كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بين نكبة الأمس وتيه اليوم: هل تتحول المأساة إلى مسخرة؟

بين نكبة الأمس وتيه اليوم: هل تتحول المأساة إلى مسخرة؟

تاريخ النشر: 2026-05-19 | 11:29

 

في الخامس عشر من أيار/مايو 1948، لم يدخل الفلسطينيون النكبة مجردين من السلاح ومسلوبي الأرض فقط، بل، ومجردين أيضًا من بنية وطنية قادرة على حماية مجتمعهم من الانهيار. فقد وقعت الكارثة فيما كانت الهيمنة التقليدية، العائلية والإقطاعية، تمسك بالمجتمع الفلسطيني، عاجزة عن بناء مشروع تحرر حديث يوحّد الناس حول رؤية وطنية جامعة. أما الأنظمة العربية، التي رفعت رايات الإنقاذ والتحرير، فقد دخلت الحرب بإرادات متناقضة وصراعات نفوذ جعلت فلسطين ساحة أكثر منها قضية. وحين وقعت الهزيمة، لم يُترك الفلسطينيون فقط بين اللجوء والمنفى والخذلان، بل جرى العمل على احتواء قضيتهم وإخضاعها لمنطق الوصاية والتذويب والطمس السياسي والوطني.

 

وبعد نحو ثمانية عقود، ورغم مسيرة طويلة من النضال منذ انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، والانتفاضات الشعبية الكبرى، والتضحيات الهائلة التي قدمها الشعب الفلسطيني، وآخرها ما يتعرض له أهل غزة من حرب إبادة وتجويع وتدمير شامل، يبدو المشهد وكأنه يعود بأسماء وأدوات مختلفة. فالحركة الوطنية التي نشأت أصلًا لتجاوز ذلك العجز التاريخي، وصون الهوية الوطنية من الطمس والتمزيق، واستعادة مكانته كشعب موحد، أخذت هي الأخرى تتآكل تدريجيًا تحت وطأة الانقسام، وصراعات السلطة، والمصالح الفئوية، وتفكك البنية السياسية والأخلاقية التي كان يفترض أن تحمل المشروع الوطني.

 

والأخطر أن هذا التآكل يحدث في اللحظة الأكثر خطورة منذ النكبة الأولى، حيث لم تعد الصهيونية اليمينية تخفي مشروعها القائم على الحسم النهائي للقضية الفلسطينية، عبر التهجير، والتطهير، وتحويل الوجود الفلسطيني نفسه إلى عبء قابل للإزالة. فما يطرحه اليمين الفاشي في إسرائيل اليوم ليس مجرد احتلال دائم، بل استكمال متدرج للنكبة، عبر دفع الفلسطينيين إلى اليأس، وكسر قدرتهم على البقاء، وتحويل غزة خصوصًا إلى منطقة غير قابلة للحياة.

 

ما أشبه اليوم بالبارحة

 

فكما اختُزل الوطن يومًا في زعامات تقليدية عاجزة، يجري اليوم اختزال القضية في هياكل وقيادات فقد جزء كبير منها الصلة الحية بالناس وبالهدف الوطني الجامع وبالواقع نفسه، بل إن ضجيج الحديث عن “الشرعيات” و”المؤسسات” و”الممارسة الديمقراطية” بات، في كثير من الأحيان، مجرد غطاء لإعادة إنتاج الهيمنة ذاتها داخل بنية سياسية متآكلة. إذ تُستدعى الديمقراطية لا بوصفها أداة لتجديد الإرادة الشعبية، بل كآلية شكلية لترسيخ حكم الفرد والهيمنة والإقصاء، وإعادة توزيع الحصص داخل الحلقة المغلقة نفسها، بعيدًا عن أي مساءلة حقيقية أو مراجعة وطنية جدية وشاملة.

 

وفي الوقت الذي تتعرض فيه غزة لحرب وجودية مفتوحة، تبدو قطاعات واسعة من الطبقة السياسية الفلسطينية غارقة في حسابات المواقع، والمحاصصة، وترتيبات الخلافة، والصراع على التمثيل، وكأن القضية الأساسية لم تعد كيف نوقف الكارثة وننقذ الناس والوطن؟ بل؛ من يملك حق التحدث باسمهم بعد الكارثة؟

 

هنا تكمن المعضلة الأخطر. إذ لم يعد الانقسام مجرد خلاف سياسي، بل تحول إلى نمط حكم وإدارة وهيمنة، يعيش على استدامة الأزمة بدل حلها. ولذلك تبدو بعض البنى السياسية وكأنها تستهلك التضحيات الفلسطينية سياسيًا وإعلاميًا وتنظيميًا، دون أن تقدم إجابة واضحة عن السؤال الجوهري: لماذا يضحي الناس؟ وما المشروع الوطني الذي تُدفع من أجله هذه الأثمان الهائلة؟

 

ولعل هذا الفراغ بالذات هو ما يفسر التآكل المتزايد في ثقة الناس بالبنية السياسية القائمة، وتعاظم الشعور بالعزلة والغضب وفقدان المعنى. فالشعوب تستطيع احتمال الألم، لكنها لا تستطيع احتمال العبث بتضحياتها أو تحويل دمائها إلى مادة للاستثمار السياسي أو الرمزي.

 

ومع ذلك، فإن ما يمنع الانهيار الكامل حتى الآن، ليس كفاءة النظام السياسي ولا حكمة النخب، بل بقاء الفلسطيني نفسه حيًا داخل قضيته، وصامدًا فوق أرضه. فالشعب الذي واجه النكبة، والمنافي، والحصار، والحروب المتكررة، ما زال يمتلك قدرة استثنائية على البقاء والتمسك بالوطن، حتى حين تتآكل المؤسسات التي يُفترض أن تجسد هذا المعنى وتحميه.

 

ولهذا، فإن أولوية اللحظة الراهنة لا ينبغي أن تكون إعادة ترتيب موازين القوى داخل النظام السياسي المتداعي، بل إنقاذ ما تبقى من المشروع الوطني نفسه. وأي حديث عن انتخابات، أو شرعيات، أو إعادة تشكيل للمؤسسات، يفقد معناه إذا لم يكن جزءًا من توافق وطني شامل يعيد تعريف الأولويات على أساس واضح وفي مقدمتها وقف الابادة والعدوان، وإنقاذ غزة، وحماية وحدة الشعب، وتجديد الشرعية الوطنية الجامعة، لا تكريس الهيمنة الفردية والإقصاء .

 

فالمطلوب اليوم ليس مجرد إعادة تدوير السلطة، بل إعادة بناء فكرة القيادة الوطنية نفسها؛ قيادة تعتبر أن وظيفتها الأولى حماية الناس وتعزيز صمودهم وقدرتهم على البقاء، لا إدارة الانقسام أو التنافس على النفوذ. كما أن المطلوب ليس فقط تجديد المؤسسات، بل تأسيس بنية حكم شفافة وخاضعة للمساءلة، تستمد شرعيتها من خدمة الناس والدفاع عن حقوقهم الوطنية، لا من احتكار التمثيل أو امتلاك أدوات القوة.

 

وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة من مجرد مقارنة تاريخية؛ هل يعيد التاريخ نفسه فعلًا؟

أم أن المأساة، حين تعجز النخب عن التعلم منها، تتحول تدريجيًا إلى شكل من أشكال الكوميديا السوداء؛ حيث يستمر الناس في دفع أثمان وجودهم، بينما تنشغل البنى السياسية بإدارة خرائبها؟

 

وربما يكون التحدي الأعمق في هذه اللحظة التاريخية، ونحن نعيد استخلاص دروس النكبة هو: كيف يُعاد بناء الحركة الوطنية باعتبارها أداة لتحرير الإنسان الفلسطيني وصون بقائه، لا عبئًا يُعتاش على تضحياته؟ وكيف يُستعاد القرار الوطني الموحد ليعود فعلًا إلى الشعب الذي دفع، وما يزال يدفع، أغلى الأثمان دفاعًا عن حقه في البقاء والحياة والحرية والكرامة الوطنية؟

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط