كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

بين وهم عزوف الشباب ومقصلة الإقصاء السياسي والنقابي

بين وهم عزوف الشباب ومقصلة الإقصاء السياسي والنقابي

تاريخ النشر: 2026-07-08 | 11:57

د. سلامه  محمود ابو زعيتر
د. سلامه محمود ابو زعيتر
تواجه المنظمات والاتحادات النقابية والعمالية والنسوية اليوم معضلة وجودية تُعرف بـ "الشيخوخة الهيكلية"، حيث تشير الأرقام إلى أن متوسط أعمار القيادات النقابية قد تخطى عتبة الـ 55 عاماً من كلا الجنسين، وهذا المؤشر الديمغرافي الخطير يعلن بوضوح عن انسداد قنوات التجديد في مؤسسات صُنعت أساساً لتقود التغيير. إن ضخ دماء الشباب في عروق هذه الهياكل لم يعد خياراً ثانوياً، بل هو شرط البقاء الوحيد لإنقاذ العمل النقابي من الركود والموت السريري، وإعادة ربطه بنبض الشارع وقضايا العصر، وبدونه يصعب الإقلاع والتطور لخدمة الفئات المناضلة من أجل حقوقها، وبما يحقق التنمية والاستدامة المرجوة للمجتمع. لا ينكر أحد أهمية الخبرة التراكمية للقيادات التاريخية، فهي مقدرة ومطلوبة كمرجعية، لكن الانغلاق عليها وتحويلها إلى صنم يُعبد يؤدي إلى فجوة جيلية حادة ومخاطر تهدد مستقبل العمل؛ نظراً لافتقاره إلى روح الشباب واندفاعهم المطلوب، وابتكاراتهم وإبداعاتهم الضرورية للانطلاق نحو الأهداف بأساليب تواكب العصرنة والتطور التكنولوجي والتقني. وفي المقابل، فإن أدوات النضال النقابي التقليدية التي صِيغت في عقود مضت لم تعد تكفي لمواجهة تحديات سوق العمل الحديث، والعمل المرن، والتطور الرقمي المتسارع، وأنماط التوظيف الهشة. وهنا يبرز السؤال الوجودي، كيف لجيل يعيش بعقليته وأدواته في الخمسينيات والستينيات من عمره أن يفهم بعمق تطلعات ومشاكل شباب الخريجين والعمال الجدد، وهم يواجهون واقعاً اقتصادياً واجتماعياً مغايراً تماماً، ويتحدثون لغة غير التي يتقنها الحرس القديم؟ لاسيما وقضاياهم تتشابك مع تحديات الواقع وما أنتجته الظروف في فلسطين، وخاصة في قطاع غزة نتيجة الحرب والعدوان وما تبعها من تداعيات كارثية. ولتحليل الواقع وتفكيك المغالطة التي تُشاع، نتساءل، هل هو عزوف شبابي أم تطفيش ممنهج؟ غالباً ما يُوصم شباب العشرينيات والثلاثينيات، وخاصة الخريجين الجدد، بـ "العزوف" أو "الترفع" عن العمل النقابي والمشاركة العامة، وتُتخذ هذه التهمة الجاهزة كشماعة مريحة لتبرير احتكار المقاعد وصناعة القرار، ولكن بنظرة سريعة وفاحصة إلى الواقع، ينكشف زيف هذا الادعاء وتهافته؛ فالشباب اليوم هم عصب المبادرات الرقمية، والحملات التطوعية، والمشاريع الريادية والمجتمعية المعقدة التي يديرونها بنجاح باهر في الفضاءات المفتوحة -وهو تماماً ما تحتاجه النقابات لتواكب العصر- مما يثبت أن طاقة العطاء والشغف بالتغيير موجودة وبقوة متفجرة. إن الشباب لا يترفعون عن العمل العام، بل يكفرون بالقوالب الجامدة، والبيروقراطية العفنة، واللغة الخشبية التي تُدار بها النقابات الحالية، فعندما ينظر الشاب الخريج إلى النقابة فلا يرى فيها سوى قاعات مغلقة، واجتماعات بروتوكولية لا تقدم ولا تؤخر، وصراعات شخصية وحزبية ضيقة، فمن الطبيعي أن يتساءل ببراغماتية مشروعة، ماذا سأقدم وماذا سأستفيد من كيان لا يسمعني، ولا يرى همومي، ولا يؤمن بقدراتي؟، يضاف إلى ذلك صراع البقاء الشرس الذي يخوضه ابن العشرين أو الثلاثين لتأمين لقمة العيش وبناء مسيرته المهنية والأسرية في ظل أزمات اقتصادية طاحنة وبطالة متفشية، وعندما تأتي النقابة "المغلقة" لتطالبه بالولاء دون أن تقدم له شبكة أمان، أو برامج تأهيل حقيقية لسوق العمل، أو دفاعاً مستميتاً عن حقه في التوظيف والعمل الكريم واللائق، فمن الطبيعي والمنطقي أن يتراجع خطوة إلى الخلف فقهًا للأولويات. الشباب بين الإقصاء ورقة الأفئدة: إن ما يحدث في الكواليس هو إقصاء ممنهج -سواء بحسن نية أو بسوئها- عبر آليات ميكانيكية وتشريعية طاردة؛ تُشهر في وجه الشباب عقدة "شرط الخبرة" التعجيزية، ويُجابهون بعبارات استعلائية وأبوية من نوع - أن العمل النقابي يحتاج دهاءً ومراساً لا تملكونه-، وتُصاغ لوائح داخلية تتطلب قضاء عقود في المهنة للترشح للمجالس القيادية، مما يحصر القرار تاريخياً في فئة عمرية بعينها. هذا الإقصاء المتعمد يتجاهل حقيقة إنسانية ونفسية عميقة بأن الشباب أرق أفئدة، والواجب استيعابهم واحتواؤهم لا إبعادهم، وهو ما يتقاطع مع المأثور التاريخي والتربوي في الثقافة الإسلامية بالحديث النبوي بقوله صلي الله عليه وسلم " أوصيكم بالشباب خيراً فإنهم أرق أفئدة، ألا وإن الله بعثني بالحنيفية السمحة فحالفني الشباب وخالفني الشيوخ". فالشباب في مقتبل العمر يمتلكون حماساً متدفقاً وحساسية بالغة تجاه قضايا العدالة والتقدير، ورقة أفئدتهم ليست ضعفاً أو قلة خبرة، بل هي الميزة الأخلاقية والنضالية الأهم؛ لأنها تضمن بقاء النقابة مؤسسة إنسانية حية تشعر بآلام منتسبيها وتدافع عنهم بشغف، بدلاً من تحولها إلى إدارة جامدة، وعندما يُقابل هذا الشغف النبيل بصلف الإقصاء، يتحول سريعاً إلى إحباط وانكفاء، حيث يفضل الشاب الانسحاب كرامةً لنفسه وعقله. المسؤولية التاريخية تتحملها القيادات النقابية والفصائل السياسية: وهنا يجب أن نتحدث بوضوح ودون مواربة؛ إن المسؤولية الأولى والمباشرة عن هذا التهريم النقابي تقع على عاتق قيادات النقابات الحالية، وخلفها القوى والأحزاب السياسية التي تهيمن على هذه الكياناتـ وإن هذه الأطراف ترتكب خطيئة استراتيجية بحق الوطن والمجتمع لعدة أسباب: • الأنانية التنظيمية واحتكار السلطة حيث تنظر القيادات الحالية والقوى السياسية المحركة لها إلى النقابات كـ "مكتسبات نفوذ" ومراكز قوى تقوم على العلاقات والصداقات التاريخية القديمة التي يجب الحفاظ عليها لحسابات ضيقة، بدلاً من النظر إليها كمؤسسات وطنية تحتاج إلى الاستدامة وتداول الأجيال. • الخوف من التجديد وهو مرض خشية التغيير الموروث في العقلية التقليدية التي تهاب الفكر الشبابي المنفتح والرقمي؛ لأن تمكين الشباب يعني تلقائياً مساءلة الأنماط القديمة، والمطالبة بالشفافية، وتغيير أدوات العمل الراكدة، وهو ما يقض مضاجع المستفيدين من الوضع الراهن. • تحويل النقابات إلى ساحات لتصفية الحسابات والصراعات بدلاً من أن تكون النقابة بيتاً جامعاً للشباب بمختلف تطلعاتهم، جرى تحزيبها وتسييسها بشكل ضيق، مما جعل الشاب المستقل أو الخريج الجديد يشعر بالاغتراب التام داخل مؤسسته المهنية. إن القوى السياسية والنقابية التي لا تراعي هذا الخلل الديمغرافي، ولا تفتح بواباتها لشباب العشرينيات والثلاثينيات، هي قوى رجعية تمارس الانتحار الذاتي وتساهم في إضعاف المجتمع؛ إنهم يحولون النقابات من خطوط دفاع أولى عن حقوق المهن والعمال، إلى مجرد كيانات هشة آيلة للسقوط بمجرد غياب جيلها الحالي. ما هو المطلوب على المستوى الاستراتيجي لبناء معادلة التمكين الحقيقي للشباب النقابي؟ إن إعداد جيل يقود المرحلة القادمة ويتسلم الراية بكفاءة لا يحدث عبر الشعارات الرنانة في المؤتمرات، بل يمر عبر استراتيجية توجيهية صارمة وبناءة تعتمد على تفكيك هذه العقلية الأبوية، ويمكن تلخصيها في التالي: • الإنصات والإشراك الفعلي: يجب على القيادات أن تستوعب وتنصت لمقترحات الشباب وأفكارهم بشكل حقيقي وفعال، وأن يتم إشراكهم فوراً في لجان صنع القرار وصياغة البيانات والمطالب، مع منحهم مساحات وهوامش مشروعة للخطأ والصواب؛ فالثقة والخبرة تُنتزعان بالممارسة والعمل الميداني ولا تهبطان بالوحي. وهو تماماً ما اكتسبته القيادات النقابية الحالية في بداياتها عندما أسست نقابات بمبادرات شبابية، واليوم شاخت ولم تترك العمل أو تفتح المجال لتفسح المساحة للشباب. • التأهيل والتمهير والإكساب التدريبي فالقيادة علم وممارسة؛ لذا يتوجب تأسيس "معاهد نقابية" دورية ملزمة لإكساب الكوادر الشابة الثقافة النقابية ومهارات التفاوض المتقدم، وحل النزاعات، وفهم القانون العمالي والدولي، والتخطيط الاستراتيجي، والرقمنة النقابية. • الإرشاد والتوجيه الواعي وهنا يتجلى الدور الأسمى للقيادات الخبيرة بلعب دور "الموجه" الحكيم الذي يقدم النصح والإرشاد بدفء ودون استعلاء، فيختصر على الشباب سنوات من التخبط ويحميهم من الاندفاع غير المحسوب، دون أن يطفئ جذوة حماسهم أو ينقل لهم عدوى الأمراض القائمة التي يعاني منها الجيل الأكبر. • يجب كسر جدار الإقصاء التشريعي عبر إصلاح اللوائح وإقرار "كوتا شبابية" إجبارية في المجالس التنفيذية، من خلال إصلاح وتعديل القوانين والأنظمة واللوائح الناظمة، وتحديد حد أقصى للدورات الانتخابية لمنع الخلود في المناصب. الخلاصة: إن القيادة الحقيقية والوطنية لا تُقاس بعدد السنوات التي يقضيها المسؤول متحنطاً فوق كرسيه، بل بعدد القادة والكوادر التي نجح في صناعتها وتقديمها للمستقبل. وحين يجتمع وقار وحكمة الخبرة مع رقة أفئدة الشباب وطاقتهم المبتكرة، تصبح المؤسسة النقابية حصناً منيعاً لا يمكن اختراقه، وقوة اقتراحية ونضالية لا يمكن تجاوزها. أما الاستمرار في تحنيط المقاعد، وتدوير الوجوه ذاتها، وتحويل النقابات إلى "ديوان عائلي" أو "مضافة حزبية مغلقة" تفوح منها رائحة الركود والبيروقراطية، فهو ليس مجرد عناد تنظيمي، بل هو "انتحار استراتيجي" وجريمة مكتملة الأركان بحق العمل العام في فلسطين، وإن التمترس خلف تبريرات "شرط الخبرة" الواهية ليس سوى قناع بائس لإخفاء شهوة احتكار السلطة والخوف الرعديد من رياح التغيير والمساءلة التي يحملها الشباب الرقمي والمنفتح. الكرة اليوم في ملعب القيادات النقابية والقوى السياسية المهيمنة؛ والخيارات أمامهم صفرية لم تعد تحتمل المناورة، فإما إدراك اللحظة التاريخية، وخلع عباءة الوصاية الأبوية، وفتح النوافذ المغلقة لضخ أكسجين التنوع العمري في جسد المؤسسات لإنعاشها -عبر تسليم واشراك القيادة لشباب العشرينيات والثلاثينيات- وإما العناد والخلود في المناصب حتى يأتي القضاء المحتوم، وعندها ستتحمل هذه القيادات المسؤولية الأخلاقية والتاريخية الكاملة عن تحويل كيانات عريقة ناضلت من أجلها أجيال، إلى ركام من الماضي ومجرد هياكل كرتونية بلا نبض ولا أثر، لقد حان الوقت لتدرك العقول المتكلسة أن الشباب ليسوا "مستقبل" النقابات المؤجل الذي ينتظر إذناً بالدخول، بل هم حاضرها الإجباري وشرط بقائها الوحيد، وبدونهم لن يكون هناك غد مشرق.
×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط