كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تحولات ما بعد هرمز: تآكل عقيدة الحسم الإسرائيلية وإعادة تشكيل معادلات القوة

تحولات ما بعد هرمز: تآكل عقيدة الحسم الإسرائيلية وإعادة تشكيل معادلات القوة

تاريخ النشر: 2026-04-19 | 12:22

تسير التطورات الإقليمية، في أعقاب التصعيد المرتبط بأمن مضيق هرمز، نحو مسار تفاوضي متسارع بين الولايات المتحدة وإيران، يهدف إلى بلورة اتفاق إطار يضع حداً لحالة الاشتباك المفتوح. ويعكس هذا المسار إدراكاً متبادلاً لحجم الكلفة الاستراتيجية والاقتصادية لأي انزلاق نحو مواجهة شاملة، في مقابل بروز مؤشرات مرونة نسبية في ملفات شديدة الحساسية، وعلى رأسها البرنامج النووي وأمن الممرات البحرية.

في هذا السياق، تفرض نتائج المواجهة منذ “طوفان الأقصى” إعادة تقييم جذرية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية، التي قامت على فرضية المبادرة الاستباقية، وتوسيع نطاق العمليات العسكرية، ونقل المعركة إلى عمق الخصوم. غير أن هذه العقيدة، التي سعت إلى الانتقال من إدارة الصراع إلى حسمه، اصطدمت بواقع ميداني واستراتيجي أكثر تعقيداً، كشف حدود القوة الإسرائيلية رغم تفوقها العسكري والتكنولوجي.

لقد أظهرت التجربة العملية أن الضربات الاستباقية، على كثافتها، لم تعد قادرة على إنتاج ردع حاسم أو منع التهديدات بشكل جذري. بل تحوّلت إلى نمط يمكن للخصوم استيعابه والتكيّف معه، من خلال امتصاص الضربات وإعادة بناء القدرات، وإدارة إيقاع المواجهة بما يفرض توازناً جديداً. وبدلاً من أن تتحكم إسرائيل بمسار الصراع، وجدت نفسها منخرطة في منظومة تفاعلية مفتوحة، تتداخل فيها الجبهات وتتشابك نتائجها.

وقد تجلّى هذا التحول بوضوح في ساحتي لبنان وإيران، حيث برز تطور نوعي في مستوى التنسيق بين أطراف محور المقاومة، تجاوز البعد العسكري إلى أبعاد استراتيجية واقتصادية. هذا الترابط أسهم في توسيع دائرة الكلفة، عبر إدخال ممرات الطاقة والملاحة الدولية كأدوات ضغط، الأمر الذي لم ينعكس على إسرائيل فحسب، بل طال استقرار النظام الاقتصادي العالمي.

وفي ظل هذا الواقع، لم يعد بالإمكان عزل أي جبهة عن الأخرى؛ إذ بات أي تصعيد في ساحة معينة يولّد تداعيات متسلسلة في ساحات متعددة. كما كشفت الحرب عن محدودية القدرة الإسرائيلية على اجتثاث التهديدات من جذورها، في ظل استمرار القدرات الصاروخية والبنى العملياتية لخصومها. ومع امتداد أمد المواجهة، تحوّل الرهان على “الحسم التراكمي” إلى حالة استنزاف طويل، أصبح فيها عامل الزمن عنصر ضغط يفاقم الكلفة على مختلف المستويات.

في المقابل، لعبت الولايات المتحدة دوراً محورياً في إعادة ضبط إيقاع الصراع. فمع تهديد الحرب لتدفقات الطاقة واستقرار الأسواق العالمية، لم يعد الدعم الأميركي لإسرائيل غير مشروط، بل أصبح خاضعاً لحسابات استراتيجية أوسع، تتعلق بحماية الاقتصاد العالمي ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وهكذا، تحوّل الحليف الاستراتيجي إلى عامل قيد يحد من حرية الحركة الإسرائيلية.

وقد أفرز هذا التداخل بين الأبعاد العسكرية والاقتصادية والسياسية ما يمكن تسميته بـ”الردع المركّب”، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لفرض الوقائع، بل أصبحت جزءاً من منظومة معقدة تحكمها توازنات متعددة. ونتيجة لذلك، تراجعت فاعلية مبدأ “نقل المعركة إلى أرض الخصم”، خاصة في ظل عجز إسرائيل عن تحييد جبهتها الداخلية، وتزايد حساسيتها تجاه تداعيات أي تصعيد إضافي.

في المقابل، أخذت تتبلور عقيدة مضادة لدى خصوم إسرائيل، لا تقوم على تحقيق حسم عسكري مباشر، بل على إدارة صراع طويل الأمد قائم على الاستنزاف، وتوسيع نطاق الكلفة، والحفاظ على القدرة العملياتية رغم الضربات. وهي عقيدة تهدف بالأساس إلى منع إسرائيل من تحقيق أهدافها الاستراتيجية، بدلاً من مواجهتها في معركة فاصلة.

وعلى المستوى العملياتي، كشفت الحرب عن دور حاسم لعنصر المفاجأة، سواء في أداء “حزب الله” أو في توسيع إيران لنطاق ردودها أفقياً. وبدلاً من منع الاختراق بشكل كامل، تم التركيز على امتصاصه ومواصلة المواجهة، بما يقوّض جوهر العقيدة الإسرائيلية القائمة على الحسم السريع عبر المبادرة.

أما على المستوى الإدراكي، فقد أدت هذه التحولات إلى إعادة تعريف مفهوم القوة ذاته؛ إذ لم يعد التفوق العسكري كافياً لتحقيق الحسم، بل باتت القوة تُقاس بمدى القدرة على إدارة الصراع، وتوزيع كلفته، وفرض شروطه أو تعطيل شروط الخصم. وفي هذا السياق، تآكلت الركيزة النفسية للعقيدة الإسرائيلية التي قامت على فرضية التفوق المطلق.

في المحصلة، نحن أمام تصادم بين نموذجين استراتيجيين: الأول يسعى إلى فرض السيطرة عبر المبادرة والتصعيد، والثاني يعمل على نزع هذه القدرة عبر التشابك والاستنزاف وتوسيع الكلفة. ورغم أن هذا التصادم لم يُفضِ إلى حسم نهائي، إلا أنه أفرز توازناً ديناميكياً جديداً، يمتلك فيه كل طرف أدوات تأثير، لكنه يواجه في الوقت ذاته قيوداً بنيوية تحدّ من قدرته على تحقيق انتصار حاسم.

وعليه، يمكن القول إن العقيدة الأمنية الإسرائيلية لم تنهَر بشكل كامل، لكنها فقدت قدرتها على فرض نتائج أحادية. في المقابل، نجحت العقيدة المضادة، رغم أنها لا تزال في طور التشكل، في كبح الحسم، وتقييد الهامش العملياتي، وفرض واقع استراتيجي جديد يدفع إسرائيل إلى التكيّف معه.

إن ما نشهده اليوم ليس نهاية صراع، بل بداية مرحلة جديدة تتشكل فيها قواعد اشتباك مختلفة، تُعاد فيها صياغة مفاهيم الأمن والردع، في ظل بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، مفتوحة على احتمالات متعددة، لكنها محكومة بحقيقة واحدة: لم يعد الحسم العسكري السريع خياراً متاحاً كما كان في السابق.

×
أخبار
نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط