كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ترامب والعالم: السياسة حين تتحول إلى اختبار قوة ونفسيات

ترامب والعالم: السياسة حين تتحول إلى اختبار قوة ونفسيات

تاريخ النشر: 2026-01-25 | 15:07

منذ ظهوره على المسرح السياسي الدولي، لم يتصرف دونالد ترامب كرئيس أمريكي تقليدي يمكن احتواؤه داخل القواعد المألوفة للعلاقات الدولية. فهو لم ينظر إلى العالم باعتباره منظومة تحكمها القوانين والمؤسسات والتوازنات، بل ساحة مفتوحة للمواجهة والضغط والصفقات المباشرة. في هذا الفضاء، لا مكان للحياد، ولا قيمة حقيقية للغة المجاملة إن لم تُفضِ إلى مكسب واضح، سريع، وقابل للتسجيل في رصيده الشخصي. في لقاءاته العلنية وخطاباته أمام قادة العالم، ولا سيما في منتدى دافوس الاقتصادي يوم 21 يناير 2026، بدا ترامب حاداً وصدامياً، وأحياناً فظاً إلى حد الإهانة. لم يتردد في توبيخ قادة أوروبيين، والتقليل من شأن الاتحاد الأوروبي، والتعامل مع القارة العجوز بوصفها كياناً مرهقاً، عاجزاً عن حماية نفسه دون المظلة الأمريكية. رفض الاستماع إلى نقاشات مطولة حول القانون الدولي أو سيادة الدول أو النظام العالمي القائم على القواعد، معتبراً أن هذا الخطاب الأخلاقي لا يواكب منطق القوة، ويُقيّد قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها وتحقيق مصالحها. وهو الموقف ذاته الذي أعاد التأكيد عليه في خطاب تدشين ما سُمّي بمجلس السلام في 22 يناير 2026، على هامش المنتدى.

غير أن هذه الصورة، على حدّتها، لا تعكس المشهد كاملاً. فالرجل نفسه، الذي تعامل مع أوروبا بلغة قاسية، أظهر وداً واضحاً واحتراماً محسوباً في تعاطيه مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وكذلك مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. هذا التباين لا يمكن تفسيره بوصفه مزاجية عابرة، بل يعكس نمطاً سياسيًا ونفسيًا متماسكًا، يمكن توصيفه بما يشبه بالدبلوماسية الترامبية المعكوسة. جوهر هذا النمط يقوم على قلب ترتيب الأدوات التقليدية؛ إذ لا يبدأ بسؤال أو تفاوض، بل بإعلان النتيجة سلفاً. يتحدث ترامب عمّا ينبغي أن يحدث وكأنه أمر محسوم، ما يضع الطرف المقابل أمام واقع نفسي وسياسي ضاغط. عند هذه النقطة، لا يعود النقاش منصبّاً على القبول أو الرفض، بل يتحول إلى إدارة الخسائر وإعادة صياغة المخرجات بما يحفظ الحد الأدنى من المصالح الممكنة. العنصر الثاني في هذا النهج هو التصعيد قبل الحوار. التهديد، والعقوبات، واللغة الخشنة ليست أدوات طارئة، بل مرحلة افتتاحية. بعد أن يبلغ الضغط ذروته، يُفتح باب التفاوض من موقع تفوق واضح. بهذا المعنى، لا يرى ترامب التفاوض عملية تبادل متكافئ، بل آلية لانتزاع القبول بعد إنهاك الطرف الآخر سياسيًا ونفسيًا.

أما العنصر الثالث، فيتعلق بنظرته إلى الدول باعتبارها وحدات تُدار بمنطق الشركات. في هذا التصور، لا قدسية للحدود، ولا وزن كبير للتاريخ أو الرمزية أو الخطاب القانوني، ما لم يتحول كل ذلك إلى أرقام وصفقات وعوائد مباشرة. السياسة هنا ليست إدارة مصالح متداخلة، بل حساب ربح وخسارة، ومن يملك أوراق القوة يفرض شروطه. العنصر الرابع يتمثل في نفوره الواضح من الدبلوماسية المؤسسية. لم يُبدِ ترامب ثقة حقيقية بوزارة الخارجية أو بالقنوات التقليدية، وفضّل الاعتماد على شبكة ضيقة من المبعوثين الشخصيين، معظمهم من خلفيات اقتصادية أو من دائرته القريبة. هذا النهج أخرج ملفات كبرى من إطارها المؤسساتي، وحوّلها إلى مسارات تفاوض شخصية، حيث تلعب الثقة والولاء دوراً أكبر من الخبرة البروتوكولية. من أبرز هؤلاء: توم باراك، المبعوث الخاص إلى سوريا ولبنان، وجاريد كوشنر، وستيف ويتكوف في ملفات غزة وأوكرانيا، إضافة إلى مسعد بولس كمستشار رئاسي للشؤون العربية والشرق أوسطية. أما العنصر الخامس، وربما الأخطر في هذه المقاربة، فهو استخدام الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما منصته تروث سوشيال، كسلاح سياسي. فاوض ترامب على الملأ، وهدد علناً، وأحرج خصومه أمام شعوبهم.  لم يكن هذا الأسلوب عشوائياً، بل أداة ضغط نفسي تهدف إلى تقييد خيارات الطرف الآخر ودفعه إلى التراجع أو القبول خشية التصعيد العلني. وفي جوهر هذا النهج، يمكن استحضار مقاربة وليم أوري في التفاوض، القائمة على انتزاع نعم من الخصم دون تقديم مقابل حقيقي.

في منتدى دافوس، تجسدت هذه المقاربة بوضوح. تحدث ترامب عن غرينلاند، وحلف شمال الأطلسي، ومجلس السلام، وكأنه يخاطب إدارات تنفيذية لا دولاً ذات سيادة. قدّم نفسه باعتباره القائد الذي لا ينبغي الاعتراض عليه، ورفض أي حديث أوروبي عن الشرعية الدولية، معتبراً إياه خطاباً نظرياً لا مكان له في عالم تحكمه القوة. غير أنّ نبرته تغيّرت عندما تحدث مع الرئيس المصري، إذ لجأ إلى لغة قائمة على الإطراء والاعتراف بالدور، وأبدى استعداداً للتدخل في ملفات شديدة الحساسية، وفي مقدمتها ملف سدّ النهضة. ولم يكن هذا السلوك مجرّد مجاملة بروتوكولية عابرة، بل عكس اعترافاً ضمنياً بمكانة القاهرة بوصفها فاعلاً مركزياً في معادلات الاستقرار الإقليمي، ولا سيما في ملف غزة. ورغم أنّ مصر واجهت طروحات أمريكية وإسرائيلية تتعلق بتهجير السكان بثبات وقوة وصلابة، فإن هذا الرفض صيغ بهدوء محسوب، من دون استفزاز النزعة التنافسية لدى ترامب، مع تقديم البديل المصري على نحو يسمح بتسويقه بوصفه نجاحاً شخصياً له. وهنا يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه: ماذا يمكن أن يطلبه ترامب من مصر ثمناً لانخراطه في حل أزمة سد النهضة؟

أما في المشهد التركي، فقد تعامل ترامب مع الرئيس رجب طيب أردوغان بلغة أقل حدّة، إدراكاً لدور أنقرة في ملف غزة، سواء من حيث الضغط على حركة حماس، ولا سيما فيما يتعلق بقبول مبادرة ترامب، وتسليم الأسرى والجثث، أو في مسارات تتعلق بنزع السلاح والدمج الجزئي والتحول السياسي. وإلى جانب ذلك، برز الدور التركي المحوري في الملف السوري، حيث لم تكن التطورات الميدانية معزولة عن تفاهمات أوسع نوقشت في عواصم مؤثرة مثل باريس وأربيل. فاستحالة القضاء الكامل على قوات قسد دفعت مختلف الأطراف إلى تبنّي حلول وسط، ركّزت فيها أنقرة على منع أي امتداد جغرافي قد يفضي إلى كيان كردي متصل يصل إلى البحر المتوسط. ولم يكن الهدف إنهاء الوجود الكردي بالكامل، بل تطويقه جغرافياً وتجريده من طموحه التوسعي، وحصره في نطاق مغلق يفتقر إلى العمق الاستراتيجي وأي منفذ بحري. والخلاصة، لا يمكن فهم سلوك ترامب بوصفه فوضى محضة أو تهوراً سياسياً. نحن أمام نموذج قيادة يعتمد على الصدمة، واختبار الخصوم، وتوظيف البعد النفسي - ولا سيما الحاجة إلى الاعتراف والإنجاز - كأداة سياسية. من يفهم هذه القواعد ويتعامل معها بهدوء وبراغماتية، يستطيع التأثير في مسار القرار. أما من يواجهها بالشعارات أو الاستعراض، فغالباً ما يدفع ثمن سوء التقدير. ففي عالم ترامب، لا يكفي امتلاك الحجة الأخلاقية أو القانونية؛ الأهم هو إقناعه بأن النتيجة النهائية تُحسب له شخصياً.

سامحونا؛؛؛

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط