كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تأثير مسيحيي المشرق على الحضارة العربية الإسلامية

تأثير مسيحيي المشرق على الحضارة العربية الإسلامية

تاريخ النشر: 2021-10-10 | 11:07

من لا ماضي له لا مستقبل له، ومن نسي تاريخه نسيه التاريخ، لذلك يبدو عجيبا وغريبا تغييب وجهل كثير من العرب والمسلمين بجزء مهم ومفصلي من تاريخ المشرق، والقصد هنا هو التأثير المسيحي، أو مساهمة المسيحيين وتأثيرهم على الحضارة العربية الإسلامية، الذي تتجاهله مناهج التعليم العام، والرواية الرسمية لدولنا ومؤسساتنا، بل يكاد يغيب عن الدراسات الأكاديمية في جامعاتنا!
لماذا إذن يغيب من تاريخنا العربي مسيحيو المشرق، وتأثيرهم البارز والريادي على الحضارة والثقافة واللغة والعمارة والفن العربي الإسلامي، والتعليم، وحركة الترجمة وبناء مؤسسات الدولة في كل العصور العربية والإسلامية المتلاحقة بما في ذلك العصر الأموي والعباسي وفي الاندلس، والفاطمي والمملوكي والصفوي والعثماني، وعلى النهضة العربية الحديثة في العالم العربي المعاصر؟!
لماذا لا يتم تناول وطرح مسألة الحضور المسيحي وغيره من مكونات المشرق، من خلال مفهوم العيش المشترك، قبل الدولة الاسلامية والإسلام السياسي، وعبر مفهوم المواطنة مع نشوء الدولة الحديثة، خاصة في ظل ما يسود هذا المشرق من توترات ونزاعات واقتتال على خلفيات مذهبية واثنية وسياسية؟
لقد اعتمدت الدولة الإسلامية على المسيحيين في العديد من الصنائع والفنون بما في ذلك بناء الأسطول البحري، وإدارة الدولة وإنشاء وتعريب الدواوين، وأبقوهم على رأس وظائفهم، ولم يقتصر الأمر على موظفي الإدارة، بل تعداه إلى الوظائف الكبيرة في الدولة، فقد عمل السريان اليعاقبة والنساطرة خلال العصر العباسي في الترجمة والعلوم والفلك والطب فاعتمد عليهم الخلفاء والوزراء وسائر رجال الدولة.
ولذلك فإن من الإنصاف للحقيقة والتاريخ، تعريف اجيالنا بمساهمات مسيحيي هذه البلاد الريادية والفعالة في حضارة المشرق بشكل عام وفي الحضارة العربية الإسلامية تحديدا، خاصة خلال فترة نشوئها المبكرة. وان ألمسيحيين ساعدوا في التهيئة للإسلام وانتصاره على المعتقدات الوثنية القديمة، وعملوا منذ القرن الأول الهجري على تدعيم أركان الدولة الإسلامية إبان موجات الفتوحات العربية، وفي تثبيت أركان الحكم، دون التخلي عن ديانتهم وأرضهم ومعتقداتهم، واستمروا في أداء أدوارهم الحضارية فكريا ومعرفيا وتوعويا في المشرق بأكمله، فبقي التغالبة في منطقة الجزيرة وعموم بلاد الشام، والموارنة في لبنان، والأقباط في مصر وكان مسيحيو الشام من القبائل التغلبية التي شكلت سندًا للأمويين في الجيش.
وكان للمسيحيين العرب، أو المتعربين في الشام والعراق ومصر، إلى جانب المسيحيين الآشوريين والسريان والأرمن والروم دور كبير في بناء الحضارة الإسلامية، وتعليم اللغات كاليونانية للمسلمين، وترجمة أعمال الفلاسفة اليونانيين الى السريانية ثم الى اللغة العربية، حيث برع المسيحيون في الفلسفة والعلوم واللاهوت والطب. لسبب غاية في البساطة يجدر بأجيالنا الناشئة أن تعيه وتعرفه وهو ان المسيحيين جزء لا يتجزأ من نسيج هذه الأمة وماضيها وحاضرها ومستقبلها، وان الحفاظ على استمرار وجودهم يمثل حفاظا على مصدر للقوة والإضافة كما أنه ضرورة وحاجة لبناء الدول الحديثة التي تقوم على قاعدة المواطنة، ولا يمكن الاستغناء عنهم، وان الخاسر الأكبر من هجرتهم الى الغرب هم العرب والمسلمون، فبهجرتهم يغدو العالم العربي أكثر ضعفا ووهنا على وهن.
أما مسيحيو المشرق العربي، فعليهم ان يتوقفوا عن النظر لأنفسهم بأنهم "أقلية"، ففي ذلك تجاهل وتصغير لكونهم عربا، وكيف ذلك والعرب أكثرية في اوطانهم. ان هذه النظرة لأنفسهم تضعهم على هامش التاريخ، وتعزلهم عن الدور السياسي والوطني والتنويري والثقافي الذي لعبوه في المنطقة.
يخبرنا التاريخ أن نبي الاسلام محمد «ص» لم يأتمن على أصحابه إلا لملك مسيحي في الحبشة هو النجاشي، وذلك خلال البحث عن مكان آمن للمسلمين المضطهدين من قومهم وبني جلدتهم من قريش، بعد ان ضاق بهم تيار الشرك في مكة ورفض عتاته وجودهم آنذاك، فأشار النبي عليهم بالهجرة الى الحبشة، وهو يراها ارض عدل، بعين الأمل والاطمئنان لأن فيها ملك عادل! (لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن فيها ملك لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه). ولم يسبق أن مدح النبي محمد «ص» ملكا في حياته كلها لا قبل النبوة ولا بعدها سوى النجاشي. من جانبه لم يخذل النجاشي النبي وظنه الحسن به، فأكرم أصحابه وأحسن إليهم وآواهم ووفر لهم الأمان ورفض كل المغريات، ووقف في وجه المؤامرات، ورد وفد قريش خائبا.
لذلك يبدو غريبا الآن سكوت العرب والمسلمين وغضهم الطرف عما يتعرض له المسيحيون في المشرق من قتل وتهجير واضطهاد وتشريد! والأغرب ان يقف العرب والمسلمون مكتوفي الايدي امام مشاهد التشرد والجوع والذل للمهجرين والمشردين من منازلهم الى مخيمات اللجوء في المشرق ومآوي اللجوء في الغرب!
من المفيد في هذا المقام تذكير الأجيال برمز الكرم عند العرب جميعا عبر تاريخهم كله، وهو حاتم الطائي، ذلك الشاعر والزعيم القبلي المسيحي العربي، وارث صفات الجود والسخاء والكرم، ودائم الحث على مكارم الأخلاق، الذي كان يضحي بأغلى ما لديه من أجل عابرين لا يعرفهم حلوا بجواره! وهو الذي يقول في قصيدته مخاطبا زوجته ماويا بنت عبد الله:
أيا ابنة عبد الله وابنة مالك..
ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد..
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له..
أكيلاً فإني لست آكله وحدي..
أخا طارقاً أو جار بيت فإنني..
أخاف مذمات الأحاديث من بعدي..
وإني لعبد الضيف ما دام ثاوياً..
وما فيّ إلا تلك من شيمة العبد...
ويخبرنا التاريخ أيضا أن النبي «ص»، وعندما جيء بسبايا قبيلة طيء بعد هزيمتهم وفرار زعيمهم عدي بن حاتم، تكلمت من بينهم امرأة فصيحة بليغة، ودعت النبي «ص» إلى أن لا يُشمت قبائل العرب بها، وحين علم أنها سفانة بنت حاتم الطائي أمر بإطلاق سراحها ومن معها، وقال " أطلقوا من معها كرامة لها ولأبيها" وردّ عليهم ما غنموه منهم وأرسل معهم علي بن أبي طالب.
لقد كان للمسيحيين أيام الرسول «ص» الحق في ممارسة شعائرهم الدينية ولم يكرههم على الدخول في الدين الإسلامي، وعقد المعاهدات معهم مثل معاهدة نصارى جرباء وأذرح ونصارى نجران ونصارى أيلة، بحيث يأمنون فيها على أنفسهم وأموالهم من الاعتداء، وكانت أبرز سمة اتسمت بها معاهدات الرسول «ص» مع المسيحيين هي روح المحبة والتقدير والتكريم للآخر.
أين الذين يريدون الترويج لثقافة الكراهية والذين لا يناسبهم التاريخ المشترك، من أخلاق النبي «ص» في تعامله مع الآخر؟!

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط