كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بين ضجيج التبجح وعجز الردع هل يملك دونالد ترامب خيارًا عسكريًا حاسمًا ضد إيران؟

بين ضجيج التبجح وعجز الردع هل يملك دونالد ترامب خيارًا عسكريًا حاسمًا ضد إيران؟

تاريخ النشر: 2026-05-22 | 12:17

في كل مرة يخرج فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مهددًا إيران تبدو اللغة أعلى من الوقائع والصوت أعلى من القدرة الفعلية على الحسم والرجل الذي اعتاد تحويل السياسة إلى مسرح مفتوح للاستعراض الإعلامي والتغريدات النارية والمؤتمرات الصاخبة يعيش اليوم أكثر لحظات التناقض وضوحًا بين التهديد والتنفيذ وبين التصعيد والتراجع وبين الحديث عن القوة المطلقة والارتباك أمام حسابات الحرب الحقيقية

 

منذ أسابيع خلت رفع ترامب سقف خطابه تجاه طهران متحدثًا عن خيارات قاسية وضربات حاسمة ونهايات سريعة لكنه في المقابل يتراجع كلما اقتربت لحظة الاختبار الفعلي وكأن البيت الأبيض نفسه يدرك أن الحرب مع إيران ليست نسخة مكررة من مغامرات أميركية سابقة يمكن حسمها خلال أيام أو أسابيع بل مواجهة مفتوحة على احتمالات الانفجار الإقليمي والاستنزاف الطويل والفوضى الاقتصادية العالمية ولهذا تبدو تهديدات ترامب أقرب إلى حرب نفسية ودعائية هدفها تحسين شروط التفاوض واستعادة صورة الردع الأميركي المهتز أكثر من كونها مقدمة فعلية لقرار عسكري حاسم

 

المفارقة أن ترامب الذي يحاول دائما الظهور بمظهر القائد القادر على فرض إرادته بالقوة يواجه اليوم حقيقة قاسية مفادها أن الولايات المتحدة رغم تفوقها العسكري الهائل لا تمتلك خيارًا سهلًا أو مضمون النتائج ضد إيران والتفوق الجوي والبحري الأميركي بات لا يعني القدرة على إنهاء الحرب بسرعة أو تدمير القدرات الإيرانية بالكامل حيث إن طبيعة الجغرافيا الإيرانية القاسية وتعقيد بنيتها العسكرية وانتشار منشآتها النووية والعسكرية في اعماق الجبال وتحت الأرض تجعل أي عملية عسكرية واسعة أقرب إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة منها إلى ضربة خاطفة وحاسمة ولذلك فإن كل الحديث الأميركي المتكرر عن الحسم السريع ظل يصطدم مباشرة بواقع ميداني مختلف تمامًا

 

لا شك ان الولايات المتحدة تمتلك أضخم قوة عسكرية في العالم وقادرة على تنفيذ ضربات دقيقة وعنيفة ضد المنشآت الإيرانية كما تملك خليفتها إسرائيل ايضا تفوقًا استخباراتيًا وتقنيًا يسمح بتنفيذ عمليات نوعية معقدة لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بإمكانية توجيه الضربة بل بقدرة هذه الضربة على تحقيق أهداف سياسية واستراتيجية نهائية والتجارب السابقة أثبتت أن تدمير بعض المنشآت أو اغتيال بعض القادة لا يعني إسقاط النظام الإيراني ولا إنهاء مشروعه النووي ولا كسر إرادته السياسية بل قد يؤدي الى العكس تمامًا عبر دفع طهران إلى توسيع المواجهة ورفع سقف الرد

 

المعضلة الكبرى التي تواجه واشنطن اليوم لا تكمن فقط في قوة إيران العسكرية التقليدية بل في طبيعة الرد الإيراني المتوقع خاصة وان طهران لا تعتمد على جيش كلاسيكي فقط بل على شبكة إقليمية واسعة من الحلفاء والفصائل المسلحة الممتدة من لبنان إلى العراق وسوريا واليمن وهي شبكة قادرة على فتح جبهات متعددة ضد القواعد الأميركية والمصالح الغربية والإسرائيلية في لحظة واحدة وهذا ما يجعل أي حرب ضد إيران مختلفة جذريًا عن أي مواجهة سابقة خاضتها الولايات المتحدة في المنطقة لأن الحرب هنا لن تبقى محصورة داخل الحدود الإيرانية بل ستتحول إلى حريق إقليمي واسع يصعب التحكم بمساره أو توقيت نهايته

 

ربما أخطر ما تخشاه واشنطن ليس فقط الصواريخ الإيرانية بل تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي وإيران تدرك جيدًا أن نقطة ضعف العالم تكمن في الطاقة وممرات التجارة الدولية ولذلك تلوح باستمرار بإغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة فيه وهو تهديد كفيل بإشعال أزمة نفط عالمية ورفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة وإدخال الاقتصاد الدولي في موجة ركود وتضخم خانقة ولهذا فإن حلفاء واشنطن أنفسهم لا يبدون حماسة حقيقية لأي مغامرة عسكرية واسعة لأنهم يعرفون أن تكلفة الحرب لن تدفعها إيران وحدها بل العالم بأسره

 

التردد الأميركي المستمر لا يرتبط فقط بالخوف من الرد الإيراني بل أيضًا بإرث الحروب الأميركية الفاشلة في الشرق الأوسط والناخب الأميركي الذي خرج مثقلًا من حربي العراق وأفغانستان لم يعد مستعدًا لدفع أثمان حرب جديدة مفتوحة وغير مضمونة النتائج وترامب الذي يدرك حساسية هذا المزاج الشعبي يحاول الجمع بين خطاب القوة ومتطلبات تجنب الحرب ولذلك نراه ينتقل يوميًا من التهديد إلى التراجع ومن الحديث عن الضربة القاضية إلى فتح أبواب الوساطات والاتصالات الدبلوماسية وكأن الإدارة الأميركية نفسها عاجزة عن اتخاذ قرار نهائي بين الحرب والتفاوض

 

حتى في داخل المؤسسات الأميركية هناك إدراك متزايد بأن القوة العسكرية وحدها غير قادرة على إنتاج نصر حاسم ضد إيران والتقارير الغربية والأميركية نفسها باتت تتحدث عن محدودية تأثير الضربات الجوية وعن صعوبة القضاء الكامل على البرنامج النووي الإيراني أو البنية الصاروخية الإيرانية كما أن التقديرات الاستخباراتية تشير إلى أن إيران ما تزال تحتفظ بجزء كبير من قدراتها رغم شهور من التصعيد والحصار وهو ما يكشف حجم المبالغة في الخطاب الأميركي والإسرائيلي معا بشأن فعالية القوة العسكرية

 

لعل ما يزيد مأزق ترامب تعقيدًا أن إيران لا تتعامل مع التهديدات الأميركية باعتبارها مفاجأة فقد اعتادت طهران على سياسة الضغط القصوى وعلى أسلوب ترامب القائم على رفع السقف التفاوضي عبر التهديد المستمر ولذلك تبدو القيادة الإيرانية أكثر هدوءًا وثباتًا في التعامل مع التصعيد الأميركي وهي تدرك أن واشنطن تخشى الانزلاق إلى مواجهة لا يمكن السيطرة عليها وتعرف أن أقصى ما تريده الإدارة الأميركية هو تحسين شروط التفاوض وليس خوض حرب شاملة

 

من الواضح أيضًا أن الدور الإقليمي بدأ يفرض نفسه بقوة في منع الانفجار الكبير ودول الخليج التي كانت سابقًا أقرب إلى دعم التصعيد أصبحت أكثر إدراكًا لحجم المخاطر الكارثية لأي حرب واسعة ولذلك مارست ضغوطًا واتصالات مكثفة لدفع واشنطن نحو التهدئة لأن هذه الدول تعرف أن أراضيها ومنشآتها النفطية ستكون في قلب أي رد إيراني محتمل وأن أي مواجهة مفتوحة قد تدمر استقرار المنطقة بالكامل

 

في المقابل تواصل إسرائيل دفع الولايات المتحدة نحو مزيد من التصعيد انطلاقًا من قناعة حكومة بنيامين نتنياهو بأن اللحظة الحالية تمثل افضل فرصة لإضعاف إيران ومحاصرة نفوذها الإقليمي لكن المشكلة أن واشنطن ليست مستعدة لتحمل كلفة حرب طويلة من أجل تحقيق أهداف إسرائيلية غير مضمونة والقيادة الأميركية تدرك أن الدخول في حرب شاملة قد يحول القوات الأميركية في المنطقة إلى أهداف مفتوحة وقد يجر الولايات المتحدة إلى استنزاف استراتيجي جديد لا تملك ترف خوضه في ظل أزماتها الداخلية وصراعها المتصاعد مع الصين وروسيا

 

الحقيقة التي يحاول ترامب إخفاءها خلف ضجيج التصريحات أن ميزان الردع في المنطقة قد تغير وأن إيران لم تعد ذلك الخصم المعزول أو السهل الذي يمكن إخضاعه بضربة عسكرية محدودة وان امتلاكها ترسانة صاروخية ضخمة وقدرات متطورة في الطائرات المسيّرة وتحالفات إقليمية واسعة يجعل أي قرار بالحرب مغامرة محفوفة بالمخاطر ولذلك تبدو كل التهديدات الأميركية حتى الآن محكومة بسقف الردع المتبادل أكثر من كونها مقدمة فعلية لحسم عسكري

 

امام ذلك كله يمكن القول إن ترامب يملك على الورق خيارات عسكرية عديدة لكنه لا يملك خيارًا واحدا حاسمًا ومضمون النتائج والفارق كبير بين القدرة على بدء الحرب والقدرة على إنهائها وبين تدمير أهداف محددة وتحقيق انتصار استراتيجي دائم ولهذا يبدو الرئيس الأميركي اليوم عالقًا بين حاجته إلى استعراض القوة وبين خوفه من نتائج استخدامها فعليًا وهو ما يفسر هذا التناقض اليومي في خطابه السياسي بين التهديد المطلق والتراجع المتكرر

 

واقعيا ما يجري اليوم ليس تعبيرًا عن قوة أميركية مطلقة بقدر ما هو انعكاس لأزمة ردع حقيقية تعيشها واشنطن في الشرق الأوسط وكلما ارتفع صوت التهديد الأميركي ازداد إدراك العالم بأن القوة العسكرية وحدها لم تعد قادرة على فرض الحلول وأن زمن الحروب السهلة قد انتهى وأن إيران مهما تعرضت للضغط والحصار فهي ما تزال تملك من أدوات الصمود والرد ما يجعل أي مواجهة معها مشروع فوضى إقليمية كبرى لا يجرؤ ترامب نفسه على تحمل نتائجها

خلاصة القول : ان جميع تهديدات دونالد ترامب تبدو أقرب إلى استعراض قوة ومحاولة لفرض شروط سياسية ونفسية أكثر من كونها مقدمة لحرب حاسمة وواشنطن تدرك أن إشعال مواجهة شاملة مع إيران قد يفتح أبواب منطقة بأكملها على فوضى لا يمكن السيطرة عليها ولهذا يبقى الخيار العسكري رغم ضجيجه الإعلامي محكومًا بسقف الردع والخوف من الكلفة الباهظة بينما تظل الدبلوماسية والتفاوض الخيار الأقل خسارة لجميع الأطراف مهما ارتفعت نبرة التصعيد والتهديد

×
أخبار
جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط