كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تركيا: انتظار الربيع

تركيا: انتظار الربيع

تاريخ النشر: 2023-04-08 | 09:16

منذ ثلاثة أسابيع فقط، احتفل الناس عبر أرجاء تركيا بالاعتدال الربيعي من خلال طقوس تقليدية. ومع ذلك، لا يزال الكثير من حديث الأتراك يتركز حول «الربيع الحقيقي»، الذي يأملون أن يبدأ في 14 مايو (أيار) عندما يتوجه 65 مليون ناخب تركي لصناديق الاقتراع للمشاركة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
ومن المفترض أن يشكّل الربيع المأمول النهاية السياسية للرئيس رجب طيب إردوغان الذي قاد سفينة تركيا الجانحة لفترة أطول عن أي زعيم آخر منذ نهاية الخلافة، منذ ما يقرب من عقد.
ويمثل الربيع الكلمة المحورية في الشعار الانتخابي الذي اختاره كمال أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري، المنافس الرئيسي لإردوغان في الانتخابات. وتعهد قلجدار أوغلو بأنه: «أعدكم بأن الربيع سيعود!».
ومع أن كلاً من قلجدار أوغلو وإردوغان، ناهيك بالمنافسين الآخرين متوسطي الثقل؛ محرم إينجه وسينان أوغان، طرحوا برامج انتخابية رفيعة المستوى، من الواضح أن الانتخابات المقررة في 14 مايو، تشكل في حقيقتها استفتاءً على مسيرة إردوغان السياسية الممتدة لـ25 عاماً. وبسبب التشخيص المفرط للمنافسة، يبدو من الصعب للغاية تخمين النتيجة.
بوجه عام، يمكن تقسيم مسيرة إردوغان المهنية الطويلة إلى ثلاث مراحل. خلال المرحلة الأولى، بدا زعيماً شجاعاً عاقد العزم على تنفيذ الإصلاحات التي بدأها تورغوت أوزال، وقيادة تركيا نحو الحداثة. وبعد قضائه فترة بمنصب عمدة إسطنبول، المدينة الإمبراطورية السابقة التي عانت الإهمال، وساعد إردوغان في تحويلها إلى حاضرة ضخمة تعج بالحركة، قاد إردوغان من منصب رئيس الوزراء سلسلة من الإصلاحات التي وضعت الاقتصاد التركي على الطريق نحو النمو المستدام على مدار عقد.
كما حقق إردوغان إنجازات على صعيد التخلص من القنبلة الكردية الزمنية التي ظلت عقاربها تدق على مدار نصف قرن. وهدفت السياسة الخارجية لإردوغان إلى الوصول بعدد الأعداء إلى صفر، وأحرز نجاحاً لافتاً في ذلك داخل منطقة يبني الزعماء فيها مكانتهم من خلال صناعة الأعداء.
ومع ذلك، بدا إردوغان خلال المرحلة الثالثة زعيماً منعزلاً على نحو متزايد تسيطر عليه الهواجس.
وإذا حكم الناخبون الأتراك على إردوغان من نسخته الثالثة، فليس ثمة شك في أنهم سيلقون به في مزبلة التاريخ. في الوقت الراهن، تبدو تركيا في صورة كئيبة، خصوصاً أن النمو الاقتصادي المستدام حل محله ما تبدو أنها حالة تراجع بطيء ومروع. اليوم، يتجاوز التضخم 55 في المائة سنوياً، تبعاً لتقديرات رسمية، وربما يتجاوز الـ100 حال اعتماد أنماط أخرى من التحليل. وبعد أن كان كالنهر الهادر، انحسرت الاستثمارات الأجنبية اليوم لما يشبه مجرى مائي هزيل.
أيضاً، يتذكر الجميع إردوغان في نسخته الثالثة من خلال قمعه وتعامله مع خصومه السياسيين الحقيقيين والمفترضين، خصوصاً أنصار معلمه الإسلامي السابق فتح الله غولن، وكذلك فلول الجماعات اليسارية، وأخيراً جزء من قاعدته الكردية الانتخابية السابقة.
أما محاولته لاختراع هوية وطنية جديدة للأتراك، بوصفهم أحفاد الحيثيين القدماء وأبناء طروادة والرحالة السلاجقة والعثمانيين، فانتهت بحالة من الارتباك والشك في صفوف قطاعات كبيرة من الأمة.
ويمكن النظر إلى المرشح الذي يواجه الناخبين في 14 مايو، بوصفه الرجل الذي صنع أعداءً أكثر بكثير لتركيا من أي شخص آخر منذ حصار فيينا؛ فقد أغضب حلفاءه في «الناتو» بتودده إلى بوتين، واعتراضه طريق انضمام السويد إلى الحلف.
وبعد أن كان ذات يوم هدفاً وطنياً، أصبحت إمكانية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي اليوم في حكم المستحيل. كما استعدى إردوغان إسرائيل، التي كانت ذات يوم صديقاً مقدراً لتركيا، وذلك على أمل كسب ود ملالي طهران. ومع ذلك، أثار سخط هؤلاء الملالي أنفسهم بمعاونته جمهورية أذربيجان، التي كانت تابعة للاتحاد السوفياتي السابق، في حربها أمام أرمينيا المدعومة من إيران.
كما أن مناوشات إردوغان مع اليونان، تسببت في وقف الاستثمارات المطلوبة لاستغلال موارد الطاقة ببحر إيجه، والتي تعد بمثابة منجم ذهب محتمل أمام دول المنطقة.
وبتوريطه تركيا في المستنقع السوري، ساعد إردوغان في تعطيل أي تحركات نحو إنقاذ سوريا التي مزقتها الحروب من وضعها الراهن كمنطقة لا تخضع لحكم.
وأسفر ذلك بدوره عن الإبقاء على وضع تركيا الراهن بوصفها أكبر معسكر لاجئين في العالم.
كما قاد إردوغان تركيا نحو إبرام اتفاقات تتضمن عمليات لخرق العقوبات، بهدف تقديم يد العون للجمهورية الإسلامية في إيران والاجتياح الروسي لأوكرانيا.
كما أن إردوغان الذي سيواجه الناخبين في 14 مايو، سيتعين عليه الرد على تساؤلات بخصوص كارثة الزلزال التي ألمّت بالبلاد قريباً، وتضرر منها قرابة ثلاثة ملايين نسمة وكبّدت تركبا أكثر من 120 مليار دولار.

والتساؤل الأكبر على هذا الصعيد: هل كان للصفقات المشبوهة، والتصاريح غير القانونية المرتبطة بالبنية التحتية، والوتيرة الكسولة لعملية صنع القرار، دور في توسيع نطاق المأساة الناجمة عن الكارثة الطبيعية؟
وتكشف حقيقة تخلي بعض أقدم أعوان إردوغان عنه، ومن بينهم وزير الاقتصاد السابق علي باباجان، ووزير الخارجية السابق أحمد داود أوغلو، أنه فقد بالفعل قطاعاً كبيراً من ناخبيه الذين يضمون تكنوقراطاً ورجال أعمال بميول إسلامية، وهي المجموعة التي عاونت في تأليب جميع المدن الكبرى تقريباً ضد النسخة الثالثة من إردوغان.
ومع تحالفه مع أصحاب التوجهات القومية المتطرفة والجماعات القومية التركية، بما في ذلك تنظيم «الذئاب الرمادية»، يترأس إردوغان اليوم حكومة تأتي على رأس قائمة الدول صاحبة العدد الأكبر من السجناء السياسيين، بمن في ذلك الصحافيون.
تكشف التقديرات أنه في أي انتخابات، يصوّت ما بين 30 في المائة و40 في المائة لصالح الوضع القائم، على أساس أن الشر الذي نعلمه أفضل من ذلك الذي نجهله.
هناك كذلك أمر ينبغي أخذه في الاعتبار، وهو أن قلجدار أوغلو، رغم كونه رجلاً مهذباً، فإنه أبعد ما يكون عن الشخصية الكاريزمية التي تتطلبها انتخابات تقوم على الشخصية أكثر من السياسات المطروحة. الأهم من ذلك، أنه بإمكان إردوغان دفع كفة الميزان الانتخابي لصالحه.
الأسوأ من ذلك، أن إردوغان قد يفوز في الانتخابات، لكنه قد يخسر أغلبيته داخل البرلمان، الأمر الذي سيدفع بتركيا نحو المجهول، ويزيد تعقيد الشرق الأوسط المعقد أصلاً، ربما على نحو لم يَرد على ذهن ولا حتى الجنرال ديغول.
قد يحل الربيع في تركيا مثلما يأمل خصوم إردوغان، أو لا يحل، لكن لو حدث ذلك، فإنه سيكون نبأً رائعاً لمن يعدون تركيا قوة إقليمية كبرى بمقدورها الاضطلاع بدور رائد في وضع نهاية للكثير من الأزمات التي تعانيها مناطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والقوقاز ومناطق واسعة من أوروبا.

عن " الشرق الأوسط"

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط