كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بين نار الصهيونية ورمضاء الصراعات الإقليمية: الأمن القومي العربي لا يُبنى بالاستقواء بالخارج

بين نار الصهيونية ورمضاء الصراعات الإقليمية: الأمن القومي العربي لا يُبنى بالاستقواء بالخارج

تاريخ النشر: 2026-07-04 | 10:47

علي أبو حبلة
علي أبو حبلة

أثار المقال الذي نشره الكاتب عبد الرحمن الراشد في صحيفة الشرق الأوسط تحت عنوان يشير إلى أن استمرار السياسات الإيرانية قد يدفع بعض دول الخليج إلى مزيد من التعاون مع إسرائيل، نقاشًا سياسيًا يتجاوز حدود العلاقات الثنائية، ليطرح سؤالًا استراتيجيًا يتعلق بمستقبل الأمن القومي العربي، وبطبيعة الخيارات التي تواجهها الدول العربية في ظل بيئة إقليمية تتسم بتعدد مصادر التهديد وتضارب المصالح الدولية والإقليمية.

ولا شك أن السياسات الإيرانية خلال العقود الماضية، وما ارتبط بها من تدخلات في عدد من الساحات العربية، أثارت مخاوف حقيقية لدى العديد من الدول العربية، وأسهمت في تعميق الانقسامات الإقليمية وإضعاف النظام العربي الرسمي. غير أن معالجة هذه التحديات لا ينبغي أن تنطلق من منطق الاستعانة بقوة إقليمية أخرى تمتلك بدورها مشروعًا سياسيًا واستراتيجيًا توسعيًا، بل من خلال بناء منظومة عربية قادرة على حماية مصالحها وأمنها الجماعي.

إن مفهوم الأمن القومي العربي لا يقوم على استبدال تهديد بتهديد آخر، ولا على إدارة الأزمات عبر التحالف مع أطراف ترتبط معها المنطقة بصراعات تاريخية وقانونية وسياسية معقدة، وإنما يقوم على امتلاك الإرادة العربية المستقلة، وبناء عناصر القوة الذاتية، وتعزيز منظومة العمل العربي المشترك.

لقد أثبتت التجارب أن التحالفات التي تُبنى على مواجهة خصم مرحلي قد تتحول إلى عبء استراتيجي طويل الأمد، لأن العلاقات الدولية تحكمها المصالح المتغيرة، لا الالتزامات الدائمة. ومن هنا، فإن أي مقاربة للأمن الإقليمي ينبغي أن تنطلق من قراءة شاملة لموازين القوى، وأن تضع المصالح العربية العليا فوق الاعتبارات التكتيكية والظرفية.

وفي هذا الإطار، تظل القضية الفلسطينية حجر الزاوية في معادلة الاستقرار الإقليمي. فاستمرار الاحتلال، وتوسيع الاستيطان، وتقويض فرص الحل السياسي، وما رافق الحرب على غزة من كلفة إنسانية هائلة وانتقادات دولية واسعة، كلها عوامل تؤكد أن غياب حل عادل للقضية الفلسطينية يبقى أحد أهم مصادر عدم الاستقرار في المنطقة. كما أن استمرار الاحتلال ينعكس على الأمن الإقليمي ويغذي دوائر التوتر والصراع، الأمر الذي يجعل تحقيق السلام العادل ضرورة استراتيجية، وليس مجرد مطلب سياسي.

إن قراءة المشهد الإقليمي تكشف أن المنطقة تواجه مشروعين متنافسين على النفوذ؛ الأول تقوده إيران عبر توسيع حضورها الإقليمي، والثاني تمثله إسرائيل التي تسعى إلى ترسيخ مكانتها الاستراتيجية وتوسيع دائرة اندماجها الإقليمي. وفي ظل هذا الواقع، فإن المصلحة العربية لا تكمن في الانحياز إلى أحد المشروعين، بل في بلورة مشروع عربي مستقل يعيد الاعتبار لمفهوم الأمن القومي العربي ويعزز القدرة على حماية المصالح المشتركة.

ومن هنا، فإن المسؤولية التاريخية تقع على عاتق الدول العربية في الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة صناعة المستقبل، من خلال تعزيز التكامل الاقتصادي، وتطوير التعاون الدفاعي والأمني، وبناء منظومة ردع عربية، وتفعيل مؤسسات العمل العربي المشترك، والاستثمار في التنمية والبحث العلمي والتكنولوجيا باعتبارها ركائز أساسية للأمن القومي بمفهومه الشامل.

وفي الوقت ذاته، فإن المشروع الوطني الفلسطيني مطالب بإجراء مراجعة شاملة لأدواته السياسية والتنظيمية، وتعزيز الوحدة الوطنية، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية على أسس ديمقراطية وتشاركية، وتكثيف الحراك السياسي والدبلوماسي مع العمق العربي والمجتمع الدولي، بما يعيد للقضية الفلسطينية مكانتها المركزية ويحصّنها من محاولات التهميش أو التوظيف في صراعات المحاور.

إن المرحلة الراهنة تفرض رؤية استراتيجية تتجاوز ردود الأفعال والانقسامات، فالتحديات التي تواجه الأمة العربية لا يمكن معالجتها بسياسات ظرفية أو بتحالفات آنية، وإنما من خلال مشروع عربي جامع يستند إلى استقلال القرار الوطني، واحترام سيادة الدول، وتعزيز التضامن العربي، وصون الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وفق قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

إن الأمن القومي العربي لن يتحقق بالارتهان لأي قوة خارجية، وإنما ببناء قوة عربية قادرة على حماية مصالحها والدفاع عن سيادتها، وبإحياء مشروع عربي يستند إلى الإرادة السياسية والوحدة والتكامل. فالاستقرار الحقيقي لا تصنعه التحالفات المؤقتة، وإنما تصنعه الرؤية الاستراتيجية، والقدرة على بناء توازن إقليمي قائم على العدالة والاحترام المتبادل، بما يحقق الأمن والسلام لشعوب المنطقة ويصون مستقبلها.

يمكن أن تُختتم المقالة بخاتمة قوية تربط بين الفكرة التي طرحها الكاتب والمفكر بكر أبو بكر وبين الرؤية الاستراتيجية للأمن القومي العربي، دون شخصنة أو انفعال:

وفي هذا السياق، فإن ما طرحه الكاتب والمفكر بكر أبو بكر لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه ردًا على مقال أو موقف سياسي عابر، وإنما كدعوة لإعادة التفكير في أولويات الأمن القومي العربي، وفي مخاطر الانجرار إلى خيارات قد تفرضها اللحظة السياسية لكنها لا تصمد أمام حسابات التاريخ والجغرافيا والمصالح الاستراتيجية. فالمنطقة لا تحتاج إلى استبدال خصومة بأخرى، ولا إلى الارتهان لمشاريع إقليمية متنافسة، بل إلى مشروع عربي جامع يعيد الاعتبار للدولة الوطنية، ويعزز العمل العربي المشترك، ويضع القضية الفلسطينية في موقعها الطبيعي باعتبارها القضية المركزية للأمة، ومدخلًا لتحقيق أمن واستقرار إقليميين قائمين على العدالة والشرعية الدولية.

لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن الأمن لا يُستورد، وأن التحالفات المرحلية لا تُغني عن بناء القوة الذاتية. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على الإرادة العربية، ووحدة الموقف، واستقلال القرار، وبناء منظومة أمن قومي عربي قادرة على مواجهة مختلف التحديات، بعيدًا عن سياسات المحاور والاستقطاب. فالأمم التي تمتلك رؤيتها الاستراتيجية هي وحدها القادرة على صناعة مستقبلها، أما التي تجعل خياراتها رهينة لمعادلات الآخرين، فإنها تبقى أسيرة أزماتهم وصراعاتهم مهما تبدلت التحالفات وتغيرت موازين القوى

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط