تاريخ النشر: 2026-10-05 | 17:12
تاريخ النشر: 2026-10-05 | 17:12
هل يمكن أن يكون دونالد ترامب هو «جورباتشوف الأمريكى»؟ قد يبدو السؤال للوهلة الأولى مبالغاً فيه، لكنه ليس جديداً؛ فقد طرحه عدد من مفكرى السياسة الدولية ومحلليها منذ ولاية ترامب الأولى (2017 - 2021)، وعاد إلى الواجهة بقوة مع عودته إلى البيت الأبيض فى 2025، حين شبّه البعض «ماجا» الأمريكية بـ«البيريسترويكا» السوفيتية.
ومع ذلك، يبدو السؤال ظالماً للرجل الذى دخل البيت الأبيض بهدف معلن هو استعادة القوة الأمريكية، وإعادة فرض هيبة الولايات المتحدة، ووضع «أمريكا أولاً» فى قلب السياسة الداخلية والخارجية، لكن التاريخ لا يحاكم القادة بما أرادوه فقط، وإنما بما انتهت إليه سياساتهم. وربما تكمن المفارقة هنا فى أن الرجل الذى يريد إعادة بناء القوة الأمريكية قد يقود، من حيث لا يدرى، إلى تقويض بعض الأسس التى قامت عليها الهيمنة الأمريكية لعقود.
لم يكن ميخائيل جورباتشوف يريد إسقاط الاتحاد السوفيتى. كان يريد إصلاحه وإنقاذه من أزماته المتراكمة، لكنه أطلق مسارات لم يعد النظام قادراً على التحكم فى نتائجها. ومن هنا تأتى المقارنة مع «ترامب»، ليس لأن الرجلين متشابهان فى الأهداف أو الأفكار، وإنما لأن محاولة إنقاذ قوة عظمى قد تتحول، تحت ضغط الأزمات والقرارات الخاطئة، إلى عامل فى إضعافها.
«ترامب» نفسه يحمل فى تجربته السياسية ما يكفى لإثارة السؤال، فمنذ خروجه من البيت الأبيض عام 2021، رفض الاعتراف بنتيجة انتخابات 2020، وواصل الترويج لاتهامات غير مثبتة بتزويرها، وصولاً إلى اقتحام أنصاره مبنى الكونجرس رفضاً للنتيجة.
ولم تكن تلك اللحظة مجرد أزمة سياسية عابرة، بل ضربة لصورة الولايات المتحدة التى طالما قدمت نفسها باعتبارها النموذج الأبرز للديمقراطية ونزاهة السلطة السياسية.
ثم عاد «ترامب» إلى البيت الأبيض، ليواصل أسلوباً سياسياً شديد الصدام مع المؤسسات والحلفاء والخصوم على السواء.
التهديد المستمر، والاستفزاز، والتراجع عن مواقف ثم العودة إليها، والتعامل مع العلاقات الدولية بمنطق الصفقات الشخصية، كلها أدوات قد تمنح الرئيس قدرة على الضغط والمناورة، لكنها فى الوقت نفسه تستهلك من رأس المال السياسى الذى راكمته الولايات المتحدة عبر عقود.
الأخطر أن «ترامب» لا يكتفى بإدارة ولايته الحالية، وإنما يلوّح من وقت إلى آخر بإمكان العودة إلى البيت الأبيض بعد 2028، رغم أن التعديل الثانى والعشرين للدستور الأمريكى يمنع انتخاب الرئيس أكثر من مرتين. وقد تحدث عن «ترامب 2028»، وترك الباب مفتوحاً أمام فكرة الولاية الثالثة قبل أن يعود أحياناً للاعتراف بالمانع الدستورى.
هذه التلميحات أخطر من كونها مناورة سياسية أو رغبة شخصية؛ لأنها تضرب إحدى أهم قواعد النظام الأمريكى: التداول الدورى للسلطة واحترام حدودها الدستورية. وعندما يصبح الرئيس نفسه هو محور المعركة على تفسير حدود الولاية، فإن المشكلة لا تعود فى شخص «ترامب» وحده، وإنما فى قدرة المؤسسات على حماية القواعد التى صنعت استقرار النظام.
واللافت أن أزمة القيادة الأمريكية أوسع من «ترامب»، فقد شهدت الولايات المتحدة ثلاث ولايات رئاسية متتالية قادها رئيس تجاوز السبعين: «ترامب»، ثم جو بايدن، ثم «ترامب» مجدداً. فى مفارقة سياسية تثير أسئلة أوسع حول شيخوخة الحزبين الكبيرين، وعدم قدرة النظام السياسى الأمريكى على إنتاج قيادات جديدة تعبر عن العصر وتعكس صورة الحضارة الأمريكية.
وهنا تتسع زاوية النظر، فالقوة العظمى لا تقوم على حاملات الطائرات وحدها، وإنما على مؤسسات يثق بها مواطنوها، وحلفاء يثقون بالتزاماتها، واقتصاد قادر على تحمل أعباء القوة، وصورة دولية تمنح هذه القوة قدراً من الشرعية.
وإذا بدأت هذه العناصر فى التآكل، فإن التفوق العسكرى وحده لا يكفى لإنقاذ الهيمنة.
وتقدم عودة الولايات المتحدة إلى العراق ثم انسحابها منه مرة أخرى مثالاً صغيراً على هذه المعضلة.
فقد أدى الانسحاب الأمريكى عام 2011 إلى فراغ أمنى وسياسى استغله تنظيم «داعش» لاحقاً، حتى تمكن عام 2014 من السيطرة على مدن عراقية كبرى، واضطرت واشنطن إلى العودة عسكرياً لمحاربته.
واليوم تغادر القوات الأمريكية العراق مرة أخرى، وسط نفوذ قوى لفصائل مرتبطة بإيران، وفى بيئة إقليمية أكثر اضطراباً، تصاعدت أزمتها بفعل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، العاصفة التى لم تهدأ نيرانها.
ليست المشكلة فى مبدأ استعادة العراق سيادته، وإنما فى أن انسحاب القوة الأمريكية لا يعنى بالضرورة أن الدولة العراقية أصبحت أقوى، فقد يعنى أن طرفاً آخر أصبح أكثر قدرة على ملء المساحة التى تركتها واشنطن.
وهذا سيقودنا إلى الجزء التالى: إذا كانت إيران، ومثلها إسرائيل وتركيا، قوى إقليمية تتأهب لملء هذا الفراغ، فإن الصين أيضاً قادرة على مراقبة هذا التحول من موقع المستفيد الهادئ.
ربما لا تكون بكين هى التى صنعت العاصفة فى الشرق الأوسط، لكنها بالتأكيد تعرف كيف تنتظر حتى تهدأ.. ثم تتحرك.