كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بين معالي الأمور وبين منظومات التفاهة

بين معالي الأمور وبين منظومات التفاهة

تاريخ النشر: 2023-08-21 | 13:18

 قدَّمت غزة منذ أيام نموذجاً متميزاً في تخريج 1,471 حافظاً للقرآن في يوم واحد، تتراوح أعمارهم بين 8 أعوام و72 عاماً؛ وكان بينهم عدد كبير من الأطباء والمهندسين والمعلمين ورجال الأمن.

غزة التي ترزح تحت حصار خانق منذ أكثر من 16 عاماً، أصرّت على مراكمة عناصر القوة والصمود ومقاومة العدوان، واهتمت بصناعة "الإنسان" المؤمن المقاوم المحتسب، وطورت قدرات عسكرية بأبسط الإمكانات، وأصبح لديها صواريخ يزيد مداها عن 200 كلم، وطائرات مسيرة… وغيرها مما لا يتوفر لدول غنية مستقلة. وخاضت عدة حروب مع الاحتلال الصهيوني مرّغت فيه أنف جيشه بالتراب، وألجأت الملايين من سكانه إلى الملاجئ؛ وتقبّلت بعزٍّ وكبرياء استشهاد وجرح الآلاف من أبنائها، ودمار عشرات الآلاف من مبانيها. وقدمت "مدرسة عالمية" في الصبر والصمود والانتصار والتعالي على الجراح.

ولا يبعد ذلك عن حال أهلنا القابضين على الجمر في القدس وباقي الضفة الغربية وفلسطين المحتلة 1948 ومخيمات اللجوء في الشتات، وثباتهم على الأرض ومقاومتهم للاحتلال بأشكال مختلفة.

* * *

في المقابل، تصيبنا حالة من الذهول والإحباط والغضب، ونحن نرى حال أمتنا ودولها التي تعاني من التخلف والضعف والتشرذم والانحطاط الحضاري، واتساع الفجوات العلمية والتكنولوجية والعسكرية مع دول العالم المتقدمة بما يزيد عن خمسين أو مئة عام، في الوقت الذي تنشغل دول عالمنا الإسلامي بتبديد الكثير من ثرواتها على منظوماتها الفاسدة، وعلى وسائل اللهو والترف، والاحتفاء بالثانويات والتفاهات.

 ثمة "طوفان" هائل من التفاهات الذي يغرق وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، ويشغل الشعوب عن القضايا الكبرى وعن أولوياتها، بل يوفر منصات لنقل عادات التفسخ الاجتماعي والأخلاقي وتدمير الفرد والأسرة والمجتمع، وإشاعة الشذوذ، وتقديم المنكرات كأدوات لهو أو حريات شخصية، بينما لا تجد قضية القدس وفلسطين، ومعاناة المسلمين في كل مكان، ومشاريع النهضة والصعود الحضاري والمصالح العليا للأمة… عشر معشار ما تلقاه التفاهة.

* * *

في ستينيات القرن العشرين سأل صحفي الكاتب المصري الشهير ﻋﺒﺎﺱ محمود ﺍﻟﻌﻘﺎﺩ، أحد عمالقة الأدب العربي: من منكما أكثر شهرة، أنت أم محمود شكوكو؟! (شكوكو هو مغني مصري هزلي معروف، كان يرتدي ثياب المهرجين لإضحاك الناس).

فردّ عليه العقاد باﺳﺘﻐﺮﺍﺏ: ومن هو شكوكو؟!

وعندما نقل الصحفي خبر تساؤل العقاد إلى شكوكو، قال شكوكو للصحفي: قل لصاحبك العقاد ﻳﻨﺰﻝ ميدان ﺍﻟﺘﺤﺮﻳﺮ (أشهر ميدان وسط القاهرة)، ويقف على أحد الأرصفة وسأقف أنا على الرﺻﻴﻒ المقابل، وسيرى الناس على من منا ستتجمع أكثر.

فردّ العقاد: قولوا لشكوكو أن ﻳﻨﺰﻝ إلى ميدان ﺍﻟﺘﺤﺮﻳﺮ، ﻭﻳﻘﻒ على ﺭﺻﻴفٍ؛ ويجعل "رﻗّﺎﺻﺔ"، ﺗﻘﻒ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﺻﻴﻒ الثاﻧﻲ، ويرى بنفسه ﺍﻟﻨﺎﺱ على من ستتجمع أﻛثر..!

ولعل العقاد أفحم شكوكو لأن فرص الشهرة تزداد في أحيان كثيرة مع ازدياد درجات الابتذال والتفاهة، وسعي الناس نحو شهواتهم. ولذلك لا نستغرب عندما نرى مغنّين هابطين، وممثلات مبتذلات، وعارضات أزياء يحصدون ملايين إشارات الإعجاب حتى على تعليقاتهم التافهة؛ بينما لا يكاد يجد مفكرون كبار وعلماء ومخترعون من يلتفت إليه.

وفي تاريخنا، لعل ذلك يعود إلى أيام الفاطميين، غير أن وتيرته تصاعدت وأصبحت أكثر احترافاً هذه الأيام.

وفي واقعنا المعاصر يتم تكريم قدم اللاعب على عقل الكاتب. ولعل من الأمثلة الصارخة القريبة على ذلك ما تداولته وسائل الإعلام من تعاقد أندية رياضية خليجية مع لاعبين عالميين مقابل صفقات مالية "فلكية". فمثلاً حصل كريستيانو رونالدو على عقد بنحو 220 مليون دولار، وحصل نيمار على عقد لا يقل عن 150 مليون دولار، ونغولو كانتي على عقد بنحو 110 ملايين دولار، وغيرها.. وهي عقود يكفي أحدها لتغطية تكاليف المحافظة على هوية القدس وصمود أهلها، أو لتغطية تكاليف الوقود لقطاع غزة عن ستة أشهر، أو لميزانية جامعة محترمة..!! مع العلم أن ميزانية لجنة القدس التي ترعاها منظمة المؤتمر الإسلامي المكونة من 56 دولة لا تتجاوز 12 مليون دولار سنوياً.

وحتى في بيئتنا الفلسطينية، فعوضاً عن أن تقوم السلطة بإقامة اقتصاد صمود مقاوم يهيئ فعلاً للتحرر من العدو، وإنشاء دولة مستقلة بحسب ما وعدت شعبها، قامت بإنشاء اقتصاد استهلاكي، تابع للاحتلال، وألهت الناس بالديون والقروض وبدورة حياة اقتصادية مصطنعة، وتوّجت ذلك بإنشاء "كازينو أريحا" ليكون علامة صارخة على ضياع البوصلة والأولويات.

* * *

لقد سبق أن حذّر الأستاذ الشاعر يوسف العظم من الدور السلبي للإعلام وإشغال الناس باللهو والطرب عن قضاياهم الكبرى، عندما رأى انشداداً شعبياً كبيراً لأغاني أم كلثوم التي راجت قبيل هزيمة 1967؛ مثل "هل رأى الحب سكارى"… وكتب قصيدته "خدريهم يا كوكب الشرق" ومما جاء فيها:

كوكب الشرق لا تذوبي غراماً ودلالاً وحُرقة وهُياماً
لا ولا تنفثي الضياع قصيدا عبقرياً أو ترسلي الأنغاما
فدماء الأحباء في كل بيت تتنزَى وتبعث الألاما
وجراح "الأقصى" جراح الثكالى، ودموع الأقصى دموع اليتامى
أيها الشعب خدَرته "الليالي" مثقلات تفجَرت أثاما
فعن الحق تارة يتلهى وعن النور تارة يتعامى
خدرِيهم باللحن يا كوكب الشرق، وصوغي من لحنك استسلاما
أيها السادة الكبار سلاما قد قتلتم في كل نفس سلاما

هذه القصيدة كتبها العظم عن أم كلثوم، فكيف لو قام من قبره هذه الأيام، ورأى بعينيه مغنين لا يقدّمون غير الهبوط والتفاهة والابتذال، وتترفع أم كلثوم نفسها عن كلمات أغانيهم ومستويات أدائهم وإسفافهم؛ بينما تقدمهم وسائل الإعلام كأبطال "ونجوم"…؟!!

* * *

لقد أشار الفيلسوف الكندي آلان دونو (Alain Deneault) في كتابه "نظام التفاهة"، الذي صدر سنة 2015، ونشر بالعربية 2019، إلى سيطرة منظومات التفاهة والتافهين على مناحي الحياة، ومكافأة الرداءة والتفاهة عوضاً عن العمل الجاد الملتزم، فأصبحنا نجد سيادة منطق اللذة والمتعة والأعمال الفنية الهابطة، و"تسليع" القيم و"تسليع" الإنسان (تحويله إلى سلعة) وتغوُّل الطابع التبسيطي والتسطيحي على التفكير والأداء والتقييم، بل إن التفاهة انتقلت إلى الأوساط الأكاديمية وعالم المال والأعمال والاقتصاد والفنون.

* * *

إن الأمة تعاني في هذا الزمان من ضياع البوصلة وتشتت الاهتمامات وخلخلة الأولويات، والخطير في الأمر أن تقوم أنظمة سياسية بنشر الابتذال والتفاهة وتبنيها، وتحويلها إلى موضة وثقافة مجتمعية، فتلفت أنظار الناس عن قضاياهم الكبرى، وتدمر قدرة المجتمع على النهوض الحضاري؛ حيث ترى في ذلك إلهاء لهم عن إصلاح أنظمتهم السياسية الفاسدة والمستبدة، وقطعا للطريق على قوى الإصلاح والتغيير في الأمة.

إن المنظومة الإسلامية مبنية على الطبيعة الجادة للإنسان المستخلف في الأرض، والساعي للنهوض الحضاري، وحفظ هوية الأمة وتميّزها وتراثها التاريخي، وتحقيق مصالحها العليا، وبمواجهة العدو ومخططاته وجرائمه ومخاطره، وبحفظ الهوية الإسلامية للأرض والشعب والمقدسات، ومراعاة فقه الأولويات وفقه النوازل. ولقد نبهنا رسولنا صلى الله عليه وسلم قبل أكثر من 1400 عام، إلى هذه المعاني في الحديث الصحيح "إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ مَعاليَ الأُمورِ، ويَكرَهُ سَفْسافَها".

ولا بد أخيراً من وقفة وجادة وأدوار فعالة من كافة المخلصين، لموجهة طوفان التفاهة، وإعادة الأمة إلى مسارها الصحيح في التقدم والنهوض الحضاري وتحقيق شروط الاستخلاف والتمكين.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط