كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تراجيديا الحريرية وتهديدات الأمن الخليجي 

تراجيديا الحريرية وتهديدات الأمن الخليجي 

تاريخ النشر: 2022-01-26 | 20:40

علي شندب
علي شندب

في خطاب العزوف اختار سعد الحريري الإنطلاق من إغتيال والده، أي من اللحظة التراجيدية نفسها التي نُصّب فيها وريثاً سياسياً بالتحديد. ومن لحظة التراجيديا هذه قدّم الوريث الثاني لرفيق الحريري سرديته التي توّجها باسدال الستارة الحزينة على حركته السياسية وحيثيته التي ابتلعها الفشل والضمور واستهلاك الوسطاء والزمن الثقيل الذين لم يحملوا اليه الترياق المأمول.

غادر سعد الحريري مربع السياسة والسلطة والنفوذ مضرّجاً بانتكاسات وخيبات لطالما ارتضت جموع وازنة من الطائفة المهزومة والمأزومة تجرّعها حتى تحولت الى جموع هائمة يسودها التخبّط والضياع. وقد بدا اغتيال الحريري الأب بمثابة زلزال مستولد من الزلزال الكبير الذي أصاب العراق وشطبه من معادلات القوة والحضور عام 2003 والذي توّج باعدام صدام حسين وتحويله الى فعل ماض، ليكون اغتيال رفيق الحريري أول التداعيات التراجيدية للنكبة العربية الكبرى.

في جلساته الخاصة والضيّقة نقل عن سعد الحريري قوله "أن لبنان ليس العراق وأن بيروت ليست بغداد". لكنه وفي مفارقة لافتة أصرّ في خطاب الرحيل او العزوف على تظهير التأريخ لمسيرته كحامل لراية الزعامة السُنّية من لحظة اغتيال والده رفيق الحريري. وهنا لا بد من التوقف عند القطب المخفية التي قدّمت سعد لا شقيقه الأكبر بهاء الحريري الى وراثة رفيق الحريري السياسية. وبدون شك فإن الباس عباءة الزعامة لسعد وليس بهاء عام 2005 لم يكن قراراً عائلياً. بل كان قرارا لرعاة الحريري الأب العرب والأجانب وأصدقائه المقربين ومنهم وليد جنبلاط الذي وصف المختارة باليتيمة والحزينة بعد عزوف زعيم بيت الوسط.

البارز في سردية خطاب عزوف الحريري اقتناعه "أن لا مجال لأي فرصة إيجابية للبنان في ظل النفوذ الايراني". إنها عبارة الحد الأدنى التي رماها بعناية لا تستفز ايران ولا ترضي العرب، وكأنه يسير بين حقول الغام لا يريدها أن تنفجر فيه أو تنفجر بسببه. لكنها العبارة التي تقول أن مفاعيل اغتيال رفيق الحريري لم تنته بعد. فخروج سعد الحريري من المشهد بدا أشبه باغتيال معنوي وسياسي ارتضاه مرغماً سعد الحريري لنفسه، علّه يفتدي به اغتياله جسدياً. وعبارة "دمي لكم" التي قالها لشباب عكار عشية عزوفه وشت بتخوفه من الاغتيال وبأنه لم يعد لديه ما يقدمه سوى دمه.

حتى تنضبط القراءة قليلاً حريّ بنا التأكيد، أن الحريري الأب ما كان ليكون ما كانه، لولا الرعاية والتبنّي السعودي ما بعد المطلق له، وباتت حيثية رفيق الحريري بمثابة درّة السعودية الوازنة بين صنّاع اتفاق الطائف ورعاته الإقليميين والدوليين. وأن اغتياله لم يعني الا ضرب واستهدافاً لنفوذ السعودية التاريخي والعميق في لبنان. ولهذا سارعت قيادة المملكة بالتكافل مع فرنسا شيراك الى رفد وريث ابن رفيق الحريري بكل وسائل الدعم المادي والمعنوي الذي كان مسخّراً لوالده، لكن الحريري الابن لم يفلح لأسباب كثيرة بينها أن مخالب المشروع الايراني المرتكز على التغوّل والتوغل في البلاد العربية لم تشطب رفيق الحريري لتسمح لورثته بالاستمرار. 

ربما عدم صحة بعض القراءات والتقديرات المشحونة بتراجيديا الاغتيال المكثّف الذي فجّر أيضاً بعض مكنونات ومكبوتات الطائفة المجروحة، أطنبت في الكلام المضخّم عن مشروع رفيق الحريري. المشروع الذي استلزم بناء مداميكه، تفكيك كل عناصر "القوة العسكرية" لأحزاب وحركات وتيارات وطنية وناصرية ويسارية واسلامية، قارعت اسرائيل من قبل استيلاد حزب الله، وذلك بهدف الابقاء على حصرية التمثيل والقوة بيد رفيق الحريري. لكن كيف لقوة الحريري الناعمة أن تواجه أو تصمد أمام ذراع إيران المسلّح والمتغوّل على الدولة وفيها وعبرها؟.

لم يجانب وزير خارجية الكويت أحمد ناصر الصباح، أثناء زيارته بيروت لتسليم المسؤولين الشروط الخليجية والعربية والدولية لاعادة بناء الثقة مع لبنان، لم يجانب الصواب عند كلامه عن "لبنان الأيقونة". وربما تقصّد بالكلام عن لبنان الأيقونة الرد على زعيم حزب الله الذي استبقه بأكثر من سنة في محاولة مزوّرة لتطويب قاسم سليماني وجعله أيقونة للمقاومة تتقدم حتى على أيقونة النضال العالمي غيفارا، ولترسيخ محاولته التطويبية جيّر نصرالله كل مقاومة حزب الله وبينها عدوان تموز فضلاً عن عمليات "المقاومة العراقية الأصلية" الى قاسم سليماني الذي تهدم تماثيله في ايران، وتحرق وتمزق صوره في النجف وكربلاء والبصرة والناصرية وبغداد ولبنان.

الشروط العربية والدولية لاعادة بناء الثقة مع لبنان، تزامنت أولا مع عزوف الرئيس تمام سلام عن الانتخابات، واخلائه الساحة الى التغيير الذي ينشده الجيل الجديد. وتزامنت ثانياً مع عزوف سعد الحريري الذي لم يرد إخلاء الساحة لأحد، بل إنه أقفل تيار المستقبل وأخذ المفاتيح معه حتى لا تصرف تركته الشعبية في صندوق أحد، وهي التركة التي بدأ التنافس على إجراء حصر إرث لأصواتها كما يحاول رئيس حزب القوات سمير جعجع الذي بدأت سهام بعض نواب ومسؤولي تيار المستقبل تستهدفه بتهمتي الغدر وحصر الارث.

ليس صحيحاً أن دول الخليج تضيّق على سعد الحريري وتريد أن تنهي زعامته وتياره. لكن الصحيح أن الحريري وتياره اتكأوا في نشاطهم ووجودهم على الرعاية المالية الخليجية والسعودية خاصة، ولم ينشؤوا مؤسّسات إنتاجية واستثمارية تؤمن لهم وعبرهم للطائفة المكسورة التي يتزعمونها نوعاً من الاكفتاء الذاتي الذي يؤمن لهم نوعاً من استقلالية القرار والعمل والحركة.

والصحيح أيضاً، أن الحريري وتيار المستقبل لم يدركوا حجم المخاطر الناجمة عن سلوك حزب الله الذي يربطون النزاع معه ضد دول الخليج. لم يتصرف سعد الحريري انطلاقا من أنّ حزب الله بات مهدداً حقيقياً للأمن القومي العربي كما صرّح سفير السعودية وليد بخاري، لا بل إن ما كشفه التحالف العربي عن دور حزب الله في توجيه وإطلاق المُسيرات المفخخة والصواريخ البالستية المجنّحة فضلاً عن شحنات المخدرات والكابتغون التي تستهدف بعض مدن السعودية والامارات وربما تستهدف غيرها، إنما هو تهديد ليس للأمن القومي فحسب، بل للأمن الداخلي لدول الخليج العربي.

مواجهة التهديد اذن، هي تلك التي تقف وراء زيارة وزير خارجية الكويت لبيروت وشروطها المستحيلة التحقّق لبنانياً، وأيضاً وراء عزوف سعد الحريري وخروجه من السياسة بهدف نزع الغطاء السني الوازن عن حزب الله. انه العزوف والتعليق الذي لن يكون بامكان سعد الحريري التراجع عنه كما تراجع عن استقالته الشهيرة من الرياض، ويومها تمكّن نصرالله وأيضاً ميشال عون وصهره المعجزة جبران باسيل من استخدام الحريري ضد السعودية بخبث مشهود، وهو ما ليس بمقدورهم فعله اليوم.

لكن هل يؤمن خروج الحريري وتيار المستقبل من المشهد السياسي، النتائج المرجوة، أم أنه سيعود بنتائج عكسية على الطائفة السنية المشرذمة أصلاً؟. 

اغتيال رفيق الحريري وحّد غالبية السُنّة وأطياف لبنانية واسعة. خروج سعد الحريري بالاسلوب الذي اعتمده أشاع الشرذمة فيها. نهائية خروج الحريري وعزوفه رهن إقفال باب الترشيحات الانتخابية منتصف اذار/ ابريل القادم اذا لم تلغى. وأيضاً في كيفية احياء الذكرى السنوية لاغتيال رفيق الحريري في 14 شباط/ فبراير القادم، فهل سيحضر سعد الحريري وتكون المناسبة فرصة لتصحيح خطأ التوريث عام 2005 وتسليم الأمانة الى بهاء الحريري الشقيق الأكبر الذي يتبنى مواقف مختلفة عن شقيقه سعد ومتفقة مع  مواقف البطريرك الماروني بشارة الراعي في الحياد ومتسقة مع دفتر الشروط الخليجية العربية الدولية، أم يستنسخ اغتيال 14 شباط نفسه بتراجيديا جديدة، ويدخل لبنان مرحلة شديدة التعقيد والتحوّلات؟
الإجابة برسم الأسابيع المقبلة.

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط