كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بين “العدو المُضخَّم” وغياب البوصلة: كيف تُعاد صياغة أولويات الشرق الأوسط؟

بين “العدو المُضخَّم” وغياب البوصلة: كيف تُعاد صياغة أولويات الشرق الأوسط؟

تاريخ النشر: 2026-05-08 | 19:36

في زمن تختلط فيه الدماء بالسياسة، وتُعاد فيه كتابة الأولويات تحت ضغط النار، تقف المنطقة أمام سؤال وجودي لا يمكن تجاهله: من هو العدو الحقيقي؟ ومن الذي يحدد لنا شكل الخطر واتجاهه؟
ما يحدث في غزة منذ اندلاع حرب غزة ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل اختبار قاسٍ لضمير العالم، ولمدى اتساق النظام الدولي مع شعاراته التي يُفترض أن تقوم على العدالة وحقوق الإنسان. غير أن المأساة لا تكمن فقط في حجم الدمار الذي يُحصد يومياً، بل في السياق الأوسع الذي تُفهم من خلاله هذه الحرب، وفي الطريقة التي يُعاد بها ترتيب أولويات المنطقة تحت وطأة التحالفات القائمة.
عندما يُعاد تعريف الخطر… تُعاد صياغة التحالفات
على مدار سنوات، جرى تقديم إيران باعتبارها “التهديد الأكبر” للأمن الإقليمي، وهو طرح لا يخلو من أساس، فطهران لاعب فاعل ولها حضور سياسي وعسكري في عدة ساحات. لكن السؤال الجوهري ليس في وجود التهديد، بل في حجمه وكيفية توظيفه. هل نحن أمام خطر حقيقي يُقابل بحجمه الطبيعي؟ أم أمام تهديد جرى تضخيمه ليصبح محور السياسات والتحالفات، وتُصرف على مواجهته موارد كان يمكن أن تُستثمر في التنمية والاستقرار؟
هنا تحديداً تتشكل الإشكالية. فحين يُعاد تعريف الخطر، تُعاد تلقائياً صياغة التحالفات، وتُرسم أولويات جديدة قد لا تعكس بالضرورة مصالح الشعوب بقدر ما تخدم توازنات القوى الخارجية. وفي هذا السياق، تبدو سياسات الولايات المتحدة في المنطقة محكومة باعتبارات أوسع من مجرد دعم طرف على حساب آخر؛ فهي تتعلق بأمن الطاقة، وضمان النفوذ، وإدارة التوازنات الإقليمية بطريقة تضمن بقاءها “الوسيط” الذي لا غنى عنه، إلى جانب دعم إسرائيل كحليف استراتيجي طويل الأمد.
لكن اختزال المشهد في ثنائية “حماية” و”تهديد” يُخفي حقيقة أكثر تعقيداً: أن المنطقة تُدار غالباً بمنطق إدارة الصراعات لا حلّها. فالحل النهائي للصراعات يعني تقليص أدوار الوسطاء وانحسار الحاجة إلى الأدوات التي تُستخدم لتبرير الوجود العسكري الأجنبي. ومن هنا، يصبح تضخيم بعض التهديدات أداةً لإعادة ترتيب المشهد السياسي باستمرار، بحيث تتراجع قضايا مركزية – وفي مقدمتها القضية الفلسطينية – في سلّم الأولويات، أو تُختزل في سياق “التطبيع” الذي يُقدَّم كبديل عن الحقوق التاريخية.
قواعد عسكرية بين “الضمانة” و”التبعية”
أما مسألة القواعد العسكرية الأجنبية، فهي واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل. فبين من يراها ضرورة لضمان الاستقرار، ومن يعتبرها مساساً بالسيادة ورهناً للقرار الوطني، يظل السؤال الأهم: هل الأمن يُستورد من الخارج، أم يُبنى من الداخل؟
التجارب التاريخية تشير إلى أن الاعتماد المفرط على الحماية الخارجية لا يخلق استقراراً دائماً، بل قد يربط أمن الدول بحسابات لا تملك السيطرة عليها، ويحوّلها إلى ساحة لتصفية حسابات لا تصنعها. فالوجود العسكري لـ الولايات المتحدة في المنطقة، على سبيل المثال، لم يمنع الحروب في كثير من الحالات، بل كان جزءاً من معادلاتها، وغالباً ما جعل الدول المضيفة شريكاً – بشكل مباشر أو غير مباشر – في صراعات لا تخدم مصالحها الأساسية بقدر ما ترتبط بأجندات أوسع.
بين الداخل والخارج: من يملك القرار الحقيقي؟
لا يمكن القفز إلى استنتاجات مبسّطة، فالتحديات الأمنية في المنطقة ليست وهماً كاملاً، بل واقع معقّد يتداخل فيه المحلي بالإقليمي والدولي. غير أن هذا لا يمنع من طرح سؤال أكثر جرأة: هل يتم توظيف هذه التهديدات أحياناً لتبرير سياسات وتحالفات تتجاوز حدود الدفاع المشروع إلى إعادة تشكيل المنطقة سياسياً وفقاً لمصالح خارجية؟
هنا يبرز البُعد الأكثر حساسية، والذي غالباً ما يُطوى في التحليلات الرسمية: ليست القوى الخارجية وحدها من تصنع هذه المعادلات، بل هناك دواخل عربية ساهمت، بفعل أنماط الحكم التقليدية، في جعل المنطقة “ممراً” لهذه السياسات. فعندما تغيب المؤسسات الفاعلة، وتُستنزف الموارد في صراعات النفوذ الداخلي، ويُحكم بقرارات فردية لا تخضع للمساءلة، تصبح الدولة أكثر ميلاً للاستنجاد بضمانات خارجية، وأكثر استعداداً لتبني روايات الآخرين عن “العدو” و”الصديق”.
البديل: الأمن من الداخل أم استيراد الحماية؟
البديل الحقيقي لا يكمن في الشعارات أو في رفض كل تحالف دون تقديم بديل، بل في بناء قوة داخلية حقيقية. دول تمتلك مؤسسات فاعلة، وأنظمة حكم رشيدة قادرة على احتواء خلافاتها الداخلية، وسياسات خارجية متوازنة لا تُرهن نفسها لأحد، ستكون أقل عرضة للارتهان وأقدر على حماية مصالحها.
فالأمن لا يُختزل في السلاح أو القواعد العسكرية الأجنبية، بل يبدأ من الداخل: من الثقة بين الدولة ومجتمعها، ومن قدرتها على اتخاذ قرار مستقل لا يُبنى على تضخيم عدو خارجي للتغطية على إخفاقات داخلية. الأمن الحقيقي هو أن تمتلك الدولة القدرة على قول “لا” دون أن ينهار اقتصادها، وأن تكون قادرة على حماية مصالحها  دون الحاجة إلى وسيط يفرض شروطه.
ماذا بعد إيران؟
وهنا يظهر السؤال الأخطر في معادلة الأمن الإقليمي: حتى لو جرى احتواء نفوذ إيران أو تقليصه وفقاً لبعض السيناريوهات المطروحة، فإن منطق “تضخيم العدو” سيبقى أداة إدارة مستمرة. ففي غياب رؤية أمنية مستقلة، قد يُعاد توجيه البوصلة نحو أطراف أخرى، لتبقى المنطقة في حالة توتر دائم، وتبقى الشعوب في دائرة الخوف التي تبرر استمرار الارتهان.
لأن السؤال الأعمق ليس فقط “من هو العدو الآن؟”، بل: من الذي يملك سلطة تعريف العدو… ومن الذي يفرض علينا أن نراه كذلك؟
فطالما بقي هذا الحق خارج إطار الإرادة الشعبية والمؤسسات المستقلة، ستظل المنطقة تدور في حلقة مفرغة من الأزمات التي لا تنتهي.
خاتمة: بين ضجيج المعارك وصمت التاريخ
في النهاية، قد لا نتفق جميعاً على تفسير ما يجري، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن المنطقة تمرّ بمرحلة إعادة تشكيل عميقة، لا تقل أهمية عن المراحل التي أعقبت كبرى التحولات الدولية في القرن الماضي. وبين ضجيج التحالفات وصخب الصراعات، يبقى الخطر الأكبر هو أن نفقد القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، وأن نستسلم لمنطق “إما معنا أو ضدنا” الذي يصادر حقنا في رؤية الأمور بكل تعقيداتها.
لأن التاريخ لا يذكر فقط ما فعله الأعداء، ولا حتى ما قاله الحلفاء، بل يسجل بدقة كيف أعادت الشعوب تعريف أولوياتها… أو كيف سُمح للآخرين بأن يفعلوا ذلك نيابة عنها.
كما سيسجل أيضاً أن صمت الأصدقاء والأشقاء في لحظات الحاجة كان أحياناً أقسى من ضجيج المعارك، وأن التخلي عن القضايا المركزية باسم “الاستقرار” لم يكن طريقاً إلى استقرار حقيقي.
فأي طريق سنختار؟
طريق بناء قوة داخلية تستند إلى مؤسسات رشيدة وسيادة مستقلة؟
أم طريق الانتظار حتى يرسم الآخرون لنا خريطة الخطر… ويحددوا لنا من نكره ومن نحب؟
 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط