كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بين الخطاب الجامع وأدوات الفعل: هل تستعيد "فتح" روحها القيادية؟

بين الخطاب الجامع وأدوات الفعل: هل تستعيد "فتح" روحها القيادية؟

تاريخ النشر: 2026-04-25 | 10:19

في لحظات التحوّل التاريخي، لا تُقاس قوة الحركات الوطنية فقط بصدق خطابها، بل بقدرتها على ترجمة هذا الخطاب إلى بنية فعلٍ حيّة. ومن هنا يأتي السؤال الذي طرحه د. عادل جودة، ليس بوصفه استفسارًا فكريًا عابرًا، بل كمدخل لإعادة مساءلة واحدة من أهم ركائز المشروع الوطني الفلسطيني: هل ما زال الخطاب الوطني الجامع — الذي شكّلته فتح عبر عقود — قادرًا على استعادة تأثيره، أم أنه بحاجة إلى أدوات تنظيمية جديدة تعيد له الحياة؟

لقد كانت فتح، منذ انطلاقتها، أكثر من مجرد تنظيم سياسي؛ كانت حالة وطنية جامعة، وصياغة رمزية لهوية شعبٍ يبحث عن ذاته في مواجهة الاقتلاع والتشظي. لم يكن خطابها مجرد شعارات، بل كان تعبيرًا عن إرادة جمعية، استطاعت أن تجمع الفلسطينيين تحت راية واحدة، وأن تحوّل التعدد إلى طاقة نضالية، لا إلى انقسام. ولهذا، ظلّ الخطاب الفتحاوي — في جوهره — خطابًا تأسيسيًا، يتجاوز التنظيم إلى الفكرة.

غير أن التحولات التي شهدها الواقع الفلسطيني، داخليًا وخارجيًا، ألقت بظلال ثقيلة على هذا الدور. فقد أدّت الانقسامات، وتراكم التجارب المؤلمة بين الفصائل، إلى إضعاف الثقة بالخطاب الجامع، ليس لأنه فقد صدقه، بل لأنه لم يعد كافيًا وحده لإقناع الأجيال الجديدة.

فهذه الأجيال، التي نشأت في ظل واقع معقّد ومفتوح على العالم، لم تعد تكتفي بنداء الوحدة، بل تسأل: كيف تتحقق هذه الوحدة؟ ومن يديرها؟ وبأي أدوات؟

من هنا، تبدو الإشكالية الحقيقية ليست في الخطاب ذاته، بل في الفجوة بينه وبين آليات تطبيقه.

فالخطاب الوطني الجامع لا يزال ضرورة تاريخية، لأنه يحمل روح القضية ويمنع تفككها إلى مشاريع متنازعة. لكنه، في صورته التقليدية، لم يعد قادرًا على أداء وظيفته دون أن يُسند بمنظومة تنظيمية حديثة، تعيد تعريف العمل الوطني بوصفه شراكة قائمة على قواعد واضحة، لا مجرد توافقات ظرفية أو رمزية.

إن استعادة فاعلية هذا الخطاب تمر أولًا عبر إعادة بناء الإطار الجامع على أساس شراكة حقيقية.

 لم يعد ممكنًا أن تبقى فكرة "الحركة الجامعة" في حدود الأبوة الرمزية، بل ينبغي أن تتحول إلى قيادة تشاركية، تعترف بالتعدد وتديره ضمن رؤية وطنية موحدة.

فالوحدة اليوم ليست شعارًا، بل نظام عمل.

وثانيًا، لا بد من تحديث البنية التنظيمية بما ينسجم مع تطلعات المجتمع الفلسطيني.

إن إدخال آليات واضحة للانتخاب والمساءلة وتداول المسؤولية ليس ترفًا تنظيميًا، بل شرط أساسي لاستعادة الثقة. فالحركات التي لا تُجدد نفسها من الداخل، تفقد تدريجيًا قدرتها على التأثير، مهما كان تاريخها عريقًا.

وثالثًا، يقتضي الأمر الانتقال من الخطاب التعبوي إلى البرنامج العملي.

فالوطنية لم تعد تُقاس فقط بقدرة الخطاب على التحريض أو التعبئة، بل بقدرته على تحسين شروط حياة الناس، وتعزيز صمودهم، وتقديم نماذج ملموسة لإدارة الشأن العام.

إن المواطن الذي لا يرى أثر الوطنية في تفاصيل حياته اليومية، سيتعامل معها بوصفها فكرة بعيدة، لا مشروعًا حيًا.

ورابعًا، فإن استعادة الثقة لا يمكن أن تتحقق بالكلمات، بل بالفعل. لقد أثقلت التجربة الفلسطينية وعي الناس بفيض من الخطابات، حتى باتوا أكثر حساسية تجاه الفجوة بين القول والممارسة.

وعليه، فإن أي خطاب جامع لن يستعيد مكانته إلا إذا اقترن بنماذج نجاح حقيقية، حتى وإن كانت محدودة، تثبت أن الوحدة ممكنة، وأن الإدارة الوطنية قادرة على الإنجاز.

وأخيرًا، فإن إدماج جيل جديد في مواقع القرار لم يعد خيارًا، بل ضرورة.

فالأجيال التي لم تعش لحظة التأسيس، لن يكفيها استدعاء الذاكرة لإقناعها، بل تحتاج إلى أن ترى نفسها شريكة في الحاضر وصانعة للمستقبل.

خلاصة القول، لا يمكن القول إن الخطاب الوطني الجامع قد انتهى، كما لا يصح الاعتقاد بأنه قادر وحده على إنقاذ المشروع الوطني.

 الحقيقة الأعمق تكمن في أن هذا الخطاب ما زال يحمل روح القضية، لكنه بحاجة إلى جسد جديد يمنحه القدرة على الفعل.

وبدون هذا الجسد — أي الأدوات التنظيمية والسياسية الحديثة — سيبقى معلقًا في الوجدان، عاجزًا عن تغيير الواقع.

إن التحدي المطروح أمام فتح اليوم ليس أن تتخلى عن إرثها، بل أن تعيد إنتاجه في صيغة أكثر قدرة على الاستجابة لأسئلة الحاضر.

 أن تجمع بين روحها كحركة تحرر وطني جامعة، وبين عقلٍ تنظيمي حديث يترجم هذه الروح إلى نظام عمل فعّال.

عندها فقط، يمكن للخطاب أن يستعيد تأثيره الحقيقي — لا كصوتٍ يحنّ إلى الماضي، بل كقوة تصنع المستقبل.

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين!

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط