كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تحوّلات الاستشراق الإيطالي

تحوّلات الاستشراق الإيطالي

تاريخ النشر: 2026-01-03 | 11:19

تحوز دراسة العالم العربي ضمن انشغالات الاستشراق الإيطالي مكانة مميَّزة، الأمر الذي يستوجِب تتبّعًا للأطوار وتمعّنًا في التقاليد المتوارَثة. فما من شك أنّ هناك قامات علمية بارزة طبعت محطّات حاسمة، لا يستقيم الحديث دون الإتيان على إسهاماتها أثناء تناول مسيرة الاستشراق الإيطالي، على غرار ميكيلي أمّاري (1806-1889)، وليونه كايتاني (1869-1935)، وإيغناسيو غويدي (1844-1935). ففي ضوء ما أنتجه الرعيل الأول من أعمال موسوعية، تسنّى إنشاء ما يشبه الأرضية المعرفية لكوكبة من الدارسين اللاحقين، بدأت تتبلور معهم معالم المدرسة الاستشراقية الإيطالية، ذات المنحى المنشغل بالدراسات العربية، وهو ما تطور مع جورجيو لافي ديلّا فيدا ومايكل أنجيلو غويدي.

فمع تلك المرحلة المبكّرة حاز "معهد الدراسات العليا" الفلورنسي قصب السبق في الانشغال بالمعارف الشرقية. فمنذ العام 1860 أُنشئ كرسي الدراسات العربية وآخر للسنسكريتية برعاية ميكيلي أمّاري، كما سعى أيضا إلى تدشين تفرّعات أخرى على صلة بالدراسات اللغوية السامية المقارنة. ولا يمكن فصل دراسات الحضارة الإسلامية والعالم العربي عن المناخ العام السائد في أوساط السياسات الأوروبية، الباحثة عن التمدّد نحو الخارج والفوز بحضور في إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، وهو ما سيلوح بارزا مع الحركة الاستعمارية لاحقا. بدت الحاجة ماسة في التوسع الاستعماري إلى سند معرفيّ، الأمر الذي دفع في إيطاليا إلى إنشاء "كوكبة الدراسات الشرقية" برئاسة المذكور أمّاري خلال العام 1872، التي ستتحوّل في غضون أربع سنوات إلى "الأكاديميا الشرقية". لكن التحوّل البارز من دراسة كلاسيكيات الإسلام إلى دراسة أحوال مجتمعات الإسلام، ذات الطابع البراغماتي، هو ما ستتبلور معالمه مع "مدرسة روما للاستشراق" بفِعل قرب القائمين عليها من مراكز صنع القرار في ذلك العهد. فقد طبع أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين قلق وتحفّز، في إيطاليا، تمثّل في البحث عن نفوذ خارجي احتذاءً ببريطانيا وفرنسا. وقد مثّل كارلو ألفونسو نللينو (1872-1938) صاحب مجلة "أوريينتي موديرنو" (الشرق الحديث)، أبرز وجوه الاستشراق المتحفّز نحو الشرق في تلك الفترة. إذ خصّصت المجلة المذكورة منذ إنشائها حصيلة تتركز حول متابعة الأخبار الواردة من العالم العربي. سجّل فلافيو ستريكا في بحثٍ بعنوان: "كارلو ألفونسو نللينو ومشروع احتلال ليبيا" انضمام نللينو إلى هيئة المستشارين لدى الاستعمار الإيطالي. وقد كان التحاق نللينو بالتدريس بجامعة القاهرة، في فترة لاحقة، مندرجًا ضمن محاولة الاقتراب أكثر من أوضاع البلاد العربية وفهم تحولاتها.

في تلك الأجواء شكّل صعود الفاشية دعمًا لأنشطة الجماعة المتحلّقة حول "أوريينتي موديرنو" في "معهد الشرق" المعروف بـ (IPO) حديث الإنشاء (1921). فقد عاضدَ المعهد حينها سياسة موسوليني الشرق أوسطية، في ظلّ التنافس مع بريطانيا، وبدأ تصوير الفاشية كحامية للإسلام وراعية للقومية العربية الصاعدة. ستقود هذه السياسةُ الدوتشي إلى تقلّد "سيف الإسلام" في ليبيا، ووعد الليبيين إبان زيارة طرابلس (1937) بالرخاء، بدعوى أن الملك فيتوريو إيمانويل هو من حثّه على زيارة ليبيا، ومذكّرا الليبيين أن إيطاليا ضامنة الرفاه للمسلمين وحامية لهم، وأنه يتعاطف مع المسلمين في العالم بأسره ويحفظ العهود (انظر كتاب "موسوليني والمسلمون" لجانكارلو مازوكا و جانماركو والش، ميلانو 2017). شملت تلك السياسة توجيه دعاية عبر "راديو باري" نحو البلاد العربية، من خلال إطلاق برامج دعائية بالعربية هدفت إلى كسب ودّ العرب.

منذ ذلك العهد بات شمال إفريقيا ومنطقة القرن الإفريقي أكثر الفضاءات حضورا في دراسات الاستشراق الإيطالي من ناحية تاريخية وأنثروبولوجية ولغوية، لا سيما على مستوى اللهجات. وهو ما سيتعزّز بإنشاء "المعهد الإيطالي للشرقيْن الأوسط والأقصى" -1933- (ISMEO) برئاسة جوفاني جنتيلي صاحب "مانيفستو المثقفين الفاشيين" الشهير وباعث الموسوعة الإيطالية، بوصف المعهد الأداة المعرفية الطيّعة في يد موسوليني. تكثّفت دراسة اللهجات العربية، وخاصة لهجات منطقة شمال إفريقيا، وقد كان المستشرق نللينو الرائد في دراسة الدارجة المصرية، وتدعّم ذلك التقليد في الدراسات الإيطالية مع إستر بانيتا التي انشغلت بالدارجة في ليبيا، ومع أوليفييه دوران المنشغل حتى الوقت الحالي بتدريس "دياليتولوجيا آرَبا" أي (علم اللهجات العربية) في جامعة روما.

بغروب شمس الفاشية (1943) حدثت تبدّلات في انشغالات الاستشراق، ولم تحدث مراجعات في المنهج. وُلّي المستشرق فرانشيسكو غابرييللي (1904-1996) شأن "معهد الشرق" (IPO) بدعوى تطهيره من بقايا الفاشية. وقد كان غابرييللي أستاذ اللغة والآداب العربية في جامعة روما، روى لي تلاميذه أنّ عربيته قاموسية وأعوزته القدرة على الكتابة والتعبير بالعربية، لكن الرجل خلّف أثرا واضحا في دراسات الاستشراق الإيطالي الحديث، حيث تميزت كتاباته بالتركيز على الإسلاميات والأدب. وبالترافق مع غابرييللي عَمل أومبرتو ريتزيتانو، وليد القاهرة (1913-1980)، الأستاذ في جامعة باليرمو، على نشر طبعة جديدة للمكتبة العربية الصقلية لميكيلي أمّاري.

لكن الدراسات العربية في هذه الحقبة بقيت مطبوعة بخاصيتين أساسيتين: هيمنة النسق الاستشراقي المدرسيّ وضيق دائرة المنشغلين. ولو نظرنا، على سبيل المثال، إلى أعمال الترجمة نلاحظ محدودية الإنتاجات، فقد أورد مؤلَّف "الحضور العربيّ الإسلاميّ في المطبوعات الإيطالية" (2000)، الصادر عن وزارة الثقافة الإيطالية، أنّ عدد الترجمات من العربية بين 1900 و 1988 لم تتجاوز الثلاثين عملا. ناهيك عن بقاء مراكز تدريس العربية والآداب العربية محصورة في جامعات معينة مثل "الأورينتالي" و"لاسابيينسا" و"باليرمو" ومدرجة ضمن تخصصات وأقسام أخرى.

خلال العقود الثلاثة الأخيرة تنوّعت المقاربات في الاستشراق الإيطالي، وتوزعت بين الدراسات الأدبية واللغوية والحضارية والسياسية والتاريخية والدينية والسوسيولوجية ذات العلاقة بالمهاجرين خصوصا. بَيْد أنّ هذا التنوع لا يعني متانة في الدراسات أو مقدرة علمية لدى الخبراء. فقد كانت طلبات الجمهور ضاغطة لمعرفة ما جلبته الهجرة، وما تمور به الساحة العالمية من أخبار حول العالم العربي والإسلام. لم تكن العروض في مستوى كثافة الطلبات وتنوّعها، وهو ما خلق نوعًا من الارتباك والعجلة والخلط، إن لم نقل التدنّي في المعارف المقدَّمة، فقد تسرّب هاجس التوترات السياسية إلى حقل الدراسات المعرفية وأثّر على انشغالاتها.

مثّل خطّ الاستعراب، في الوقت الحالي، المتمحور حول دراسة الأدب العربي المعاصر عنصر تحوّل إيجابي. وتركّز الاهتمام على نقل الأعمال الأدبية المعاصرة، وتدريس القضايا التي تمور بها الساحة الثقافية العربية، بغرض تقديم صورة راهنة عن العالم العربي. برز جملة من المترجمين منهم مونيكا روكو وماريا أفينو وإليزابيتا بارتولي وباولا فيفياني وباربرا تيريزي ووسيم دهمش وغيرهم. لكن تبيّن أن ملاحقة الإنتاجات الأدبية وحدها لا تكفي، وهو ما حثّ على توسيع نطاق الانشغال بالثقافة العربية. فكان أن ظهرت في الساحة اهتمامات بالمقاربات السوسيولوجية والتاريخية والدينية والأنثروبولوجية والسياسية، لترسيخ وعي علمي بالوقائع الجديدة، بعيدا عمّا تروّجه الإسلاموفوبيا، وكان من أبرز المنشغلين فيها إنزو باتشي وماسيمو كامبانيني وإيدا زيليو غراندي وأوغو فابييتي وستيفانو آليافي ولاورا غواتزوني.

بخلاصة موجزة، ثمة نزوع إيجابي للخروج من الأنساق التقليدية للاستشراق المبكر، ومن مدرسية موجة الاستشراق الثانية، مع ما يمكن نعته إجمالا بالاستشراق النقدي.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط