كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بين دم غزة و"دحلانستان".. لماذا يخيفهم أي بديل؟

بين دم غزة و"دحلانستان".. لماذا يخيفهم أي بديل؟

تاريخ النشر: 2026-06-07 | 17:43

في الوقت الذي يتواصل فيه شلال الدم الفلسطيني في قطاع غزة، وتستمر المقتلة المفتوحة بحق الأطفال والنساء والشيوخ على يد الاحتلال الإسرائيلي، وبينما تنعقد الاجتماعات في القاهرة بحثًا عن مخرج يوقف هذا النزيف المجاني ويمنح الناس بصيص أمل بعد شهور طويلة من الموت والجوع والنزوح، تخرج علينا بعض الأقلام لتخوض معارك أخرى بعيدة عن وجع الناس ومعاناتهم.

لم تكتب هذه الأقلام عن الأطفال الذين يموتون تحت الركام، ولم توجه رسائلها إلى المجتمعين في القاهرة لحثهم على الوصول إلى حلول تنهي الكارثة الإنسانية التي يعيشها أكثر من مليوني فلسطيني، بل انشغلت بإثارة المخاوف وإعادة تدوير مصطلحات قديمة مثل "دحلانستان"، وكأن الخطر الحقيقي الذي يهدد غزة اليوم ليس الحرب والجوع والدمار، بل وجود محمد دحلان في أي مشهد سياسي أو إنساني يتعلق بالقطاع.

وخلال حرب السابع من أكتوبر وما تلاها من شهور ثقيلة، عشت كصحفية تفاصيل المأساة كما عاشها كل غزي.
وأتذكر أنني كتبت يومًا على صفحتي: "هل أصبحت غزة لقيطة؟ أين السلطة الفلسطينية منا؟ أين من يفترض أنهم مسؤولون عنا؟"

وحين أعلنت السلطة الفلسطينية لاحقًا أن غزة منطقة مجاعة، بدا الأمر بالنسبة للكثيرين توصيفًا متأخرًا لواقع نعيشه يوميًا، فالمواطن الذي كان يقف ساعات طويلة بحثًا عن ربطة خبز أو كيس دقيق لم يكن بحاجة إلى بيان يخبره أنه جائع، بل كان بحاجة إلى من يساعده على البقاء حيًا.

وخلال عملي الميداني وفي ذروة المجاعة، لم أسمع الناس يتساءلون عن البيانات السياسية بقدر ما كانوا يتساءلون: هل دخلت المساعدات؟ هل وصل الدقيق؟ وهل هناك دفعات جديدة في الطريق؟ وكان اسم محمد دحلان حاضرًا في كثير من تلك الأحاديث، ليس لأن الناس كانوا يبحثون عن زعيم جديد، بل لأنهم كانوا يبحثون عن من يساعدهم في مواجهة الجوع والموت.
يبحثون عن الإنسان الذي يهمه الإنسان، وعن من يرى في الفلسطيني قيمة تستحق الإنقاذ قبل أي حسابات سياسية.

لقد أثبتت الحرب أن الناس لا يسألون كثيرًا عن أسماء المبادرات أو الجهات التي تقف خلفها بقدر ما يسألون عمّن يخفف عنهم الجوع والخوف والتشرد. وفي أوقات الكوارث الكبرى، يصبح الفعل الإنساني هو اللغة الأكثر قدرة على الوصول إلى الناس وكسب ثقتهم.

قد يختلف البعض مع دحلان سياسيًا، وهذا حق مشروع، لكن من الصعب إنكار حضوره في الجانب الإنساني خلال الحرب.
كما يصعب تجاهل حقيقة أن شبكة علاقاته الإقليمية والدولية ساهمت في استمرار تدفق المساعدات التي استفاد منها آلاف الفلسطينيين في ظروف استثنائية.

ومن حسن حظ غزة أن هناك شخصيات فلسطينية ما زالت تمتلك قدرة على التحرك عربيًا ودوليًا لمصلحة أهلها. فخلال الحرب، وحتى عندما كانت تنتشر الشائعات حول توقف المساعدات بسبب تطورات إقليمية مختلفة، ظل كثير من الغزيين يعتقدون أن الجهود ستستمر وأن المساعدات ستصل، لأنهم رأوا نتائج ملموسة على الأرض.

أما الحديث عن "دحلانستان"، فهو يثير الاستغراب أكثر مما يقدم تفسيرًا منطقيًا للواقع.
فهذه المفردة التي يرددها البعض اليوم جرى تداولها في سياقات إعلامية وسياسية سابقة، لكن السؤال الأهم: لماذا يجري استدعاؤها الآن بينما يتم تجاهل مواقف دولية عديدة ركزت على الكارثة الإنسانية في غزة؟

أما المفارقة التي تثير الاستغراب، فهي أن بعض الأصوات تنشغل بتفكيك مصطلحات من قبيل "دحلانستان" وتعتبرها تهديدًا سياسيًا، بينما تمرّ مرور الكرام على مواقف دولية صريحة وأكثر تأثيرًا في توصيف حجم الكارثة في غزة.

فقد صدرت خلال الحرب مواقف رسمية ودولية، من بينها تصريحات للرئيس الفرنسي ومسؤولين أوروبيين، وصفت ما يجري في قطاع غزة بأنه كارثة إنسانية غير مسبوقة، وأكدت خطورة الوضع الإنساني وانهيار مقومات الحياة داخل القطاع.
ومع ذلك، كان الأجدر توجيه هذا الزخم السياسي والإعلامي نحو الضغط لوقف الحرب وإنقاذ المدنيين، بدل الانشغال في معارك لغوية وسرديات لا تغيّر شيئًا في واقع الجوع والدمار.

وعندي سؤال مشروع: لماذا يثير وجود طرف سياسي ثالث خارج ثنائية فتح وحماس كل هذا القدر من التخوف والرفض؟ ولماذا يُنظر إلى أي محاولة لكسر حالة الاستقطاب وكأنها تهديد للمشهد السياسي، بينما أثبتت سنوات الانقسام الطويلة أن احتكار المشهد من قبل طرفين لم ينجح في إنهاء الأزمات المتراكمة التي يعاني منها شعبنا؟

إن مجرد طرح بدائل سياسية أو فتح المجال أمام قوى أخرى للمشاركة في صناعة القرار لا ينبغي أن يُقابل بالتخوين أو الإقصاء، فالحياة السياسية السليمة تقوم على التعددية لا على الاحتكار، وعلى المنافسة لا على التخويف من أي صوت مختلف.

أما ما يروَّج له من حديث عن ترتيبات انفصالية أو مشاريع لفصل غزة عن الضفة الغربية، فإنه يتجاهل حقائق السياسة وحقائق المجتمع الفلسطيني معًا. فمن يقرأ المشهد بعين السياسة يدرك أن دحلان، الذي يصفه كثيرون بثعلب السياسة، يعرف جيدًا أن الإنسان هو الثروة الحقيقية لأي قائد أو تيار.

ويعرف كذلك أن أبناء غزة، رغم كل ما تعرضوا له من حصار وحروب وانقسام، يرفضون الانفصال ويرفضون إقامة كيان منفصل فوق أنقاض بيوتهم وأحلامهم. ولذلك فإن أي سياسي يمتلك هذا القدر من الخبرة لن يغامر بخسارة الناس أو الاصطدام بثوابتهم الوطنية، لأن خسارة الإنسان تعني خسارة رأس المال الحقيقي لأي مشروع سياسي.

فالقائد الذي يدرك طبيعة المجتمع الذي يخاطبه يعلم أن كسب ثقة الناس أصعب بكثير من الحصول على منصب، وأن المحافظة على هذه الثقة تتطلب الانسجام مع تطلعاتهم الوطنية لا معاكستها.

كما أن ثوابت تيار الإصلاح الديمقراطي ومواقفه المعلنة أكدت مرارًا أن غزة والضفة الغربية وحدة جغرافية وسياسية لا تقبل القسمة أو التجزئة، وأن أي مشروع وطني فلسطيني لا يمكن أن يقوم إلا على أساس هذه الوحدة.

وبالعودة إلى تصريحات دحلان نفسه، فقد أكد في أكثر من مناسبة أنه لا يسعى إلى أي منصب حكومي أو أمني أو تنفيذي في قطاع غزة أو غيره، وأن دوره ينحصر في توظيف علاقاته الإقليمية والدولية لخدمة الفلسطينيين ودعم صمودهم والمساهمة في جهود الإغاثة وإعادة الإعمار.

إن معاناتنا اليوم أكبر من الحسابات الفصائلية الضيقة.
فالقضية ليست صراعًا على النفوذ ولا منافسة على المواقع، بل معركة من أجل إنقاذ شعب يواجه واحدة من أخطر الكوارث في تاريخه المعاصر.

لقد أنهكت الحرب أهل غزة واستنزفت طاقتهم وقدرتهم على الاحتمال. ولذلك فإن ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الانقسام والتخوين، بل خطابًا وطنيًا جامعًا يضع الإنسان الفلسطيني فوق كل اعتبار، ويجعل من إنقاذه وإعادة بناء حياته أولوية تتقدم على كل خلاف سياسي.

فغزة التي دفعت هذا الثمن الباهظ تستحق من الجميع أن يلتقوا حولها، لا أن يتنازعوا عليها.

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط