كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تأملات فى مشهد معقّد

تأملات فى مشهد معقّد

تاريخ النشر: 2024-05-18 | 16:46

من منا لم يتوجع لصورة طفل مذعور، يجلس على حافة حجر، من بقايا ركام منزل هدمه نازيون جدد، لا يعرف سببا لموت والديه، وفقدان شقيقه وأختيه تحت رماد البيت المدمر! من منا، ما زالت فيه صبوة لنشوة ضوء، فى ليل هذا النفق، وآثار دمعة ذرفناها على أحلام نهوض عربى، تعرض للكسر، ويحتاج إلى ترميم وإعادة احتضان. تتأمل المشهد العام، تُبقى عينيك مفتوحتين، تركز فكرك فى تفكيك الحابل عن النابل فيه، تحاول اصطياد التفاؤل، حينما تتذكر أنك قرأت ذات يوم، قصة فرنسية، عن احتلال الألمان لباريس، وقال فيها كاتبها: «إن الربيع القادم فى فرنسا، سيكون أكثر اخضرارا، لأن الدبابات النازية، عمّقت الجذور فى الأرض». يهرب التفاؤل، فتحضر صورة لمثقف فرنسى، علقها ديجول على أحد جدران (الإليزيه)، أطلق النار على رأسه، عندما شاهد أول دبابة ألمانية تطأ تراب باريس، وصورة أخرى مماثلة، للشاعر اللبنانى خليل حاوى، وهو يطلق رصاصة بندقية صيد على رأسه، حينما شاهد من شرفة بيته دبابات شارون وهى تجول شوارع أول عاصمة عربية، فى صيف عام 1982.
تتأمل حال العرب، ليس فى حال أفضل، بالتأكيد، مما كانت عليه قبل أربعة عقود، والمشهد هو نفسه، فى النظام الدولى، عالم من دون «نظام» يُحترم، صراع «فِيلَة»، يولد حروبا وفقرا وفسادا ورعبا، يسرى فى عروق البشر، كلما روّج «مجنون» لوليمة نووية. زلزال غزة، ذكّر العالم بأخطائه، حينما تجاهل أهمية «استقرار» الشرق الأوسط، وفى قلبه «القضية الفلسطينية»، وحينما فشلت أمريكا، فى صناعة الاستقرار، والتى لا تجيدها، ومثالها فى أفغانستان والعراق وسوريا، وغيرها. وكانت حصيلة سياساتها مخيبة. جولات التدمير الإسرائيلية فى غزة والضفة الغربية المحتلة لن تتوقف، حتى لو تم التوافق على هدنة، لأن إسرائيل لا تتصرف كدولة طبيعية بحدود نهائية، لا تقبل حتى تقاسم الأرض، وتتصرف فوق القانون الدولى، وتسعى لتحويل الاحتلال إلى نوع شرس من الاستحلال للدم الفلسطينى، وبدعم وببوليصة تأمين خارجية لممارسة التطهير العرقى والتسلح النووى، والتغول فى الأرض واللحم البشرى بشكل غير مسبوق، وأمام عيون الكاميرات. وما نخشاه، أن تضيف هذه الإبادة الهمجية المتواصلة والمتكررة منذ عقود، استحقاقات للمحتل القاتل، وليس للضحية، صاحب الأرض والحقوق المشروعة، وأن تستمر لعبة التغطية على الاحتلال، وإطالة أمده واستفحال شروره، مما يعرّض الجملة العصبية الجمعية للشعب الفلسطينى فى عموم فلسطين التاريخية، ولدى عرب آخرين إلى مزيد من المقاومة والعصيان.
إن خطورة استمرار هذا النوع من الاحتلال الإحلالى والاستيطانى، واستراتيجياته السوداء، فى الإبادة والتطهير العرقى، والتهجير القسرى، هو فضيحة عارية فى هذا العالم المتحضر، وخاصة أنها تتم فى أزمنة «التسويات وعمليات السلام»، ويتصرف قادة الاحتلال وقوته العسكرية، وشارعه السياسى على طريقة الثور الهائج، الذى يصيبه لون الدم عادة بالسعار، ويتجاهل حقيقة «أن القوة غير المشفوعة بالحكمة والعدالة، تأكل نفسها فى نهاية المطاف».
تتأمل الحروب المعاصرة، بين الدول المتساوية فى القوة، وما فيها من رموز وإشارات وضجيج، فلا أمريكا ولا إيران تسعيان لحرب إقليمية، ضمن هندسة محسوبة، وقواعد اشتباك مضبوطة، ردود إيرانية وإسرائيلية، لتحقيق أهداف محددة، الصمت حينا والرد أحيانا، وبعضها معروفة مواعيدها وأعداد صواريخها مقدما، وإسرائيل شغوفة بتوريط أمريكا فى ضرب إيران، والأخيرة تكسب نقاطا منذ سقوط بغداد وحتى الآن. تتأمل فى أوروبا الغربية، وهى تعيش مرحلة انكشاف استراتيجى، وبفعل تراجع اقتصادى، ورجحان انتصار روسى فى أوكرانيا، وتنامى فى قوة اليمين الشعبوى، وإحياء فى عالم الجنوب، لفكرة مواجهة المركزية الأوروبية، وصعود لأدوار وازنة، روسية وصينية وهندية وإيرانية، تتجاوز حدودها الوطنية، وفى الوقت نفسه، تبدو ظاهرة واضحة لخطى أوروبية غربية، تستعيد فيها صورا لحالات عنصرية وهمجية، سبق أن عاشتها أوروبا فى قرون خلت، صراعات وممارسات عرقية وقومية، وإسكات لحريات التعبير، وحتى لا تفتح ملفات التمييز والإقصاء الذى مورس ضد الأقليات الدينية وبخاصة تجاه الجماعات اليهودية فى القارة الأوروبية، فى قرون عديدة وحتى منتصف القرن العشرين.
تتأمل احتجاجات طلبة جامعات عريقة فى الغرب الأوروبى وأمريكا، وكيف خلقت بيئة تضامن إنسانى مع سردية مغايرة، لما هو سائد فى مجتمعاتها، ذات صلة بالصراع العربى ــ الصهيونى، وعبرت عن نداءات إنسانية بحتة، «إيقاف الحرب، وإدانة القاتل». لكن هذا التأمل، لا يغادره إدراك واع، بأن هذا الحراك الطلابى، لا يشبه الحراك الطلابى فى أواخر ستينيات القرن العشرين، المضاد للحرب الأمريكية فى فيتنام، الزمن تغير والرموز، لا بايدن يشبه جونسون، ولا الضحايا فى الحرب هم الضحايا، فى فيتنام كان هناك ستون ألف جندى أمريكى من القتلى، وكان جوهر الاعتراض الطلابى هو رفض للتجنيد فى هذه الحرب، أما ضحايا اليوم فهم من قوم آخرين، وفى زمن انتخابى أمريكى مغاير، لا يُقبل فيه الشباب على الاقتراع إلا بنسبة ضئيلة للغاية، وبالتالى، سيتلاشى تأثير هذه الاحتجاجات مع مرور الوقت... ولن يهدد العلاقات الأمريكية والأوروبية مع إسرائيل.
أمام العالم هدير فى أكثر من مكان، آسيوى وإفريقى، ورياح جيوسياسية عاتية، وتفجرات ديموغرافية. وأمام التجمع الأمريكى والأنجلوسكسونى، خيارات صعبة، تجاه رسم سياستها الشرق أوسطية، وعلى رأسها تعديل رسم هذه السياسات بعيدا عن «الحبر الإسرائيلى»، وفى إطار «تحجيم الدور الإسرائيلى»، وإزالة عقلية «الأمن المطلق لإسرائيل». إسرائيل لا تصلح، لكى يُبنى عليها حسابات جيوسياسية وأمنية، وحسابات استقرار، طالما ظلت قائمة على عقيدة عناصرها «القوة العارية، والاحتلال المستدام، وشطب عموم فلسطين، من كل ملفات الأمم المتحدة، بدءا من شطب الأونروا».
تتأمل فى آخر القول: مقولة «حل الدولتين».. ولا ترى فى مائها سوى السراب.. تبحث عن ثقافة التبشير بالعدل وبالحياة.. التى هى أبقى من ثقافة القتل والإبادة السوداء.

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط