كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تداعيات السابع من أكتوبر: تحقيقات وانقسامات إسرائيلية

تداعيات السابع من أكتوبر: تحقيقات وانقسامات إسرائيلية

تاريخ النشر: 2025-11-28 | 09:47

جمال زحالقة
جمال زحالقة

شبت منذ بداية الأسبوع الحالي زوبعة من الخلاف والتراشق الكلامي بين وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، ورئيس هيئة أركان الجيش، الميجر جنرال إيال زامير. ونشب النزاع بينهما على خلفية التعامل مع تقرير «لجنة ترجمان»، التي فحصت جودة 25 تقرير عسكري عن إخفاقات السابع من أكتوبر/تشرين الأول وكشفت أن معظمها كان إما سطحيا أو غير مكتمل، وأوصت اللجنة باتخاذ خطوات قصاصية ضد الضباط المسؤولين عن الفشل وهذا ما فعله رئيس الأركان الإسرائيلي ما أثار حفيظة وزير الأمن، الذي صرح بأن زامير لم يستشره. ومن المهم الانتباه إلى أن مثل هذه الخلافات (والاتفاقات أيضا) الإسرائيلية الداخلية لها تأثير ملموس واسقاطات مباشرة وغير مباشرة على الحالة الفلسطينية وعلى جميع المواجهات الإقليمية، التي خاضتها وتخوضها إسرائيل.
على أثر التقرير، أعلن الجنرال زامير عن سلسلة من الإجراءات العقابية ضد عشرين من كبار الضباط، الذين ثبت تقصيرهم، وتراوحت العقوبات بين إعفاء من المنصب إلى توجيه «ملاحظة من القيادة». وكان من بين من جرى الإعلان عن إنهاء خدمتهم في قوات الاحتياط الجنرالات أهرون حليوة، الرئيس السابق لشعبة المخابرات العسكري؛ ويارون فينكلمان، قائد المنطقة الجنوبية الأسبق؛ وعوديد باسوك، الذي شغل منصب رئيس قسم العمليات في الجيش الإسرائيلي. كما أُعفي من خدمة الاحتياط كل من يوسي سريئيل، الرئيس السابق لوحدة 8200 الاستخباراتية، وآفي روزنفيلد، القائد السابق لفرقة غزة. هؤلاء جميعا أنهوا خدمتهم العسكرية مدى الحياة. إضافة إليهم وُجّهت «ملاحظة من القيادة» – التي تحمل طابع التوبيخ الرسمي – إلى الجنرال تومير بار، القائد السابق لسلاح الجو، لفشله في التصدي للمسيرات؛ وكذلك إلى الجنرال دافيد سعادة، القائد السابق لسلاح البحرية لفشله من منع الاختراق من البحر يوم السابع من أكتوبر. وهناك من يقول إن الإقالات والاستقالات الأخيرة هي البداية وليست النهاية.

«تحقيقات وتقارير الجيش الإسرائيلي هي مهنية فتّاكة ومصداقية تنفيذ الجريمة بالدقة المطلوبة».

استغل يسرائيل كاتس، وزير الأمن الإسرائيلي ما جرى، وأعلن عن تعيين «مراقب الجيش»، ليفحص تقرير ترجمان وأصدر قرارا بتجميد التعيينات في الجيش لمدة شهر إلى حين انتهاء تحقيق المراقب. وأثار هذا القرار غضب زامير، الذي اعتبره تدخلا في عمله المهني كرئيس للأركان، وسخر من تعيين محقق للتحقيق في «تحقيق التحقيقات» – كما يوصف تقرير ترجمان – قائلا بأنه لا يعقل أن ينهي ضابط واحد، في غضون شهر، فحصا لتقرير أعده 12 ضابطا خلال سبعة أشهر متتالية. ووجه زامير انتقادا علنيا مباشرا للقيادة السياسية وقال إن «الجيش هو الجسم الوحيد الذي حقّق بعمق في إخفاقاته وتحمل المسؤولية عنها»، وأضاف أنّ «تجميد التعيينات يضر بكفاءة الجيش وباستعداداته لموجهة التحديات المقبلة». وردّ عليه كاتس مذكّرا إيّاه بأن «رئيس الأركان يخضع لرئيس الوزراء ووزير الأمن وحكومة إسرائيل».
تداخلت في هذا النزاع عدة عوامل ومؤثّرات مرتبطة بمسعى اليمين الإسرائيل المحموم للسيطرة على مفاصل الحكم، وبالأخص في مجالات الأمن والقضاء والإعلام. ويحاول كاتس أن يظهر بمظهر الزعيم القوي وصاحب القرار الذي يفرض على زامير من يعيّن ومن يقيل من ضباط، وعَينُهُ على الانتخابات الداخلية في الليكود، فهو يسعى إلى تعظيم نفوذه الحزبي في إطار الصراع المحتدم في الكواليس حول وراثة نتنياهو في يوم ما، وكاتس يعتبر نفسه مرشحا جديا لقيادة حزب الليكود.
أمّا زامير، الذي عيّنه نتنياهو وكاتس في رئاسة الأركان خلفا للميجر جنرال هرتسي هليفي، فمعني بإثبات استقلاليته وبالتزامه بحماية الجيش من السياسة والسياسيين، وهو يعرف تماما أنه يصعُب على نتنياهو إقالته أو دفعه للاستقالة – كما فعل مع غيره.

تحقيق التحقيقات

يطلق تعبير «تحقيق التحقيقات» على اللجنة برئاسة الجنرال احتياط سامي تورجمان وبعضوية 12 ضابطا كبيرا من مختلف الاختصاصات، التي قدمت تقريرها في العاشر من الشهر الحالي.
وكان الجنرال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، قد عيّن اللجنة لمراجعة وفحص 25 تحقيق قامت بها لجان عسكرية متخصصة، لتقييم جودة ومصداقية وجدارة التحقيقات وتحديد نقاط ضعفها وكذلك الحاجة إلى إعادة التحقيق أو استكماله لسد الثغرات والتوصية على تحقيقات إضافية في قضايا لم تبحثها اللجان التي قدمت تقاريرها. الجديد في لجنة تورجمان أنها تناولت مع الموضوع بنظرة شاملة، في حين أن التحقيقات السابقة ركّزت على معارك وساحات ومجالات عينية، ولم تتناول الصورة الكاملة.
ويظهر من تقرير لجنة تورجمان أن الجيش الإسرائيلي «لم يعرف كيف يجهز نفسه لحرب مباغتة، بالرغم من التحذيرات الاستراتيجية، فهو لم يغير الاستعدادات على الحدود».
ويظهر كذلك من تقرير اللجنة أن قادة الجيش لم يكونوا قادرين على التعامل مع حدث كبير مثل حرب مفاجئة ببساطة لأنه لم يكن ضمن السيناريوهات التي درسوها واستعدوا لها. وجاء تبعا لذلك الاستنتاج أن على الجيش أن يكون جاهزا لحرب مفاجئة حتى لو لم تتوفّر عنها معلومات استخبارية مسبقة.
وكان عدد من الجنرالات الإسرائيليين قد دعوا، بعد السابع من أكتوبر، إلى عدم الاعتماد على الاستشعار المخابراتي وحده، وإلى الاستعداد لمواجهة أي هجوم عسكري طارئ حتى لم تتوفر عنه أية معلومات استخباراتية.
وفق ما نشره الموقع الرسمي للجيش الإسرائيلي، كانت هناك ستة عوامل، حددها طاقم التحقيق بأنها «الأسباب المركزية التي تفسّر فشل السابع من أكتوبر»: الأول، فشل إدراكي بين الواقع الاستراتيجي – العملياتي وإدراك الواقع بالنسبة لغزة ولحماس؛ الثاني، فشل مخابراتي في فهم الواقع وفهم التهديد وعدم توفير المعلومة؛ الثالث، عدم التعامل مع خطة «سور أريحا» (وهي خطة لهجوم ممكن لحماس جرى تداولها قبل الحرب)؛ الرابع، ثقافة تنظيمية وعملياتية تتسم بأنماط وبأعراف معطوبة ترسّخت خلال سنوات؛ الخامس، فجوة عميقة ومستمرة، عند جميع مستويات القيادة، بين التهديد المحتمل وتجهيز الرد العملياتي؛ السادس، عملية اتخاذ قرار وتفعيل قوّات سيّئة في ليلة السابع من أكتوبر 2023.
ولعل من اهم استنتاجات اللجنة أنه تراكمت ليلة السابع من أكتوبر معلومات متنوّعة وكثيرة، ولو جرى تحليلها بشكل مهني لكان من المفروض أن يكون هناك إنذار بعملية كبيرة. لكن اللجنة تجاهلت العامل النفسي في قرار تجاهل المعلومات المخابراتية، وهو أن النخب الإسرائيلية عموما، وبالأخص النخب الأمنية تميل إلى الاستهتار بالعرب وبالفلسطينيين وليس في حسبانها أنه يمكنهم أن يقوموا بمباغتة الجيش الإسرائيلي بعملية كبيرة. لذا فإن العمى العنصري وتبخيس قدرات الآخر هي من أهم أسباب فشل الجيش الإسرائيلي صبيحة السابع من اكتوبر.
إن الهدف الحقيقي للتحقيقات العسكرية كافة هو جعل الجيش الإسرائيلي «أكثر نجاعة» في عملياته العسكرية، التي تشمل التصفية والاغتيال والعقوبات الجماعية والتدمير وحراسة سارقي الأرض وصولا إلى ارتكاب الجريمة الكبرى جريمة الإبادة الجماعية. الغاية هنا هي تنفيذ الجرائم بشكل منظم وناجع وملتزمة بالاستراتيجية العسكرية. وإذ يجري التشديد في تحقيقات وتقارير الجيش الإسرائيلي على المهنية والمصداقية، فهي مهنية فتّاكة ومصداقية تنفيذ الجريمة بالدقة «المطلوبة».
أمّا الخلاف بشأن التحقيقات فهو يحمل في خلفيته سباقا في مباراة كسب رصيد السعي إلى إنجاح العمليات العسكرية وبسط الهيمنة الأمنية وتحقيق الأهداف الاستعمارية الإسرائيلية. والمتنازعون هنا يسعون بالمجمل إلى الأهداف ذاتها ومع الاختلاف حول الأسلوب وحول النفوذ الفردي والمؤسساتي.
التحقيقات الإسرائيلية حول السابع من أكتوبر/تشرين الأول وحول الحرب عموما سوف تتواصل، وهي توفّر معلومات وتقييمات تصب في «تنجيع» العمل وتغيير القيادة الأمنية المرتبطة بالسابع من أكتوبر/تشرين الأول من جهة وهي تدفع باتجاه استراتيجيات أمنية أكثر تشدّدا وعدوانية بالأخص في جعل مفهوم «المنع» المبدأ الناظم للأمن الإسرائيلي، وهذا يعني ببساطة أن إسرائيل ستواصل عدوانها بكافة الاتجاهات بحجة منع تطوير قدرات تهدد أمنها.

*رئيس لجنة المتابعة العليا لفلسطينيي الداخل)

عن القدس العربي

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط