كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بين «القاسم» و«القسام» بحور شعر ودماء

في ظل تصاعد الأزمات وازدحام القضايا المتشابكة والشائكة يحار المرء بماذا يبدأ؟

كنت قد قررت تسليط الضوء على أسباب فشل المفاوضات الجارية بشأن التهدئة في غزة بين الفلسطينيين وإسرائيل برعاية مصر التي باتت في عداد الأموات، غير أن ذلك الحدث الجلل الذي تطايرت شظاياه مع أشلاء أطفال غزة معلنا رحيل الشاعر الجسور «سميح القاسم» جعل من مذاق الكلمات علقما. هذا الرحيل الذي سقط على رؤوسنا مثل قذائف صواريخ الاحتلال على نحو مباغت زلزل ما تبقى من صمود فتداعت جدران التماسك في غفلة منا، والنظرات زائغة تحاول التركيز ومراقبة ما يحدث من مؤامرات يدفع ثمنها سكان قطاع غزة المنكوبون مقدما كي يستطيع ذوو المصالح تحقيق مآربهم على جثث أطفال ونساء وشيوخ غزة المنكوبة.

رحل سميح القاسم تحت وطأة المرض اللعين دون أن يرضخ لطغيان الاحتلال. كان يتجرع من كأس الألم مرارتين، مرارة المرض الذي ينهش جسده بلا رحمة، ومرارة ما يحدث في غزة من عدوان ممنهج شرس على البشر والشجر والحجر وسقوط الضحايا من المدنيين العزّل ما أدمى فؤاده وزاد من إحساسه بالألم والعجز حتى لو كان المشاركة بالكلمات المؤازرة لمواساة الأبرياء الذين يدفعون أثمانا باهظة قطفت أرواحهم ودمرت بيوتهم وخربت حياتهم؛ فكانت عيناه زائغتين في شرود عين مصوبة نحو غزة وما يجري بها وعين ترصد تطور المرض في جسده وتنتظر المعجزة.

سميح الذي قاوم بشراسة التجنيد الإجباري في جيش الاحتلال وارتضى السجن بديلا- حال المرض بينه وبين إكمال مسيرة المحارب العنيد المقاوم للاحتلال وسياساته التهويدية؛ ليستأنف الكفاح بسلاح الشعر والدفاع بالكلمة التي لها مفعول السحر تلهب الحماسة وتشعل جذوة المقاومة فتنهض من مرقدها.. «تقدموا تقدموا براجمات حقدكم وناقلات جندكم.. فكل سماء فوقكم جهنكم وكل أرض تحتكم جهنم».

ها هي المفاوضات على اتفاق للتهدئة تتداعى في القاهرة، وجسدك الذي خانك بدأ في التداعي والانهيار الأخير. ربما استشعرت الخيانة ممن يقفون على مصائر أكثر من مليوني مواطن في غزة، ويعتبرونهم الوقود الذي يلبي طموحاتهم ومصالحهم السياسية عابرين على جثثهم غير عابئين بحرمة دمهم النازف أو مداواة جراحهم المتقيحة؛ فالمصالح تتصالح عندما تتلاقى الأهداف. تعنتت إسرائل في مطالبها وتراجعت عن وعودها كعادتها، وتعنت المقاومون أيضا فحقهم بات مستباحا ولم يعد هناك غير التمسك باستعادته. إسرائيل تحاول إرضاء متطرفيها على حساب سكان غزة المكلومين، والمقاومة تحاول مسك العصا من المنتصف إرضاء للدول المضيفة لها من ناحية وتحقيق مكاسب لها على الأرض من ناحية أخرى لاسترداد الوهج الذي كاد يخبو، لكن الثمن فادح: دماء وأشلاء نساء وأطفال وتدمير وقتل حتى ضاقت الأرض على اتساعها بمن عليها أحياء وأمواتا، وبات الأموات بلا مأوى تماما كما هم الأحياء، والنحيب على جثثهم الراقدة في فضاء مكشوف للطائرات الإسرائيلية لم يشفع لهم بإكرام الدفن، وفى عراء يتوارى خلف دماره المتناثر. الباقون على قيد الحياة على أمل النجاة، على أمل ألا يلعب في أقدارهم تجاذبات المصالح الدولية المتضاربة. الكل يسأل وإن كانت الإجابة حاضرة معروفة مسبقا.. لماذا فشلت المفاوضات وعدنا إلى نقطة الصفر؟!

صراعات المصالح اجتمعت في بوتقة واحدة فأفشلتها. قطر تريد لها دورا مركزيا فهددت خالد مشعل القاطن على أرضها بطرده إذا لم يكن لها دور في إنهاء أزمة غزة وإجبار مصر على الموافقة على هذا الدور! تركيا تناصب مصر العداء بدعم أمريكي مبطن وتحاول انتزاع دور لها لتحقيق مكاسب سياسية على حساب نزيف الدم الذي لم يتوقف في غزة! إسرائيل تتذرع بالأمن ليل نهار.. لا ميناء سيجلب لها الأسلحة من إيران عبر البحر رغم أن الاتحاد الأوروبي كان قد اقترح أن يتم تفتيش السفن قبل دخولها مرفأ غزة في «لارنكا» بقبرص، وبذلك تنتهي المشكلة الأمنية، ولكن كيف لإسرائيل الموافقة على شيء يحقق جزءا من الراحة لسكان غزة؟! المطار مرفوض رغم أنه كان موجودا قبل أن تدمره إسرائيل لأسباب تكمن في عقل أجهزتها الأمنية فما هي؟! الحصار يمكن تخفيفه، لكن لا ضمانات لما قد تقوم به إسرائيل من إجراءات قمعية مستقبلية بحسب تقديراتها وما تراه مناسبا لأمنها وأمانها؛ فتعود الأمور إلى المربع الأول! نزع سلاح المقاومة وهو البند الذي سيوئد أي مفاوضات جارية برمتها فيما لو صممت إسرائيل على مناقشته على مائدة البحث حتى لو اتفقوا فيها على كل القضايا المطروحة؛ لأن من البديهي أن سلاح المقاومة خط أحمر وتجريدها منه يعني تجريدها من ماء الحياة والاستمرارية!.

إسرائيل تقاوم بشراسة رضوخا ليمينها المتطرف الذي ينتظر المزيد من القمع ضد الفلسطينيين في غزة وإبادة حركة حماس من الوجود فترتفع شعبية رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو التي بدأت تتهاوى؛ إذ ليس من مصلحتها أن تكسب حماس الجولة وتبدو منتصرة، وحماس تقاوم بشراسة لاسترداد تأييد شعبي وعروبي كانت قد فقدته منذ انهيار حكم الرئيس المعزول محمد مرسي، والقاهرة الوسيط أو الشريك تبدو في موقف لا تحسد عليه؛ فالحسابات اختلفت والنفوس لم تعد على صفائها المعهود منذ أن اتهمت حماس بتلوث أياديها بدماء شهداء رفح من الجنود المصريين وتورطها في العديد من القضايا الأمنية في مصر؛ فبدا الأمر وكأن مصر منحازة لإسرائيل كما يروج ذلك قادة إسرائيل نفسها منذ بداية الحرب القذرة على غزة ثم الدخول في ماراثون المفاوضات للاتفاق على تهدئة دائمة وحتى الآن!

المعادلة صعبة والتداخلات السياسية الدولية عقّدت الخروج من المأزق وأصبحت الرؤية غائمة. انهارت المفاوضات وانهار معها الأمل في عودة الهدوء إلى غزة، وعادت الغارات الإسرائيلية تحصد أرواح سكانها من جديد في الوقت الذي تودع فيه جموع الفلسطينيين في الضفة الأخرى من الوطن الفلسطيني والجليل الأعلى جثمان الشاعر والمناضل «سميح القاسم» وتواريه الثرى إلى مثواه الأخير، ويبدو أن روح القاسم ستبقى محلقة في سماء غزة تدعو لأهلها بزوال الكرب وانقشاع الغمة؛ فالدمار الذي حاق بها وحل بأهلها يحتاج إلى معجزة إلهية أخفق في تحقيقها البشر. حينها ستصعد روحه إلى بارئها راضية مطمئنة بعد أن أُنهك الجسد في مقاومة الاحتلال والمرض... وربما حينها يكون لموته قيمة ومعنى كما كان للشعر في حياته، فتغنت به كل شعوب العالم العربي ولا يزال يردده أطفال فلسطين في كل مناسبة وطنية..«منتصب القامة أمشي مرفوع الهامة أمشي.. في كفى قصفة زيتون.. وعلى كتفي نعشى وأنا أمشي وأنا أمشي»!!

عن المصري اليوم

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط