كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بين الخسارة الإيرانية وتعثر النصر الأمريكي: مفاوضات إسلام آباد واختبار التوازن الصعب ..

بين الخسارة الإيرانية وتعثر النصر الأمريكي: مفاوضات إسلام آباد واختبار التوازن الصعب ..

تاريخ النشر: 2026-04-10 | 13:03

لم تعد الحروب الحديثة تُقاس بنتائجها العسكرية المباشرة، ولا تُختزل في صورة منتصر ومهزوم. فثمة نمط جديد من الصراعات، تتداخل فيه القوة الصلبة مع القدرة على الصمود، ويغدو فيه منع الخصم من تحقيق أهدافه شكلًا من أشكال “الانتصار النسبي”. في هذا السياق، يكتسب القول بأن «إيران تكبّدت خسائر كبيرة وباهظة، لكن الولايات المتحدة لم تنتصر» دلالة تحليلية عميقة، خصوصًا مع انطلاق مفاوضات إسلام آباد بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية.

لا شك أن إيران دفعت أثمانًا ثقيلة خلال سنوات المواجهة، سواء عبر العقوبات الاقتصادية الخانقة أو الضغوط العسكرية غير المباشرة. فقد أرهقت سياسة “الضغط الأقصى” التي انتهجتها إدارة دونالد ترامب الاقتصاد الإيراني، وقيّدت قدرته على التكيّف، وفرضت واقعًا داخليًا صعبًا. كما أن أي احتكاك مع قوة بحجم الولايات المتحدة يعني، بالضرورة، استنزافًا في الموارد، وتآكلًا في بعض القدرات، وارتفاعًا في كلفة الحفاظ على التوازن.

ومع ذلك، فإن هذه الخسائر لم تتحول إلى نصر أمريكي حاسم. فواشنطن، رغم تفوقها العسكري والتقني، لم تنجح في تحقيق أهدافها الاستراتيجية الكبرى. لم يتغير النظام السياسي في إيران، ولم يتم تفكيك برنامجها النووي أو الصاروخي بشكل كامل، كما لم يتراجع نفوذها الإقليمي بصورة جوهرية. بل إن طهران ما زالت حاضرة في ملفات العراق وسوريا ولبنان واليمن، وتحتفظ بشبكة تأثير معقدة تجعل من الصعب إقصاؤها أو احتواؤها بشكل نهائي.

هذه المفارقة—خسارة دون هزيمة، وضغط دون نصر—هي التي تمهّد لفهم طبيعة مفاوضات إسلام آباد. فهذه المفاوضات لا تنطلق من معادلة غالب ومغلوب، بل من حالة توازن مُرهِق للطرفين. إيران تدخلها وهي مثقلة بالأعباء الاقتصادية، لكنها لم تفقد أوراق قوتها الأساسية؛ والولايات المتحدة تدخلها وهي في موقع التفوق، لكنها عاجزة عن فرض شروطها كاملة دون كلفة باهظة.

ضمن هذا التوازن، يبدو أن المسار الأكثر واقعية هو التوجه نحو تسوية جزئية مرحلية، لا تُنهي الصراع بقدر ما تعيد تنظيمه.

 فإيران تسعى إلى تخفيف العقوبات والحصول على متنفس اقتصادي يخفف من حدة الأزمة الداخلية، دون تقديم تنازلات تمس جوهر مشروعها الاستراتيجي. 

في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى كبح البرنامج النووي الإيراني، والحد من توسعه الصاروخي، وتقليص نفوذه الإقليمي، دون الانجرار إلى حرب مفتوحة لا تحظى بتأييد داخلي أو دولي.

وعليه، فإن ما يمكن أن تتمخض عنه مفاوضات إسلام آباد هو “صفقة محدودة” تقوم على تبادل محسوب للمكاسب: تقييد جزئي لبعض الأنشطة النووية مقابل تخفيف مدروس للعقوبات، وربما تفاهمات غير معلنة لخفض التصعيد في بعض الساحات الإقليمية.

 هذه الصيغة لا تعني حلًا جذريًا، لكنها تمثل إدارة عقلانية للأزمة، وتفاديًا لانفجارها.

الأهم أن هذه المفاوضات تجري في سياق دولي متحوّل، حيث لم تعد إيران أولوية مطلقة في الاستراتيجية الأمريكية. 

فواشنطن باتت منشغلة بتحديات أكبر، تتعلق بصعود الصين وعودة روسيا إلى مسرح المنافسة الدولية، ما يدفعها إلى إعادة توزيع مواردها وتخفيف التوترات الثانوية. 

في هذا الإطار، تصبح التهدئة مع إيران خيارًا عمليًا، حتى لو لم يتحقق نصر كامل.

في المقابل، تدرك طهران أن استمرار الاستنزاف دون أفق سياسي قد يؤدي إلى تفاقم أزماتها الداخلية، ويضعف قدرتها على الصمود طويلًا. 

لذلك، فإن انخراطها في التفاوض لا يعكس ضعفًا بقدر ما يعكس براغماتية، ومحاولة لإعادة تموضع ضمن بيئة إقليمية ودولية معقدة.

هكذا، تعكس مفاوضات إسلام آباد لحظة انتقال من المواجهة المفتوحة إلى إدارة التوازن. 

إنها ليست نهاية الصراع، بل إعادة صياغة لقواعده، بحيث يُضبط إيقاعه بدل أن ينفلت. وفي هذا النوع من الصراعات، لا يكون الهدف تحقيق نصر مطلق، بل تجنب خسارة كبرى.

خلاصة القول:

في المحصلة، لا تبدو هذه المفاوضات طريقًا إلى حسم نهائي، بل إلى تهدئة مؤقتة وصفقة جزئية تؤجل الانفجار. 

فإيران، رغم خسائرها، لم تُهزم؛ والولايات المتحدة، رغم قوتها، لم تنتصر.

 وبين هذا وذاك، يتشكل مشهد دولي جديد، تُدار فيه الصراعات بدل أن تُحسم، ويُقاس فيه النجاح بقدرة كل طرف على البقاء… لا على الغلبة.

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط