كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بين نقص الدواء وحواجز الموت.. إسرائيل تدفع الضفة الغربية نحو الانهيار الصحي

بين نقص الدواء وحواجز الموت.. إسرائيل تدفع الضفة الغربية نحو الانهيار الصحي

تاريخ النشر: 2026-06-04 | 11:27

تشهد الضفة الغربية واحدة من أخطر الأزمات الصحية منذ عقود، في ظل تداخل الأزمات المالية والسياسية والإنسانية التي تضرب القطاع الصحي الفلسطيني، وسط تحذيرات متزايدة من انهيار تدريجي لمنظومة الرعاية الصحية نتيجة نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، وتراكم الديون، واستمرار الإجراءات الإسرائيلية التي تعرقل وصول المرضى والطواقم الطبية إلى المستشفيات والمراكز الصحية.

ولم تعد أزمة الصحة في فلسطين مجرد أزمة موازنات أو تأخر في سداد المستحقات، بل أصبحت أزمة وجودية تمس حق الإنسان الفلسطيني في الحياة والعلاج، وتكشف حجم التحديات التي تواجه النظام الصحي الفلسطيني في ظل الاحتلال واستمرار الضغوط الاقتصادية والمالية المفروضة على السلطة الفلسطينية.

أزمة مالية خانقة

تظهر الأرقام حجم المأزق الذي تعيشه وزارة الصحة الفلسطينية، حيث تجاوزت الديون المستحقة للموردين وشركات الأدوية 1.3 مليار شيكل، في حين لم تتمكن الحكومة منذ بداية العام من دفع سوى 16 مليون شيكل فقط، رغم أن الاحتياجات الشهرية اللازمة للحفاظ على الحد الأدنى من المخزون الدوائي تتجاوز 30 مليون شيكل.

وتتزامن هذه الأزمة مع معطيات أشد خطورة تشير إلى أن الديون الإجمالية للقطاع الصحي الفلسطيني تجاوزت 2.6 مليار شيكل، وهو رقم يقترب من كامل موازنة وزارة الصحة السنوية، الأمر الذي أدى إلى اختلالات حادة في عمليات التوريد والتخزين والتوزيع.

وقد انعكس ذلك بصورة مباشرة على مخزون الأدوية، حيث فقدت المستودعات الحكومية أكثر من 160 صنفاً دوائياً بشكل كامل، فيما تعاني مئات الأصناف الأخرى من نقص حاد، بما يشمل أدوية الأمراض المزمنة وأدوية القلب والسكري والكلى والسرطان والعلاجات المناعية والمضادات الحيوية الأساسية.

قرصنة أموال المقاصة وتجفيف الموارد

لا يمكن فهم الأزمة الصحية الحالية بمعزل عن الأزمة المالية العامة التي تعانيها السلطة الفلسطينية نتيجة استمرار الحكومة الإسرائيلية في اقتطاع أجزاء كبيرة من أموال المقاصة الفلسطينية، والتي تشكل المصدر الرئيسي للإيرادات العامة.

وقد أدى احتجاز هذه الأموال إلى تقليص قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها تجاه مختلف القطاعات، وفي مقدمتها القطاع الصحي، الأمر الذي انعكس على رواتب العاملين في القطاع الطبي وعلى قدرة الوزارة على شراء الأدوية وسداد مستحقات الموردين.

كما ساهم منع عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل في تراجع دخول الأسر الفلسطينية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، ما جعل شراء الأدوية من السوق الخاص أمراً يفوق قدرة آلاف المرضى.

إضرابات وإغلاق مئات العيادات

تحت ضغط الأزمة المالية وتأخر الرواتب، دخل الأطباء والممرضون والعاملون في القطاع الصحي في سلسلة من الإجراءات الاحتجاجية والإضرابات التي انعكست بشكل مباشر على مستوى الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.

وأدى ذلك إلى تقليص الخدمات في المستشفيات الحكومية إلى الحد الأدنى واقتصارها على الحالات الطارئة والمنقذة للحياة، فيما أُغلقت مئات العيادات والمراكز الصحية، ما حرم آلاف المرضى من خدمات الرعاية الأولية والمتابعة الدورية، خاصة النساء الحوامل والأطفال ومرضى الأمراض المزمنة.

ويحذر خبراء الصحة من أن استمرار هذا الوضع لفترات طويلة سيؤدي إلى ارتفاع معدلات المضاعفات الصحية والأمراض غير المسيطر عليها، ما يضاعف كلفة العلاج مستقبلاً ويزيد الضغط على المستشفيات.

حواجز الموت وتعطيل وصول المرضى

إلى جانب أزمة الدواء والتمويل، تواجه المنظومة الصحية الفلسطينية تحدياً لا يقل خطورة يتمثل في القيود الإسرائيلية المفروضة على حركة المواطنين والطواقم الطبية وسيارات الإسعاف.

فالحواجز العسكرية المنتشرة في الضفة الغربية، والإغلاقات المتكررة للطرق، وإجراءات التفتيش المطولة، باتت تشكل عائقاً يومياً أمام وصول المرضى إلى المستشفيات، خصوصاً في الحالات الطارئة التي تتطلب تدخلاً طبياً سريعاً.

وقد وثقت مؤسسات حقوقية فلسطينية ودولية عشرات الحالات التي تعرضت فيها سيارات الإسعاف للتأخير أو المنع أو التفتيش أثناء نقل المرضى والمصابين، الأمر الذي أدى في بعض الحالات إلى تفاقم الأوضاع الصحية للمرضى وتهديد حياتهم.

وفي محافظات شمال الضفة الغربية، وخاصة جنين وطولكرم ونابلس، أدت العمليات العسكرية والإغلاقات المتكررة إلى صعوبات كبيرة في وصول المرضى والعاملين الصحيين إلى أماكن عملهم أو تلقي العلاج في الوقت المناسب.

انتهاك للقانون الدولي الإنساني

تؤكد المواثيق الدولية، وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أن الحق في الصحة والعلاج حق أساسي من حقوق الإنسان، وأن على سلطات الاحتلال التزاماً قانونياً بضمان وصول السكان الواقعين تحت الاحتلال إلى الخدمات الصحية وعدم عرقلة عمل الطواقم الطبية.

كما تنص المادة (56) من اتفاقية جنيف الرابعة على مسؤولية القوة القائمة بالاحتلال في ضمان وتوفير الخدمات الطبية والصحية للسكان المدنيين، واتخاذ التدابير اللازمة لمكافحة الأمراض والأوبئة وتسهيل عمل المؤسسات الصحية.

وفي هذا السياق، يرى خبراء القانون الدولي أن القيود المفروضة على حركة المرضى والطواقم الطبية، إلى جانب السياسات الاقتصادية التي تؤدي إلى إضعاف القطاع الصحي الفلسطيني، تثير تساؤلات جدية حول مدى التزام إسرائيل بواجباتها القانونية كقوة احتلال.

الأمن الصحي جزء من الصمود الوطني

إن الأزمة الراهنة لا تهدد المرضى فقط، بل تمس أحد أهم عناصر الصمود الوطني الفلسطيني. فاستمرار نقص الأدوية وتعطل الخدمات الصحية يضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة، ويزيد من الاعتماد على التحويلات الطبية الخارجية، ويرفع كلفة الرعاية الصحية على الدولة والمجتمع.

كما أن انهيار النظام الصحي سيؤدي إلى تداعيات اجتماعية واقتصادية واسعة النطاق، تبدأ بتدهور المؤشرات الصحية ولا تنتهي عند اتساع دائرة الفقر والعجز الاجتماعي.

خاتمة وتوصيات

أمام هذا الواقع الخطير، أصبح إنقاذ القطاع الصحي الفلسطيني أولوية وطنية وإنسانية عاجلة تتطلب تحركاً على عدة مستويات.

فلسطينياً، لا بد من وضع خطة طوارئ مالية تضمن توفير مخصصات ثابتة لشراء الأدوية الأساسية، وتسريع إجراءات التوريد، وتسوية جزء من الديون المتراكمة للموردين، بما يحافظ على استمرارية الخدمات الصحية.

وعربياً ودولياً، تبرز الحاجة إلى تدخل عاجل من المؤسسات الدولية والجهات المانحة لتوفير شبكة أمان صحية وإنسانية تمنع انهيار القطاع الصحي، وتضمن استمرار وصول الأدوية والمستلزمات الطبية إلى المستشفيات الفلسطينية.

أما على المستوى القانوني، فإن المطلوب هو تحرك دولي جاد للضغط على إسرائيل لوقف الإجراءات التي تعرقل وصول المرضى والطواقم الطبية، والإفراج عن الأموال الفلسطينية المحتجزة، واحترام التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني.

إن معركة الفلسطيني اليوم لم تعد فقط معركة أرض وهوية، بل أصبحت أيضاً معركة حق في الحياة والعلاج والكرامة الإنسانية. وبين نقص الدواء وحواجز الموت، يقف المرضى الفلسطينيون في مواجهة أزمة تتجاوز حدود الصحة لتصبح اختباراً حقيقياً لضمير المجتمع الدولي وقدرته على حماية أبسط الحقوق الإنسانية.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط