كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تحيةُ وفاءٍ لسكان قطاعِ غزة وتقديرٌ لهم

تحيةُ وفاءٍ لسكان قطاعِ غزة وتقديرٌ لهم

تاريخ النشر: 2018-08-30 | 14:26

عجيبون هم سكان قطاع غزة وغريبٌ أمرهم، فهم لا يشبهون غيرهم ولا يمكن مقارنتهم بسواهم، ويصرون أن يكونوا حالةً في التاريخ استثنائية، ومثالاً في حياة الأمم مشهوداً، ونموذجاً في النضال محموداً، لهم بصمتهم وعندهم سيرتهم، ولديهم ما يميزهم وفيهم ما يرفعهم، إذ أصبحوا بين شعوب الأمم نسيج وحدهم ورسموا بأنفسهم صورتهم، وحفروا في ضمير العالم اسمهم، وفرضوا قضيتهم على أجندة قادة الدول وكبار السياسيين في العالم، فهم قضية حاضرة ومسألة دائمة، وحاجة ملحة، وباتوا بصمودهم ملفاً مفتوحاً في كل الحوارات، وبنداً ثابتاً في كل اللقاءات، لا تغيب قضاياهم، ولا يتجاهل العالم شؤونهم، فهم همٌ يؤرق العدو ويزعج الصديق، ومعاناةٌ تخيف الغرب وتقلق العرب، انتفاضتهم خطرة، ومقاومتهم صعبة، وصمتهم مريبٌ، وسلامهم مخيف، وهدوءهم يثير الهواجس ويحرك الكوامن، وكأنهم جمرٌ تحت الرماد يتقد، ورعدٌ بعد البرق ينطلق.

 لا يوجد منطقة سكانية في العالم تشبه هذا القطاع الضيق الصغير المحدود المساحة، الذي لا تتجاوز مساحته 365 كلم مربعاً، لكن يسكنه وفق تعداداتٍ رسميةٍ ومستقلةٍ حديثة ما يزيد بمائة ألفٍ عن مليوني نسمة، الذين يجتمعون فيما يشبه المعتقل المفتوح، المحاصر بالبحر التي هي تاريخياً حاضرته القديمة ومدينته الأقدم زماناً والأرسخ قدماً، والذي كان من المفروض أن يكون بحرها بوابته الواسعة نحو الغرب والعالم، وأفقه الممدود والمفتوح نحو فضاء الكون وفسيح شعوبه وأممه.

 إلا أن العدو يخنق القطاع من كل الجوانب والأنحاء، ويحاصره بالقوة والسلاح، وبالنفود والحلفاء، ويطبق الخناق عليه جوارٌ عربيٌ وحيدٌ، يشكو أهله من قسوة معاملته وشدة إجراءاته، وإحكام حصاره، رغم أن القطاع تاريخياً هو جزءٌ منه، يرتبط به ويعيش معه، وينتمي إليه ثقافةً وفكراً، وهوىً وعاطفةً، ولساناً ولهجةً وعاداتٍ وسلوكاً وتقاليد، ويتطلع أن يكون بوابته الحصينة وحدوده المنيعة.

 لا أحد يعاني مثلما يعاني سكان قطاع غزة، فهم يواجهون الموت الذي يتربص بهم، والقتل الذي يلاحقهم، والعدو الذي يباغتهم، والحصار الذي يقصر أعمارهم ويعجل نهايتهم، والجوع الذي يضعفهم، والفقر الذي يذلهم، والبطالة التي تخجلهم، والأمراض التي تفتك بهم، والانقسام الذي يحرجهم، والاختلاف الذي يذهب بقوتهم، والمؤامرات التي تحيط بهم وتحاك لهم، والتحالفات التي تنشأ ضدهم، والسياسات التي تتخذ نكايةً بهم وعلى الضد من مصالحهم، والمخططات التي ترسم لهم لكن بعيداً عن قضيتهم، وبمعزلٍ عن كل وطنهم وبقية شعبهم.

 ولعلهم يقاسون أكثر من سلطتهم التي تحاصرهم وتفرض العقوبات عليهم، وتحرمهم من لقمة عيشهم وكسرة خبز أطفالهم، وتريد بالجوع أن تخضعهم، وبالحرمان أن تكسرهم، وبالمرض أن تقتلهم، وبالعتمة أن تعمي عيونهم وقلوبهم، وأن تقضي على البقية الباقية من بصيرتهم والأمل الذي يعمر قلوبهم.

 رغم ذلك كله فإن رأس سكان قطاع غزة مرفوعٌ، وقامتهم ممشوقة، وهامتهم منتصبة، وجباههم عالية، وإرادتهم كبيرةٌ، وعزمهم مضاءٌ، وصوتهم هدَّارٌ، وخطابهم واثقٌ، وقولهم قاطعٌ، وثباتهم في الأرض كالجبال، وصدقهم في الوغى كالليوث، وبسالتهم في المواجهة كالأسود، وصبرهم في المحن والابتلاءات كأيوب، لا تعوزهم الأنفة، ولا تغيب عنهم العزة، ولا تكسرهم الحاجة، ولا تقعدهم المسألة، ولا يثلم سيفهم عدو، ولا يكسر رمحهم خصمٌ، وعدهم من الحق صدق، وثقتهم بالله ربهم عقيدة، لا تعرف قواميسهم مفردات الضعف والهزيمة، ولا تقر للعدو بمفردات الاستسلام والاعتراف بقوته وتفوقه، ووجوده وملكه، وبقائه وتفرده.

 الغزيِّون رغم فقرهم وقلة عددهم، وحصارهم والتضيق عليهم، وغياب نصيرهم، وتخلي الأخ والشقيق عنهم، وقلة الحلفاء وبعدهم، وانشغالهم بحالهم وتفرغهم للتصدي للمتآمرين عليهم، إلا أن أهل غزة قد تعاقدوا مع النصر، وتحالفوا مع العزة، وأصروا على التمكين والقوة، وأقسموا على البقاء والثبات، والحشد والانطلاق، وها هم يفرضون على العدو تهدئة، ويجرونه إلى مربعاتهم الحصينة، فلا يخضعون لقوته ولا يقبلون بمعادلاته، بل يفرضون عليه معادلاتٍ جديدةٍ، أساسها الندية والتعامل بالمثل، فتهدئةٌ تقابلها تهدئة، وعدوانٌ يستلزمه ردٌ بالمثل والقدر، القصف بالقصف، والقنص بالقنص، والقتل بالقتل، والحرق بالحرق، والخوف بالخوف، والفوضى بالفوضى، والاضطراب بالاضطراب، وغير ذلك من المعايير التي كان العدو يتفرد بها ويحاول بنفسه فرضها، ليرغم بها شعبنا، ويخيف بها مقاومتنا.

 الغزِّيون مفخرة الفلسطينيين وشامة جبينهم، وحريٌ بأهلهم أن يفخروا بهم، وجديرٌ بشعبهم أن يتيه بهم، وأن يقف معهم وينصرهم، وأن يشيد بهم ويساندهم، وأن يتبنى قضاياهم ويدافع عنهم، فهم خير رائدٍ للفلسطينيين وأصدق من يعبر عنهم وينطق باسمهم، فلا يسكت شعبهم عن جريمة التخلي عنهم أو المشاركة في تشديد الحصار وفرض العقوبات عليهم، فقد والله أثخنوا بالجراح، وتكسرت على أجسادهم لكثرة الأدواء وتعدد المحن النصالُ، فلا تقبلوا أن تكون سلطتكم ضدهم، ولا أن تكون سبباً آخر في معاناتهم، ومانعاً للخير عنهم، أو رافضاً للهدوء بينهم والاستقرار فيهم.

 اليوم لا أحد يستطيع أن ينوب عن سكان قطاع غزة، أو أن يفكر نيابةً عنهم، أو أن يحل مكانهم ويتجاوز رأيهم، أو أن يفرض عليهم حلاً أو يزين لهم آخر، فهم قد بلغوا من الرشد ما يجعلهم يقررون في أمرهم ويفتون في شأنهم، فهم يريدون رفعاً للحصار عنهم، ووقفاً للممارسات العقابية الظالمة ضدهم، وهدوءً يمكنهم من استعادة واستئناف حياتهم.

 كما لا يحق لأحدٍ أن يتهمهم أو أن يشكك فيهم، فهم لا يرون أنفسهم إلا جزءاً من الوطن، وقطعة من الأرض، وبعضاً من الشعب، لا ينفصلون عن وطنهم، ولا ينعزلون عن شعبهم، ولا يقبلون أن يكونوا كياناً بمفردهم، أو جزءاً من مؤامرةٍ تحاك ضد قضيتهم، بل في قلب المعركة، وأساسٌ في النضال وقاعدة في المقاومة، لا يتخلون عن الحلم، ولا يفرطون في الوعد، ولا يسقطون البندقية، ولا ينقلبون على خيار المقاومة، ولا يكونون إلا درءً لها وركناً أصيلاً فيها، فألف تحية لكم أهلنا وشعبنا في غزة العزة والصمود والثبات والمقاومة.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط