء والمأوى. ولا داعي للوطن والأرض والهوية والحرية . فهذه المكونات الوجودية في نظر-الامبراطوريات الامبريالية القديمة والحديثة- هي حصراً للشعب اليهودي ودولة اسرائيل.
كادت بريطانيا أن تنجح في العشرينات والثلاثينات وأن تجعلها قضية انسانية. ونجحت امبريالية أوروبا وأمريكا أن تكرسها بعد النكبة عام 48. ثم جاءت الثورة الفلسطينية المعاصرة فقاتلت حتى الرمق الأخير لتعيد مسار فلسطين إلى سبيلها الوجودي والحضاري. ثم جاءت عشرية الانقسام البغيض لتعيد القضية إلى سرداب معتم اسمه المساعدة والعون الانساني. وإلى مقايضة الحرية والهوية والكرامة والاستقلال برغيف الخبز وانبوبة الغاز ولمبة كهرباء والسفر والعمل ..الخ.
هل المشكلة في تحول مسارات القضية الفلسطينية على الصعيد العالمي والاقليمي بين كونها مرة قضية انسانية ومرة أخرى سياسية هي مسألة حتمية فرضها الاخرون على الشعب الفلسطيني؟ أم أن عجزنا الاستراتيجي وفعاليتنا النضالية المحدودة وفئوية الحركة الوطنية الفلسطينية وبهتان خطابنا الحزبي وقصور الرؤية الفلسطينية هي السبب؟
لماذا انتصر المشروع الصهيوني في صيغته الهرتسيلية بعد أكثر من قرن ونصف في عشرية الانقسام الفلسطيني كما لم ينتصر طوال تاريخه. لماذا يتعاطى صانع القرار السياسي الفلسطيني على كل حواف الارض الفلسطينية ويتقبل الخضوعللإحسان الدولي والعربي. وأن يتفاعل ويتعاظم نشاطنا في انجاز عطاء المانحين والداعمين. ثم يعرض علينا الحل الانساني فنقبل. أعتقد جازماً أنها مشكلة العقل السياسي الفلسطيني الذي ربط نجاحه بهذا الاحسان وهذا الدعم وفقد الرؤية والبصيرة والحلم والعمل.
رابط صورة الكاتب ، التحميل هنا m5zn.com

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط