كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تحديات ومخاطر الاستشراف في المجتمعات العربية والإسلامية

في سياق تطور العلوم والمعرفة الإنسانية ظهر علم الاستشراف Futurology أو الدراسات المستقبلية Futures studies ،علم حديث تسبيا يختص بالقدرة على استشراف المستقبل أو التنبؤ بما سيحدث حول موضوع ما انطلاقا من فهم وتحليل الواقع ورصد اتجاهاته واستقراء جزئياته وقراءة ما بين السطور في كل ما يصدر عن الفاعلين الأساسيين في الظاهرة محل البحث ،من أحداث ومواقف وتصريحات ، وفي المتغيرات والتقلبات التي تطرأ على ثقافة مجتمع البحث سواء كانت الثقافة العالِمة أو الثقافة الشعبية ،وانطلاقا أيضا من التتبع التاريخي لتطور الظاهرة محل البحث والربط بين حلقات التاريخ الثلاث :الماضي والحاضر والمستقبل من منطلق أن الحاضر هو مستقبل الماضي وماضي المستقبل في نفس الوقت.

علم الاستشراف والمستقبليات يختلف عن التنجيم وإدعاء العلم بالغيب،حيث لا يوسم الشخص بصفة المُستَشرِف إلا إذا كان باحثا علميا موضوعيا ،فالاستشراف يوظف منهجية علمية تقوم بدراسة واستقراء الموضوع محل البحث من كل جوانبه وأبعاده الزمنية والموضوعية ثم بعد ذلك يضع تصورات أو سيناريوهات المستقبل المتفائلة أو المتشائمة . والهدف ليس السيناريوهات بحد ذاتها بل ما يجب أن يؤَسَس على هذه السيناريوهات من وضع خطط استباقية لتدارك ما هو آت،وخصوصا إن كانت التوقعات تتضمن مخاطر .

في هذا السياق يفترق التنجيم أو إدعاء الغيب عن الاستشراف ،ففي الحالة الأولى المُنَجِم ومُدعي الغيب يزعم حتمية حدوث أمور انطلاقا من عقله المجرد المنفصل عن استقراء الواقع ،أو استنباطا من معتقد او أيديولوجية يؤمن بها أيمانا مطلقا بحيث لا يرى من مسار للمستقبل إلا بما يتوافق مع مقولات المُعتقد والأيديولوجية التي يؤمن بها،أما في الحالة الثانية فعالِم الاستشراف يضع سيناريوهات محتملة لمستقبل ظاهرة ما – سياسية أو اقتصادية أو إنسانية – انطلاقا من مؤشرات ومعطيات مستمدة من حاضر الظاهرة واستلهاما من سياق تطورها التاريخي ،وبالتالي فعلم الاستشراف لا يؤمن أو يتقيد بالحتمية أو المسار الوحيد لمستقبل الظاهرة ،بل يتعامل مع المستقبل كفضاء مفتوح لسيناريوهات أو احتمالات متعددة ،قد يَصدُق بعضها كليا أو جزئيا ،مع احتمال أن لا تتحقق أية من هذه السيناريوهات، إن الاستشراف علم الاحتمالات وليس علم المطلقات .

هذا العلم والمنهج في التحليل الذي كانت بدايته في البحوث الامنية والإستراتيجية العسكرية، فرض نفسه في شتى المجالات المعرفية:السياسية والاقتصادية والتنموية والعلمية الخ ،وأصبح من اساسيات البحث العلمي في كل الدول المتحضرة والمتقدمة .في الجامعات حيث يتم تدريسه كمادة مستقلة أو كمنهاج وأداة بحث توظفه كل العلوم ،كما أصبح من اساسيات رسم السياسات العامة والتخطيط في الإدارات والوزارات وعلى مستوى الدولة بشكل عام . ما ساعد علم الاستشراف أو المستقبليات على الانتشار والرسوخ في المجتمعات المتقدمة وجود عقل جمعي وحاضنة ثقافية وقيمية تتقبل منطق الاستشراف ومخرجاته،لأنها مجتمعات تحترم ماضيها ولا تقدسه، تحترم دياناتها دون أن تجعلها مُعيقة للعقل والعقلانية ،كما أنها غير أسيرة كليا لحاضرها بالرغم من كل ما فيه من ازدهار وانجازات ،بل تتوق دائما لمستقبل افضل ،بالإضافة إلى توفر شرط الحرية ،الحرية الاكاديمية وحرية الرأي والتعبير بشكل عام .

 أما في الدول والجامعات العربية فلم يتم الاعتراف والأخذ بهذا العلم إلا حديثا وفي بعض الدول والجامعات فقط ، سواء لغياب العلماء والمتخصصين بهذا العلم ، أو عدم نضج الثقافة والعقل العربي لتقبل منطق علم الاستشراف والمستقبليات الذي يتعارض مع البرادغمات المهيمِنة المؤسَسة على تابوهات تحتجز وتفرض سطوتها على حلقات الزمن الثلاث :الماضي والحاضر والمستقبل ، أو بسبب عدم تحكمنا في حاضرنا من اقتصاد وثروة وحدود الخ ،حيث الدول العظمى تتحكم في حاضرنا وترسم لنا مسار المستقبل. في ثقافة تعتبر إعمال العقل في التخطيط لتدبر أمور المستقبل أمرا يتعارض مع الإيمان بالقضاء والقدر ،واعتداء على اختصاص الرب ،ثقافات تمتد فيها القدرية حتى للسياسة والاقتصاد، في هكذا ثقافات ومجتمعات قد يحدث التباس في أذهان الناس ما بين علم الاستشراف والمستقبليات من جانب ،والتنجيم أو إدعاء العلم بالغيب من جانب آخر.

في ظل عقل ماضوي ونخب سياسية لا تفكر إلا داخل الصندوق الذي صنعه تفكيرها المتخلف أو صنعته لها أطراف خارجية، فلا غرو أن الأحداث والأزمات تدهمهم من حيث لا يحتسبون لأنهم لم يفكروا باحتمال وقوعها ،ليس هذا فحسب بل يمكن أن يُتَهم أي مفكر أو باحث يكسر نمطية التفكير السائدة ويتجاوز التابوهات الفكرية والمؤسساتية ويفكر بالمستقبل محاولا استشرافه بأنه يشارك الله في اختصاصاته ، أو بالتعامل مع جهات أجنبية أو امتلاكه وثائق سرية هي التي مكنته من معرفة ما سيجري ،خصوصا إذا كانت الأمور المُستَشرَفة سلبية سياسيا ،تفضح  خطاب النخبة الحاكمة وتكشف مخططاتها الخفية .

 

 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط