تاريخ النشر: 2026-09-28 | 14:28
تاريخ النشر: 2026-09-28 | 14:28
ليست المشكلة في أن يخشى بعض المحللين أو السياسيين من عودة التصعيد في قطاع غزة، ولا في أن يحذروا من احتمالات اتساع الحرب أو تجددها. فهذا الخوف ليس تحليلًا نظريًا بالنسبة إلى الغزيين، بل تجربة عاشوها بصورة متكررة، وأصبحت جزءًا من تفاصيل حياتهم اليومية. فمنذ سنوات، يعيش سكان القطاع بين احتمالات الحرب والحصار والتهجير والدمار، بحيث أصبح سؤال «متى ستبدأ الحرب القادمة؟» حاضرًا في الوعي الجمعي بقدر حضور سؤال «متى ستنتهي الحرب الحالية؟».
لكن الإشكالية تبدأ عندما يتحول هذا الخوف من نتيجة طبيعية لواقع مأساوي إلى أداة سياسية لإدارة المجتمع وتحديد خياراته.
فالإنسان الذي عاش الحرب والتهجير وفقدان البيت ومصدر الدخل والتعليم والأمان، قد يصل في مرحلة معينة إلى حالة من الإنهاك تجعله يخشى التغيير أكثر مما يرفض الواقع القائم. وهنا يصبح اللايقين السياسي والأمني أكثر من مجرد حالة مؤقتة؛ قد يتحول إلى بيئة نفسية واجتماعية تجعل الناس يقبلون بما هو قائم لأن البديل يبدو أكثر رعبًا.
وهذه واحدة من أخطر نتائج الحروب الطويلة: أن يتحول الخوف من المستقبل إلى مبرر للقبول بالحاضر.
من التحذير إلى التطبيع مع الواقع
من حق المحلل السياسي أن يحذر من عودة الحرب، ومن حق السياسي أن يقرأ المخاطر الإقليمية والدولية وأن يضع أسوأ السيناريوهات في حساباته. لكن وظيفة التحليل لا ينبغي أن تتوقف عند إنتاج الخوف.
فالتحليل السياسي يفقد جزءًا مهمًا من قيمته عندما يتحول إلى رسالة مفادها أن الواقع سيئ، لكنه أقل سوءًا من البديل. لأن هذه المعادلة، إذا استمرت طويلًا، يمكن أن تجعل المجتمع يتكيف تدريجيًا مع واقع لم يكن ليقبله في الظروف الطبيعية.
وهنا ينبغي التمييز بين إدارة المخاطر وإدارة الخوف.
إدارة المخاطر تعني البحث عن البدائل التي تقلل احتمالات الحرب وتحمي المدنيين وتمنع تكرار الكارثة. أما إدارة الخوف فتعني إبقاء المجتمع في حالة استعداد دائم للأسوأ، واستخدام شبح الحرب لتبرير استمرار الوضع القائم أو تأجيل الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية والمساءلة والإصلاح.
والفرق بين الاثنين جوهري.
فالغزي لا يحتاج فقط إلى من يقول له إن الحرب قد تعود، بل يحتاج أيضًا إلى من يسأل: كيف يمكن منع عودتها؟ ومن يتحمل مسؤولية القرارات التي أوصلت المجتمع إلى هذه النقطة؟ وما الخيارات السياسية والأمنية المتاحة لتقليل كلفة الصراع على المدنيين؟
السابع من أكتوبر بين تفسير الحدث ومراجعة نتائجه
لا يمكن مناقشة الواقع الفلسطيني بعد السابع من أكتوبر دون قراءة السياق السياسي والتاريخي الذي سبق الحدث، بما فيه الاحتلال والحصار والاستيطان وتعثر المسار السياسي والانقسام الفلسطيني والجمود الدولي. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحول قراءة هذا السياق إلى إعفاء أي جهة فلسطينية من مسؤولية مراجعة قراراتها ونتائجها.
هناك فرق بين تفسير الحدث وتبرير نتائجه.
ففهم الأسباب التي دفعت إلى اتخاذ قرار معين لا يعني بالضرورة الاتفاق معه، كما أن الاعتراف بالسياقات التي أنتجت قرارًا ما لا يلغي حق المجتمع في مساءلة أصحابه عن النتائج التي ترتبت عليه.
ومن هنا فإن النقاش الجاد لا ينبغي أن يختزل في سؤال: هل كان السابع من أكتوبر صائبًا أم خاطئًا؟
السؤال الأكثر أهمية هو: ما الأهداف التي أُعلنت؟ وما الذي تحقق منها؟ وما الكلفة التي تحملها المجتمع؟ وما البدائل التي كانت متاحة؟ وهل جرى تقدير حجم المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها المدنيون؟ وهل امتلك أصحاب القرار تصورًا واضحًا لما بعد العملية؟
هذه الأسئلة لا تستهدف المقاومة وحدها، كما لا تعفي القيادة السياسية الفلسطينية أو أي طرف آخر من المساءلة. إنها ببساطة أسئلة ضرورية في أي مجتمع يريد أن يتعلم من تجاربه بدل أن يعيد إنتاجها.
الفلسطيني ليس مجرد متلقٍ للقرار
المشكلة الأكبر تبدأ عندما يصبح المجتمع مجرد متلقٍ للقرارات السياسية والعسكرية، ثم يُطلب منه لاحقًا أن يتحمل نتائجها باعتبارها «ضرورات المرحلة».
فالمواطن الذي يدفع ثمن القرار من بيته وأمنه وتعليمه وصحته ومستقبل أبنائه، يمتلك حقًا أصيلًا في السؤال عن القرار ذاته.
وهذا ينطبق على كل الخيارات السياسية، وليس على خيار بعينه.
إذا كان المسار السياسي قد فشل في تحقيق أهدافه، فمن حق الفلسطيني أن يسأل عن أسبابه وكلفته. وإذا كان خيار الكفاح المسلح قد أدى إلى نتائج كارثية على المجتمع، فمن حق الفلسطيني أيضًا أن يسأل عن جدواه وكلفته وبدائله. وإذا كانت الانقسامات الداخلية قد أضعفت القدرة الفلسطينية على مواجهة التحديات، فمن حق المواطن أن يسأل لماذا استمرت هذه الانقسامات، ومن استفاد منها، ولماذا لم تنجح محاولات إنهائها.
المساءلة لا تعني الخيانة، والنقد لا يعني التخلي عن القضية.
بل إن المجتمعات التي تمتلك قضايا عادلة تحتاج أكثر من غيرها إلى آليات مراجعة ومساءلة حتى لا تتحول القضية إلى مظلة تحمي أصحاب القرار من النقد.
صندوق الاقتراع ليس تفصيلًا ثانويًا
لهذا تكتسب الانتخابات أهمية تتجاوز مجرد اختيار ممثلين سياسيين.
فالانتخابات، عندما تكون حرة ونزيهة وذات معنى، تمنح المواطن وسيلة سلمية لتقييم السياسات والقيادات. ومن حق الفلسطيني أن يختار، وأن يغيّر، وأن يعاقب سياسيًا من يرى أنه أخفق، وأن يمنح ثقته لمن يطرح برنامجًا مختلفًا.
ولا ينبغي النظر إلى هذا الحق باعتباره تهديدًا لأي فصيل أو تيار، بل باعتباره وسيلة لحماية المجتمع من احتكار القرار.
كما أن المساءلة لا ينبغي أن تكون انتخابية فقط. فهناك حاجة إلى صحافة حرة، ومجتمع مدني فاعل، ومؤسسات رقابية، وقضاء مستقل، وحق في الوصول إلى المعلومات، ونقاش عام يسمح للمواطن بأن يعرف كيف اتُخذت القرارات وما نتائجها.
فالمجتمع الذي لا يستطيع مساءلة قياداته قد يجد نفسه أمام الأخطاء نفسها مرة أخرى، مهما كانت الشعارات التي ترفعها تلك القيادات.
لا ينبغي تحويل الكلفة إلى رقم بلا أصحاب
من أكثر المفاهيم خطورة في الخطاب السياسي اختزال الخسائر البشرية والاجتماعية في أرقام مجردة.
خلف كل منزل مدمر عائلة، وخلف كل طفل فقد تعليمه سنوات من عمره، وخلف كل شهيد أو جريح قصة إنسانية، وخلف كل نازح مستقبل معلّق.
لذلك فإن الحديث عن الكلفة لا ينبغي أن يكون مجرد حساب عسكري أو سياسي.
هناك كلفة اقتصادية، وكلفة اجتماعية، وكلفة تعليمية، وكلفة نفسية، وكلفة مؤسسية، وكلفة تتعلق بثقة المواطن في السياسة والقيادة والمستقبل.
وعندما تصبح هذه الكلفة ضخمة، فإن السؤال عن العائد السياسي والاستراتيجي يصبح سؤالًا مشروعًا، لا سيما إذا كان القرار الذي أدى إليها قد اتُّخذ باسم المجتمع كله.
بين المقاومة والدولة والمجتمع
المشكلة الفلسطينية لا تختصر في ثنائية مع المقاومة أو ضدها، كما لا تختصر في ثنائية مع السلطة أو ضدها.
المجتمع يحتاج إلى أكثر من ذلك.
يحتاج إلى نقاش حول شكل النظام السياسي، ووظيفة المؤسسات، وحدود استخدام القوة، والعلاقة بين السلاح والقرار السياسي، ومكانة الانتخابات، ودور المجتمع المدني، وكيفية حماية المدنيين، وكيفية إدارة الصراع، وكيف يمكن تحويل القضية الفلسطينية من حالة مستمرة من إدارة الأزمات إلى مشروع سياسي قادر على تحقيق أهدافه بأقل كلفة ممكنة على المجتمع.
وهذا النقاش لا يمكن أن ينجح إذا كانت كل مراجعة تُفسر على أنها اصطفاف مع الخصم.
فالنقد الداخلي لا يعني بالضرورة تبني الرواية الإسرائيلية، كما أن رفض بعض السياسات الإسرائيلية لا يعني الموافقة على كل قرار فلسطيني.
هناك مساحة واسعة بين الاثنين، وهي مساحة التفكير النقدي والمسؤولية الوطنية.
لا يجوز أن يصبح الخوف قدرًا دائمًا
الغزي اليوم لا يحتاج إلى من يقنعه بأن الحرب كارثة؛ لقد عاشها.
ولا يحتاج إلى من يذكّره بأن عودة الحرب ممكنة؛ فهو يعرف ذلك أكثر من أي محلل يعيش بعيدًا عن الخطر.
ما يحتاجه هو إجابة عن سؤال أكثر أهمية:
كيف نمنع أن تصبح الحرب قدرًا متكررًا؟
وهذا يتطلب مراجعة القرارات التي سبقت الحرب، ومراجعة إدارة الحرب، ومراجعة المسارات السياسية التي فشلت، وإعادة بناء المؤسسات، وإنهاء الانقسام، وتوسيع المشاركة الشعبية، وربط القرار السياسي بمساءلة حقيقية أمام المجتمع.
كما يتطلب الاعتراف بأن حماية الإنسان الفلسطيني ليست هدفًا ثانويًا يأتي بعد الأهداف السياسية، بل ينبغي أن تكون جزءًا أساسيًا من تعريف النجاح السياسي نفسه.
الخلاصة: من مجتمع ينتظر الحرب إلى مجتمع يصنع القرار
أخطر ما يمكن أن يحدث بعد كل هذه السنوات ليس فقط أن تعود الحرب، وإنما أن يصبح المجتمع مقتنعًا بأن عودتها أمر لا يمكن منعه، وأن أقصى ما يمكن فعله هو انتظارها.
فالاستسلام لفكرة قد تكون الحرب القادمة أسوأ يمكن أن يحول الخوف إلى وسيلة لإدامة الوضع القائم، بينما المطلوب هو تحويل الخوف إلى دافع لبناء بدائل سياسية ومؤسسية تقلل احتمالات الحرب وتحمي المجتمع.
وفي النهاية، ليس من حق أي قيادة سياسية أن تطلب من الناس أن يدفعوا ثمن قراراتها بلا مساءلة، كما ليس من حق أي طرف أن يختزل حياة المدنيين في حسابات سياسية أو عسكرية.
للفلسطيني الحق في أن يقاوم الاحتلال، وله في الوقت نفسه الحق في أن يسأل عن جدوى الأدوات التي تُستخدم باسمه. وله الحق في أن ينتقد السلطة والفصائل والقيادات، وأن يختار ممثليه، وأن يرفض استمرار الخيارات التي يرى أنها ألحقت بالمجتمع كلفة لا يستطيع تحملها.
فالعدالة للقضية لا تتعارض مع المساءلة، والمقاومة لا تعني غياب النقد، والوفاء للضحايا لا يكون بتحويل خسائرهم إلى أرقام أو «خسائر تكتيكية»، وإنما ببناء نظام سياسي يجعل حياة الإنسان وكرامته وأمنه جزءًا من معيار النجاح، لا مجرد كلفة جانبية في طريق تحقيق الأهداف.