كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بين الراتب والقسط: ماذا تقول القروض عن الاقتصاد الفلسطيني؟

بين الراتب والقسط: ماذا تقول القروض عن الاقتصاد الفلسطيني؟

تاريخ النشر: 2026-04-28 | 11:39

في اقتصادٍ مثقلٍ بالهشاشة، لا يكفي أن نسأل عن حجم القروض، بل ينبغي أن نبدأ من الناس الذين يعيشون تحت وطأتها. فبحسب تقرير الاستقرار المالي 2024 الصادر عن سلطة النقد الفلسطينية، بلغت نسبة المقترضين إلى عدد البالغين نحو 18% في عام 2024، بواقع 14% للذكور و4% للإناث. وهذا يعني، بلغة الحياة اليومية، أن شريحة واسعة من الفلسطينيين تدير شهرها على إيقاع ثابت: راتب يدخل، وقسط يخرج، وما يتبقى يُترك لمواجهة سوق لا تكف تكاليفه عن الصعود. ومن هنا، لا يعود ملف القروض شأنًا مصرفيًا صرفًا، بل يتحول إلى مرآة لوضع اقتصادي بات فيه الائتمان، لدى كثير من الأسر، جزءًا من آلية التكيّف مع الضيق المعيشي.
هذه الزاوية تغيّر مسار القراءة بالكامل. فحين يكون الاقتراض ظاهرة تمس نسبة ملموسة من البالغين، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: كم اقترض الناس؟ بل أيضًا: لماذا يقترضون، وإلى أين يذهب هذا التمويل؟ في الاقتصادات السليمة، يُفترض أن يكون الائتمان جسرًا نحو المستقبل؛ أما في الحالة الفلسطينية، فإنه يبدو، في كثير من الأحيان، أقرب إلى ممر نجاة مؤقت تعبر من خلاله الأسر فوق فجوة متسعة بين دخل محدود وكلفة معيشة مرتفعة.

وتكشف أرقام سلطة النقد أن صورة الائتمان الفلسطيني أكثر تعقيدًا من الانطباع العام السائد. فداخل محفظة القطاع الخاص المقيم، استحوذت قروض الشركات على نحو 54.0% من إجمالي المحفظة، بما يقارب 4.9 مليار دولار، بينما شكّلت قروض الأفراد نحو 44.6%، بما يقارب 4.1 مليار دولار. وعلى مستوى أوسع، يبين تقرير الاستقرار المالي أن حصة الائتمان الموجه إلى الأسر بلغت 37.4% من إجمالي التسهيلات الائتمانية في 2024، مقارنة بـ 38.0% في 2023، فيما انخفض الإقراض للأسر بنحو 3.0% إلى قرابة 4.4 مليار دولار. لكن هذا التراجع لا يعني بالضرورة أن الأسر أصبحت أقل حاجة إلى الاقتراض؛ فقد يعكس، أيضًا، وصول جزء من المقترضين إلى حدود قدرتهم على الاستدانة، أو ازدياد تحفظ المصارف في بيئة أعلى مخاطرة.
لكن الأهم من النسب المجردة هو طبيعة هذا الائتمان. فحين يحتفظ إقراض الأفراد بهذا الوزن الكبير في اقتصاد ضعيف النمو، محدود السيادة النقدية، ومثقل بالصدمات، فإن السؤال يصبح مشروعًا: هل يذهب التمويل إلى خلق قدرة إنتاجية جديدة، أم إلى تثبيت الاستهلاك وتأجيل الأزمة؟ ذلك أن القرض الاستهلاكي لا يبدو دائمًا، في السياق الفلسطيني، تعبيرًا عن رفاه أو ترف إنفاقي؛ فكثيرًا ما يكون وسيلة لتغطية التعليم والعلاج والسكن والالتزامات الأساسية، أي لسد فجوة دخل لا لسلوك إنفاق زائد. ومع ذلك، فإن النتيجة الاقتصادية تبقى واحدة: جزء معتبر من الدخل المستقبلي يُستهلك مقدمًا، لا لتوسيع قاعدة الإنتاج، بل لحماية الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.

وتصبح الصورة أشد وضوحًا حين ندخل موظفي القطاع العام إلى المشهد. فسلطة النقد تشير إلى أن الائتمان الممنوح لموظفي القطاع العام بلغ نحو 2.0 مليار دولار في 2024، بزيادة 5.0% عن العام السابق، وبما يمثل نحو 16.3% من إجمالي المحفظة الائتمانية. وهذا ليس رقمًا مصرفيًا معزولًا، بل مؤشر على مدى تشابك الائتمان الأسري مع أوضاع المالية العامة. فهذه الفئة تعتمد، في جزء أساسي من قدرتها على السداد، على انتظام الرواتب الحكومية. وعندما تتعرض هذه الرواتب للتأخير أو الاقتطاع، لا يبقى الخطر محصورًا في الأسرة المقترضة وحدها، بل يمتد إلى جودة الائتمان نفسه.
وتزداد الصورة تعقيدًا حين ننتقل من هيكل القروض إلى الضغط المالي الذي يرافقها. فالتقرير السنوي لسلطة النقد يظهر أن التسهيلات المقومة بالشيكل شكّلت 48.9% من إجمالي التسهيلات في 2024، مقابل 40.8% بالدولار الأمريكي و8.9% بالدينار الأردني. وهذا ليس تفصيلًا فنيًا. فالمقترض الفلسطيني يسدد غالبًا بالشيكل، ويتلقى دخله في حالات كثيرة بالشيكل أيضًا، لكنه يستهلك في سوق تتأثر أسعار شريحة واسعة من سلعها بحركة الدولار والأسعار الخارجية. ومن هنا ينشأ اختلال صامت: القسط ثابت اسميًا، لكن كلفته الحقيقية تتضخم كلما تآكلت القوة الشرائية للدخل. أي أن المشكلة لا تكون دائمًا في ارتفاع قيمة القسط نفسه، بل في انكماش ما يبقى من الراتب بعد سداده.
وهذا ما يجعل قراءة القروض عبر مؤشرات التعثر الرسمية وحدها قراءة ناقصة. فسلطة النقد تشير إلى ارتفاع القروض غير العاملة إلى نحو 606.4 مليون دولار في 2024، وارتفاع نسبتها إلى إجمالي القروض إلى 5.08%، مقارنة بـ 4.49% في 2023 و4.29% في 2022. وهذه الزيادة لا تكشف فقط تدهورًا في جودة بعض المحافظ الائتمانية، بل تشير أيضًا إلى أن قدرة الاقتصاد على حمل الدين لم تعد بالصلابة السابقة. لكن ما لا تظهره هذه النسبة هو المساحة الواسعة بين «السداد المنتظم» و«الراحة المالية». فالمقترض قد يظل ملتزمًا بالقسط شهريًا، لكنه يفعل ذلك أحيانًا عبر تقليص إنفاقه الأساسي أو تأجيل نفقات ضرورية.
لهذا يبدو من الأدق الحديث عن استنزاف صامت للدخل، لا عن تعثر ظاهر فقط. فنجاح البنك في تحصيل القسط لا يعني بالضرورة أن الأسرة بخير، كما أن انخفاض التعثر لا يبرهن تلقائيًا على متانة المعيشة. وفي حالة موظفي القطاع العام على وجه الخصوص، قد يخفي انتظام السداد هشاشة أكبر تحت ضغط الرواتب غير المستقرة وكلفة المعيشة المتقلبة.

ومن زاوية أعمق، فإن المسألة لا تتعلق فقط بسلامة القطاع المصرفي، بل بوظيفة الائتمان في الاقتصاد الفلسطيني. وإذا كان جزء معتبر من القروض يذهب إلى الأفراد والأسر لتغطية التزامات معيشية، وكان جزء مهم من هذه الدائرة مرتبطًا بموظفي القطاع العام وحالة المالية العامة، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح بوضوح هو: هل يدعم الائتمان الاقتصاد الفلسطيني فعلًا، أم أنه يعوّض ضعفه البنيوي؟ الجواب، على الأرجح، يقع بين الأمرين. فالائتمان يخفف اختناقات فورية، لكنه يتحول، في الوقت نفسه، إلى أداة تعويض عن غياب نمو إنتاجي كافٍ وعن قصور الدخل.

لهذا، فإن النقاش الجدي حول القروض لا ينبغي أن يُختزل في الدعوة إلى التشدد في الإقراض أو التوسع فيه، بل في إعادة توجيه البوصلة: نحو ائتمان أكثر اتصالًا بالإنتاج، وأكثر حساسية لقدرة الدخل على الاحتمال، وأكثر وعيًا بأثر تعدد العملات والتقلبات الاقتصادية على حياة المقترض. فالقضية، في النهاية، ليست أن الفلسطيني يقترض فقط، بل أن الاقتراض نفسه بات يؤدي، لدى شريحة واسعة، وظيفة تعويضية في اقتصاد عاجز عن منح الناس ما يكفي من الدخل والاستقرار. وعندما يصبح واحد من كل خمسة بالغين تقريبًا داخل هذه الدائرة، فإن القرض يتجاوز كونه عقدًا ماليًا بين بنك وعميل؛ إنه يتحول إلى مؤشر بالغ الدلالة على حدود قدرة الاقتصاد على حماية الناس من الارتهان الشهري للقسط.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط