كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بين تجميد اتفاق وقف النار واتساع الحرب الإقليمية الحاجة لمبادرة فلسطينية

بين تجميد اتفاق وقف النار واتساع الحرب الإقليمية الحاجة لمبادرة فلسطينية

تاريخ النشر: 2026-03-14 | 11:49

بين هدنة معلّقة لم تكتمل مراحلها، وحرب إقليمية آخذة في الاتساع، يتراجع ملف غزة في سلّم الأولويات الدولية، بينما يبقى أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع أسرى حسابات سياسية وعسكرية تتجاوز حدودهم. وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو الحاجة ملحّة لمبادرة فلسطينية تعيد كسر حالة الجمود وتعيد القضية إلى مركز الاهتمام.

لم يعد خافياً أن تطورات الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من اتساع في دائرة التوتر الإقليمي، تركت آثاراً مباشرة وعميقة على مسار الأوضاع في قطاع غزة، وعلى الجهود السياسية التي كانت قد أفضت في وقت سابق إلى اتفاق لوقف إطلاق النار دخل حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر من العام الماضي. فقد جاء ذلك الاتفاق، الذي جرى التوصل إليه بعد ضغوط دولية ومساعٍ إقليمية مكثفة، باعتباره خطوة أولى لوقف الحرب المدمرة على القطاع وفتح الباب أمام مسار سياسي وإنساني أوسع. غير أن انتقال مركز الاهتمام الدولي والعسكري نحو ساحات إقليمية أخرى، في ظل الحرب الدائرة ضد إيران وما تثيره من احتمالات اتساع الصراع، أدى عملياً إلى تراجع فرص استكمال بنود الاتفاق، ودفع به إلى حالة من الجمود والتعطيل المتبادل.
فمنذ الأيام الأولى لتطبيق الاتفاق، كانت المؤشرات تدل على أن الطريق نحو استكمال مراحله الثلاث لن يكون سهلاً. فقد نص الاتفاق على مراحل متتابعة تبدأ بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وإدخال المساعدات الإنسانية، على أن تتبعها مرحلة ثانية تتعلق بترتيبات أكثر عمقاً تشمل تثبيت التهدئة، وتوسيع عمليات الإغاثة، وانسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة، وفتح المعابر، والبدء بعملية إعادة الإعمار، وصولاً إلى نقاش سياسي أوسع حول مستقبل إدارة القطاع ومكانته في إطار النظام السياسي الفلسطيني. غير أن المماطلة ومحاولات التهرب من استحقاقات المرحلة الثانية بدت واضحة منذ وقت مبكر لدى طرفي الاتفاق، كلٌّ وفق حساباته الخاصة ومصالحه السياسية.
بالنسبة لدولة الاحتلال، لم يكن الانتقال إلى استحقاقات المرحلة الثانية مجرد مسألة تقنية، بل كان يعني عملياً الدخول في التزامات سياسية وأمنية لا ترغب الحكومة الإسرائيلية في تحملها. فتنفيذ هذه المرحلة يتطلب توسيع نطاق الانسحاب العسكري من مناطق واسعة في قطاع غزة، وتسهيل إدخال المساعدات الإنسانية دون قيود، ورفع القيود المفروضة على حركة السكان والبضائع، إضافة إلى إطلاق دفعات جديدة من الأسرى الفلسطينيين وفق ما نصت عليه التفاهمات. إلا أن الحكومة الإسرائيلية اختارت منذ البداية سياسة التسويف والمماطلة، مستندة إلى اعتبارات داخلية تتعلق بأزمة الائتلاف الحاكم وضغوط التيار اليميني المتطرف، فضلاً عن رغبتها في إبقاء الورقة العسكرية مفتوحة واستخدامها كورقة ضغط في أي ترتيبات سياسية لاحقة.
وفي المقابل، لم تكن حركة حماس بمنأى عن التعقيدات التي أحاطت بالاتفاق. فقد كان من بين استحقاقات المرحلة الثانية نقل إدارة الحكم في قطاع غزة إلى لجنة تكنوقراط تتولى إدارة الشؤون المدنية والخدماتية، إلى جانب معالجة موضوع السلاح، بما ينزع الذرائع التي قد يستخدمها الاحتلال للعودة إلى التصعيد. غير أن الحركة بدت هي الأخرى متحفظة في المضي بعيداً في هذه الالتزامات، في ظل غياب ضمانات دولية واضحة بإنهاء الحرب بشكل كامل، واستمرار المخاوف من أن تستغل إسرائيل أي ترتيبات انتقالية لإعادة فرض واقع أمني وسياسي جديد في القطاع.
وهكذا وجد الاتفاق نفسه عالقاً بين حسابات متعارضة؛ فالاحتلال يسعى إلى كسب الوقت وإعادة ترتيب أولوياته الإقليمية في ظل التصعيد المتسارع في المنطقة، بينما تحاول حركة حماس الحفاظ على موقعها ومكانتها والاحتفاظ بأوراق القوة التي تمتلكها وعدم التفريط بها في ظل غموض المشهدين السياسي والعسكري. ومع اتساع دائرة المواجهة في الإقليم، وخصوصاً مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بدا واضحاً أن ملف غزة لم يعد يحتل الموقع ذاته في سلّم الأولويات الدولية، وأصبح في كثير من الأحيان رهينة لتطورات الصراع الإقليمي الأوسع.
في خضم هذه التطورات، دخلت فكرة تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة شؤون قطاع غزة مرحلة من الجمود والانتظار. فقد طُرحت هذه اللجنة باعتبارها صيغة انتقالية يمكن أن تتولى إدارة الخدمات المدنية والإغاثية بعيداً عن الاستقطابات السياسية، وبما يمهد الطريق لترتيب البيت الفلسطيني الداخلي وإعادة توحيد المؤسسات. غير أن هذه الفكرة سرعان ما اصطدمت بجملة من التعقيدات، سواء تلك المرتبطة بالتباينات الفلسطينية الداخلية حول طبيعة هذه اللجنة وصلاحياتها، وخاصة أن مرجعيتها ارتبطت بـ”مجلس السلام” الذي يرأسه الرئيس الأمريكي ترامب، أو تلك المتعلقة بتردد الأطراف الإقليمية والدولية في دعمها قبل اتضاح مآلات الصراع الدائر في المنطقة.
غير أن حالة الجمود السياسي هذه لا تبقى مجرد مسألة تفاوضية أو إجرائية، بل تنعكس بشكل مباشر وقاسٍ على حياة أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في قطاع غزة، بينهم ما يقارب مليوناً ونصف المليون يقيمون في الخيام ومراكز الإيواء. فالقطاع ما زال يرزح تحت أوضاع إنسانية هي من بين الأسوأ في تاريخه الحديث نتيجة الدمار الهائل الذي خلفته حرب الإبادة، والانهيار شبه الكامل للبنية التحتية، وتفاقم أزمات الغذاء والمياه والكهرباء والخدمات الصحية، في وقت تسير فيه عمليات الإغاثة وإعادة الإعمار بوتيرة بطيئة لا تتناسب إطلاقاً مع حجم الكارثة.
ولعل أخطر ما في المشهد الراهن أن استمرار تجميد استكمال اتفاق وقف إطلاق النار يفتح الباب أمام احتمالات خطيرة، إذ إن غياب أفق سياسي واضح قد يدفع الأطراف المختلفة إلى الانزلاق مجدداً نحو جولات جديدة من المواجهة. فإسرائيل قد ترى في التصعيد الإقليمي فرصة لإعادة خلط الأوراق في غزة وفرض وقائع جديدة بالقوة، بينما قد تجد الفصائل الفلسطينية نفسها أمام واقع يكرّس الحصار والدمار دون أي أفق حقيقي للتغيير.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى مبادرة سياسية وطنية جادة تطلقها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وتتفاعل معها جميع الفصائل والقوى الفلسطينية بروح المسؤولية الوطنية، بما يفضي إلى بلورة موقف فلسطيني موحد قادر على كسر حالة الجمود الراهنة، وإعادة وضع ملف غزة في صدارة الاهتمام الدولي والإقليمي، والعمل من أجل استكمال مراحل اتفاق وقف إطلاق النار وتنفيذ استحقاقاته كاملة.
إن ما يحتاجه قطاع غزة اليوم ليس مجرد تهدئة مؤقتة سرعان ما يتم خرقها، بل مسار سياسي واضح يفضي إلى إنهاء الحرب بشكل كامل، ورفع الحصار، وبدء عملية إعادة إعمار حقيقية، وتمكين الشعب الفلسطيني من إدارة شؤونه الوطنية ضمن إطار سياسي موحد، بما يفتح الطريق أيضاً أمام تسوية سياسية عادلة تضمن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة. أما إبقاء الأمور معلّقة بين هدنة هشة وحرب مؤجلة، فلن يؤدي إلا إلى تعميق المأساة الإنسانية وإبقاء المنطقة بأسرها على حافة انفجار دائم.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط