"المقترح البوتيني" لا يمثل خيارا مرحبا به لرئيس حكومة دولة الفاشية اليهودية نتنياهو، فذلك لن يؤدي لتأجيل انتخابات ستذهب به إلى "جهنم السياسية".

«ترامب».. على خطى «جورباتشوف» أم هدية للصين؟

«ترامب».. على خطى «جورباتشوف» أم هدية للصين؟

تاريخ النشر: 2026-10-09 | 18:22

محمد مصطفى أبو شامة
محمد مصطفى أبو شامة

هل يمكن أن يكون دونالد ترامب هو «جورباتشوف الأمريكى»؟ قد يبدو السؤال للوهلة الأولى مبالغاً فيه، لكنه ليس جديداً؛ فقد طرحه عدد من مفكرى السياسة الدولية ومحلليها منذ ولاية ترامب الأولى (2017 - 2021)، وعاد إلى الواجهة بقوة مع عودته إلى البيت الأبيض فى 2025، حين شبّه البعض «ماجا» الأمريكية بـ«البيريسترويكا» السوفيتية. ومع ذلك، يبدو السؤال ظالماً للرجل الذى دخل البيت الأبيض بهدف معلن هو استعادة القوة الأمريكية، وإعادة فرض هيبة الولايات المتحدة، ووضع «أمريكا أولاً» فى قلب السياسة الداخلية والخارجية، لكن التاريخ لا يحاكم القادة بما أرادوه فقط، وإنما بما انتهت إليه سياساتهم. وربما تكمن المفارقة هنا فى أن الرجل الذى يريد إعادة بناء القوة الأمريكية قد يقود، من حيث لا يدرى، إلى تقويض بعض الأسس التى قامت عليها الهيمنة الأمريكية لعقود.

لم يكن ميخائيل جورباتشوف يريد إسقاط الاتحاد السوفيتى. كان يريد إصلاحه وإنقاذه من أزماته المتراكمة، لكنه أطلق مسارات لم يعد النظام قادراً على التحكم فى نتائجها. ومن هنا تأتى المقارنة مع «ترامب»، ليس لأن الرجلين متشابهان فى الأهداف أو الأفكار، وإنما لأن محاولة إنقاذ قوة عظمى قد تتحول، تحت ضغط الأزمات والقرارات الخاطئة، إلى عامل فى إضعافها.

«ترامب» نفسه يحمل فى تجربته السياسية ما يكفى لإثارة السؤال، فمنذ خروجه من البيت الأبيض عام 2021، رفض الاعتراف بنتيجة انتخابات 2020، وواصل الترويج لاتهامات غير مثبتة بتزويرها، وصولاً إلى اقتحام أنصاره مبنى الكونجرس رفضاً للنتيجة. ولم تكن تلك اللحظة مجرد أزمة سياسية عابرة، بل ضربة لصورة الولايات المتحدة التى طالما قدمت نفسها باعتبارها النموذج الأبرز للديمقراطية ونزاهة السلطة السياسية. ثم عاد «ترامب» إلى البيت الأبيض، ليواصل أسلوباً سياسياً شديد الصدام مع المؤسسات والحلفاء والخصوم على السواء. التهديد المستمر، والاستفزاز، والتراجع عن مواقف ثم العودة إليها، والتعامل مع العلاقات الدولية بمنطق الصفقات الشخصية، كلها أدوات قد تمنح الرئيس قدرة على الضغط والمناورة، لكنها فى الوقت نفسه تستهلك من رأس المال السياسى الذى راكمته الولايات المتحدة عبر عقود.

الأخطر أن «ترامب» لا يكتفى بإدارة ولايته الحالية، وإنما يلوّح من وقت إلى آخر بإمكان العودة إلى البيت الأبيض بعد 2028، رغم أن التعديل الثانى والعشرين للدستور الأمريكى يمنع انتخاب الرئيس أكثر من مرتين. وقد تحدث عن «ترامب 2028»، وترك الباب مفتوحاً أمام فكرة الولاية الثالثة قبل أن يعود أحياناً للاعتراف بالمانع الدستورى. هذه التلميحات أخطر من كونها مناورة سياسية أو رغبة شخصية؛ لأنها تضرب إحدى أهم قواعد النظام الأمريكى: التداول الدورى للسلطة واحترام حدودها الدستورية. وعندما يصبح الرئيس نفسه هو محور المعركة على تفسير حدود الولاية، فإن المشكلة لا تعود فى شخص «ترامب» وحده، وإنما فى قدرة المؤسسات على حماية القواعد التى صنعت استقرار النظام.

واللافت أن أزمة القيادة الأمريكية أوسع من «ترامب»، فقد شهدت الولايات المتحدة ثلاث ولايات رئاسية متتالية قادها رئيس تجاوز السبعين: «ترامب»، ثم جو بايدن، ثم «ترامب» مجدداً. فى مفارقة سياسية تثير أسئلة أوسع حول شيخوخة الحزبين الكبيرين، وعدم قدرة النظام السياسى الأمريكى على إنتاج قيادات جديدة تعبر عن العصر وتعكس صورة الحضارة الأمريكية. وهنا تتسع زاوية النظر، فالقوة العظمى لا تقوم على حاملات الطائرات وحدها، وإنما على مؤسسات يثق بها مواطنوها، وحلفاء يثقون بالتزاماتها، واقتصاد قادر على تحمل أعباء القوة، وصورة دولية تمنح هذه القوة قدراً من الشرعية.

وإذا بدأت هذه العناصر فى التآكل، فإن التفوق العسكرى وحده لا يكفى لإنقاذ الهيمنة. وتقدم عودة الولايات المتحدة إلى العراق ثم انسحابها منه مرة أخرى مثالاً صغيراً على هذه المعضلة. فقد أدى الانسحاب الأمريكى عام 2011 إلى فراغ أمنى وسياسى استغله تنظيم «داعش» لاحقاً، حتى تمكن عام 2014 من السيطرة على مدن عراقية كبرى، واضطرت واشنطن إلى العودة عسكرياً لمحاربته.

واليوم تغادر القوات الأمريكية العراق مرة أخرى، وسط نفوذ قوى لفصائل مرتبطة بإيران، وفى بيئة إقليمية أكثر اضطراباً، تصاعدت أزمتها بفعل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، العاصفة التى لم تهدأ نيرانها. ليست المشكلة فى مبدأ استعادة العراق سيادته، وإنما فى أن انسحاب القوة الأمريكية لا يعنى بالضرورة أن الدولة العراقية أصبحت أقوى، فقد يعنى أن طرفاً آخر أصبح أكثر قدرة على ملء المساحة التى تركتها واشنطن. وإذا كانت إيران، ومثلها إسرائيل وتركيا، قوى إقليمية تتأهب لملء هذا الفراغ، فإن الصين أيضاً قادرة على مراقبة هذا التحول من موقع المستفيد الهادئ.

«بكين» تقيّم المشهد فى الشرق الأوسط من منظور آخر. فهي ليست بحاجة إلى إرسال جيش إلى المنطقة، ولا إلى الدخول فى مواجهة مباشرة مع «واشنطن»؛ يكفيها أن تراقب القوة الأمريكية وهى تستنزف مواردها، وتعيد توزيع قواتها، وتغامر بنفوذها، وتدخل فى صدامات متزايدة مع حلفائها، بينما تواصل الصين بناء قوتها الاقتصادية والتكنولوجية والاستراتيجية بهدوء. وهنا تصبح فكرة أن «ترامب.. هدية للصين» أكثر من مجرد عنوان صحفى مثير. فالصين ليست طرفاً مباشراً فى حروب الشرق الأوسط، لكنها قد تكون الطرف الأكثر قدرة على الاستفادة من بعض آثارها، خصوصاً عندما تدفع الأزمات حلفاء «واشنطن» إلى إعادة النظر فى درجة اعتمادهم عليها.

لقد أكدت حرب إيران شيئاً مهماً: أن الولايات المتحدة تستطيع استخدام قوتها العسكرية الهائلة، لكنها تجد صعوبة أكبر فى تحويل التفوق العسكرى إلى نظام إقليمى مستقر يخدم مصالحها على المدى الطويل. وقد أتاحت الحرب للصين مساحة استراتيجية أوسع فى آسيا، بينما اضطرت «واشنطن» إلى تركيز موارد واهتمام كبيرين على الشرق الأوسط. وفى الوقت نفسه، استفادت «بكين» من قدرتها على الظهور بوصفها قوة تملك مصلحة فى استمرار تدفق الطاقة واستقرار التجارة، لا فى إشعال حروب جديدة.

الصينيون لا يتصرفون بعقلية من يريد اقتحام العاصفة، وإنما ينتظرون حتى تهدأ. وهذه نقطة مهمة لفهم الفارق بين «واشنطن وبكين». الولايات المتحدة تتحرك كثيراً لإدارة الأزمات والتدخل فى مساراتها، بينما تستطيع الصين أحياناً أن تترك الآخرين يدفعون تكلفة إدارة أزماتهم، ثم تتحرك لملء المساحات التى تنشأ بعدها.

وفى زيارة الرئيس الصينى شى جين بينج إلى «واشنطن»، فى سبتمبر الماضى، ظهرت هذه المفارقة بوضوح. كان «ترامب» بحاجة إلى إظهار نتائج سياسية واقتصادية أمام جمهوره، بينما كانت «بكين» أكثر اهتماماً بالحفاظ على مساحة المناورة وتأمين وقت إضافى لبناء القوة والاستعداد للمنافسة طويلة المدى. ولم تحقق القمة اختراقاً استراتيجياً كبيراً فى جوهر التنافس بين البلدين، لكنها انتهت إلى تمديد الهدنة التجارية وتخفيف بعض الضغوط المتبادلة، وهو ما منح «بكين» مساحة زمنية إضافية من دون تقديم تنازلات تمس جوهر تنافسها مع «واشنطن».

وهنا تعود صورة «ابتسامة بوذا»، كما علّق إعلامى صديق على ابتسامة شى جين بينج، فى مواجهة «ابتسامة الضفدع المنتفخ»، بحسب وصف صحيفة «ديلى ميل» البريطانية لابتسامة «ترامب». وربما تختصر الصورتان الفارق كله: الصين لا تحتاج إلى أن تنتصر على «ترامب» فى كل جولة؛ يكفيها ألا تخسر، بينما تواصل بناء قوتها بهدوء، فى الوقت الذى تستهلك فيه الولايات المتحدة جزءاً من طاقتها فى صراعات متعددة.

لكن الأخطر من كل ذلك هو «ترامب» نفسه. فالرجل الذى يتحدث باستمرار عن استعادة «عظمة أمريكا» يستخدم أسلوباً يضعف صورة القوة التى يريد استعادتها. فهو يهدد الحلفاء كما يهدد الخصوم، ويشكك فى التزامات بلاده التقليدية، ويتعامل مع التحالفات بمنطق المقابل المباشر، ويجعل السياسة الخارجية شديدة الارتباط بشخصه وتقلباته. وقد أثارت تحركاته بالفعل مخاوف لدى حلفاء «واشنطن» من أن تصبح الولايات المتحدة أقل موثوقية فى الأزمات المقبلة.  وهذا هو جوهر المفارقة: «ترامب» يريد أن يجعل أمريكا أكثر قوة، لكنه قد يجعل الآخرين أقل ثقة فى قوتها. وفى السياسة الدولية، الثقة ليست مسألة أخلاقية؛ إنها جزء من القوة نفسها.

ويبدو أن «ترامب» قد يجد نفسه خلال ما تبقى من ولايته مضطراً إلى خوض معارك أكثر، وفتح جبهات أكثر، وتهديد خصوم أكثر، لإثبات أن أمريكا ما زالت القوة الأولى. وكلما احتاجت القوة إلى استخدام القوة لإثبات وجودها، زادت مخاطر استنزافها. أما الصين فلا تبدو فى حاجة إلى استعجال لحظة التحول. ففى هذا السباق الطويل، قد تكون القدرة على الانتظار أحياناً أقوى من القدرة على الهجوم.
    
وختاماً، قد لا يكون السؤال الحقيقى: هل «ترامب» هو «جورباتشوف الأمريكى»؟، فـ«جورباتشوف» دخل التاريخ لأنه أطلق إصلاحات لم يستطع التحكم فى نتائجها، وانتهت إلى تفكك الدولة التى أراد إنقاذها. أما «ترامب» فما زال أمامه وقت فى البيت الأبيض، وما زال النظام الأمريكى يمتلك مؤسسات واقتصاداً وقوة عسكرية وتحالفات لا يمكن مقارنتها بما كان عليه الاتحاد السوفيتى فى سنواته الأخيرة. 

لكن السؤال الأكثر إلحاحاً هو: هل يمكن أن تتحول سياسات «ترامب»، التى تستهدف استعادة القوة الأمريكية، إلى عامل يسرّع انتقال العالم من عصر الهيمنة الأمريكية المنفردة إلى عصر التنافس بين قوى متعددة؟

إذا حدث ذلك، فلن تكون الصين قد انتزعت القيادة من الولايات المتحدة فى معركة واحدة، ولن يكون «ترامب» قد سلّمها مفاتيح النظام الدولى بقرار واحد. ستكون «الهدية» أكثر تعقيداً من ذلك: وقتٌ إضافى للصين كى تبنى قوتها، ومساحةٌ إضافية كى تتقدم، بينما تنشغل الولايات المتحدة بإثبات أنها ما زالت القوة الأولى

×
أخبار
مركزية فتح تقرر تشكيل لجنة لدراسة الآليات التنفيذية لتحقيق وحدة الحركة زلزال في الاستخبارات ألمانيّة: إذن رسمي للمتهم بتسريب 2000 وثيقة وخيوط الاختراق تتشعب بين باكو وبكين فضيحة.. بارك مبعوث ترامب احتفظ بعلاقة مالية مع شركة تنفذ خط أنابيب نفط من العراق لسوريا "ن. تايمز": اختيار كاتي زكريا متحدثة باسم البيت الأبيض ترامب يعلن الاتفاق مع بوتين على تزويد السوق بـ 4.8 مليون طن نفط تقرير: "غسق الصين الطويل".. حين يلتقي الانحدار السكاني بالشلل السياسي وزير الخارجية الإسرائيلي: السلطة الفلسطينية "الفاسدة" تخدع المجتمع الدولي القرن الأفريقي في مهب الاستقطاب: جغرافية النزاعات المترابطة والتنافس على الممرات والموارد رفض دولي للقرار الأمريكي ودعم للمحكمة الجنائية الدولية..والعفو تدعو لإفشاله تقرير: هل تعيد تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تعريف "السيادة الوطنية"؟ الرئيس عباس يوجه وزارة الخارجية وبعثة فلسطين لدى الأمم المتحدة لطلب جلسة عاجلة لمجلس الأمن مصدر مصري: دعوة البرلمان الأوروبي لمراجعة تمويل "الإخوان" اعتراف رسمي بطبيعتها الإرهابية الأمم المتحدة: 50 ألف امرأة وفتاة بين شهيدة وجريحة في قطاع غزة منذ بدء العدوان الجنائية الدولية تتعهد بمواصلة تحقيقاتها رغم العقوبات الأمريكية..والمطلوب نتنياهو يشيد السعودية تفتح تحقيقاً في واقعة "فلاي دبي" واشنطن تفرض عقوبات على الجنائية الدولية وتتعهد بتجفيف مصادر تمويلها وتطويق عملها بعد عام من سريانه.. أكثر من 100 منظمة دولية تندد بـ "صورية" وقف إطلاق النار بغزة وتوثق استشهاد 1400 مواطن تقرير: أكثر من 74 ألف شهيد و175 ألف جريح حصيلة ثلاثة أعوام من الإبادة في غزة بي بي سي عربي تعيّن ميسلون نصار رئيسةً لخدمتها في إطار إعادة هيكلة وإجراءات تحريرية أوسع الخارجية الفلسطينية: فوز القاضية بيلاي بجائزة نوبل إعلاء لصوت الحق وصوت المظلومين الحرس الثوري يعلن مهاجمة ناقلة قبالة الإمارات.. وإيران تستبعد نجاح التفاوض مع واشنطن التضليل الدبلوماسي: التعتيم على «ضم الضفة» والانتهاكات يثير أزمة ثقة داخل الخارجية الأمريكية "قطاع غزة" إلى أين في ظل الجمود السياسي بعد عام من وقف إطلاق النار?! بعد 5 عقود...ليبيا تتحرك لمقاضاة إسرائيل دوليًا في حادث إسقاط طائرة استراتيجيات نتنياهو الانتخابية للتنصل من مسؤولية 7 أكتوبر وتكريس الهيمنة من مينيسوتا.. ترامب يطلق العنان لموجة من الخطاب المعادي للصوماليين والمسلمين “العفو الدولية” تندد بزيادة صادرات فرنسا العسكرية لإسرائيل خلال2025 نائب الرئيس الفلسطيني الشيخ يبلغ فرنسا بتأجيل الانتخابات التشريعية جائزة نوبل للسلام 2026 تمنح للجنوب أفريقية نافي بيلاي- فيديو سيناتور أمريكي: القوات الإسرائيلية انتهكت القانون الإنساني الدولي في غزة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط