كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تركيا تعود بدور جديد

تركيا تعود بدور جديد

تاريخ النشر: 2015-11-09 | 07:46

كان حلم رجب طيب أردوغان أن تقوم في تركيا «دولة نموذج» تسعى إلى محاكاة الدول الأخرى في الشرق الأوسط. احتاج الحلم إلى نظرية تروّج له في تركيا وكذلك في أوروبا والدول العربية والإسلامية. وبالفعل خرجت النظرية إلى الوجود بصياغة أستاذ علم السياسة وقتذاك ثم وزير الخارجية داود أوغلو الذي يشغل الآن منصب رئيس وزراء حكومة حزب العدالة والتنمية. بمرور الوقت تحولت أجزاء من الحلم إلى ما يشبه الواقع السعيد، وصعد نجم تركيا الحديثة للمرة الثانية خلال أقل من قرن في سماء الشرق الأوسط ليحتل مكانة مرموقة على مستويات عدة.

تعرض الحلم لنكسات، بعضها كاد يقصم ظهر حزب العدالة والتنمية، ويحبط في الوقت نفسه طموحات الزعيم الصاعد الطيب أردوغان. كانت إحدى هذه الضربات القاصمة هزيمة الحزب في انتخابات 7 حزيران (يونيو) الماضي، وهي الانتخابات التي كان أردوغان يعتقد بأنها ستوفر لحزبه الغالبية اللازمة لتبني قرار تعديل الدستور وتعظيم صلاحيات رئيس الجمهورية.

الضربة الثانية التي كادت هي الأخرى أن تكون قاصمة كانت حين اضطر أردوغان، أو ربما سعى إلى الدخول في مواجهة عنيفة ودموية مع خصومه الأكراد ومع أحزاب المعارضة ومع فلول جماعة غولن الإسلامية، ولكن أهم من كل هذه المواجهات مواجهته مع قطاع الإعلام. أخذت هذه المواجهات شكل حرب البقاء أو الفناء لطموح أردوغان وحلم تركيا النموذج وربما أيضاً لمستقبل دور تركيا الإقليمي في الناحيتين، ناحية الغرب في أوروبا، وناحية الجنوب في الشرق الأوسط.

النموذج التركي الذي سعى أردوغان وداود أوغلو إلى الترويج له إقليمياً وعالمياً اعتمد على أعمدة عدة، أحدها نشر الاقتناع بأن تركيا هي النموذج لدولة حديثة في الشرق الأوسط التي يمكنها أن تكون جسراً يصل بين هويات المجتمع. المعروف أن تركيا دولة متعددة الهويات، وأن أحد أهم مشكلاتها العريقة هو قضية الأكراد وعلاقتهم السياسية والثقافية بالجسم التركي، وكان أمل أردوغان بأن يتحقق على يديه حلّ هذه القضية. من ناحية أخرى أكدت السنوات القليلة الماضية أن قضايا هوية أخرى مازالت تؤثر في مسيرة تركيا الحديثة، ومنها على سبيل المثال، قضية تجدد الانقسام حول العلمانية، وقضية مستقبل الأقلية العلوية وكذلك مشكلة موروثة من عهد أقدم تحت عنوان إبادة الأقلية الأرمينية. من سوء حظ «تركيا النموذج»، وحظ الحزب الحاكم في تركيا، أن كل هذه المشكلات عادت مشتعلة لتشوّه صورة النموذج.

من أعمدة النموذج الذي روّج له أردوغان وحزبه التزام الديموقراطية نظاماً للحكم، فقد استطاع حزب أردوغان الوصول إلى الحكم في انتخابات حرة، واحتفظ بغالبيته البرلمانية ودعم الناخبين لمدة 12 عاماً. وعلى رغم عقبات كثيرة اقتصادية وسياسية، لم يلجأ مرة واحدة إلى وقف العمل بالدستور القائم أو فرض أحكام عرفية. إلا أن أردوغان لم يكن مستعداً للتساهل في مواجهة معارضيه وشن ضدهم حملات شرسة، بخاصة بعد أن تعرضت سمعة الدولة المستقرة إلى الاهتزاز بسبب الهجمة الإرهابية من جانب «داعش» ثم مظاهرات الأكراد وقطاعات شعبية أخرى. هكذا ظهر الجانب الديموقراطي من النموذج أقل جاذبية من الصورة التي روّج لها أنصاره قبل عشر سنوات.

اعتمد النموذج أيضاً على مبدأ أن لا دور للعسكريين في العمل السياسي. كان هذا المبدأ الذي اعتنقه أردوغان وجماعته منذ بداية اشتغالهم بالسياسة مثار اهتمام قطاعات سياسية عدة، ليس فقط في أوروبا التي جعلت خروج العسكريين من دائرة السياسة في تركيا شرطاً لاستمرار المفاوضات مع المفوضية الأوروبية بل أيضاً في الشرق الأوسط حيث النخب السياسية المدنية المتعطشة إلى النفوذ والسلطة. لم تكن المواجهة مع العسكريين سهلة، فقد استخدم أردوغان فيها كل ما استطاع حشده من قوى شعبية ودينية ودولية لإقناع العسكريين بإخلاء الساحة السياسية. على كل حال يظل هذا الإنجاز من جانب نظام أردوغان الإنجاز الأكثر إثارة لاهتمام أعضاء النخب السياسية والأكاديمية في مختلف أنحاء العالم العربي.

من ناحية أخرى استطاع أردوغان أن يفلت وإن بمشقة، من معضلة التخلص من المتطرفين في تجربة خاضها حزبه الإسلامي التوجه، إذ تشير مختلف التجارب إلى أن الأحزاب الدينية، أو التي تعتمد على الدين في عقيدتها السياسية وهياكلها ومؤسساتها، مصيرها أن تتعرض لمحاولات هيمنة من جانب العناصر الدينية المتطرفة في الحزب أو في الحركة الإسلامية في شكل عام، أفلت حزب أردوغان عندما دخلت حكومته في حرب علنية وعنيفة ضد جماعة غولن، الزعيم الديني اللاجئ إلى أميركا، مستخدماً درجات متفاوتة من العنف والقمع ضد أعضائها ومؤسساتها، وسدّ المنافذ التي تعتمد عليها مثل الأجهزة الإعلامية وبعض الفئات العسكرية.

وحاولت قيادات جماعة «الإخوان المسلمين» وحزب «النهضة» التونسي الزعم بأنها تسير على نهج هذا الجانب في النموذج التركي، ومع ذلك لم ينجحا تماماً في إبراء نفسيهما من مسؤوليات ارتباطهما بعناصر التطرف، بقيت صورتهما غير سليمة. وعلى رغم الوضع السيء الذي تدهور إليه «الإخوان» و»النهضة» خلال تجربتهما في الحكم يبقى النموذج التركي مؤثراً في صفوف أنصار الدعوة إلى إقامة «حكم ديني» أو الحفاظ عليه في شتى أنحاء العالم العربي. حجة الدعاة تقول ها هي الدولة العلمانية الأكبر في المنطقة يقبل سكانها بالخضوع لحكم حزب يستخدم الدين في السياسة ويخلط بينهما في سلوكياته وسياساته الداخلية والخارجية، وفي الوقت نفسه يحظى برضى وربما دعم القوى العلمانية الغربية، ويحقق لبلاده درجة من الاستقرار لا يتوافر مثلها في دول عربية.

الآن يعود حزب «العدالة والتنمية» إلى غالبيته البرلمانية في تركيا، وأعتقد بأنه سيعود أيضاً إلى عرض «تركيا النموذج» على رغم ما أصاب هذا النموذج من تشوّهات ووقع فيه من أخطاء. يكفي أن نشير إلى أن حجم انقسامات الهوية في تركيا كان مفاجأة للكثيرين خارجها، وأن «الدولة - الجسر» لم تثبت جدارتها لتستحق هذه الصفة. كذلك كانت غطرسة أردوغان ومواقفه المتردّدة والانتهازية أحياناً في قضية سورية من أسباب انخفاض الاهتمام في العالم العربي بالنموذج التركي، أضف إلى الغطرسة والمواقف السياسية لتركيا في الإقليم حقيقة أن الحزب وأردوغان استخدما كل أساليب القمع مثل تقييد الحريات والاختطاف ومصادرة الصحف وإغلاق أبواق إعلامية ومطاردة الشباب لترهيب المعارضة، ولا تخفي أجهزة إعلامية غربية شكوكها في أن بعض هذا القمع العنيف جداً وبعض هذه الفوضى في الشارع التركي وبعض الهزات الاقتصادية، كان بتدبير حكومي وحزبي لإثارة حالة عدم استقرار تجعل المواطن التركي يفضل التصويت لأردوغان، رغم تصرفاته المعيبة وفشل حكومة حزبه وسوء أدائها في الخارج والداخل على حد سواء، إذا كان في عودة حزبه إلى الحكم بالغالبية ضماناً لعودة الاستقرار.

من جهة أخرى، لا يخفى أن الظروف الداخلية والإقليمية والدولية التي أحاطت بأول عرض للتجربة التركية نموذجاً لتحتذيه الدول في الشرق الأوسط تغيّرت في شكل جذري. لم تعد القوى الإسلامية، والدينية عموماً، تحظى بالمكانة التي كانت لها قبل عشر سنوات. التيارات المعتدلة في هذه القوى فقدت جاذبيتها كبديل لنخب سياسية هزيلة وفاسدة، والتيارات المتطرفة في هذه القوى أساءت إساءة بالغة إلى حلم الدين السياسي بل وللدين نفسه، وهي الآن، على كل حال، تتصدّر بأفعالها ساحة العمل والتأثير السياسي في الإقليم. ومصير النموذج التركي وفق معطيات الواقع الراهن أن يدخل في مواجهة عنيفة معها. تجاربنا على امتداد العقود والقرون تؤكد أن خلافات وانقسامات داخل الحركات الدينية تكون عادة أشرس وأطول أمداً من خلافات القوى العلمانية أو المدنية.

من جهة ثالثة، لا يمكن تجاهل حقيقة أن النموذج إن عاد طرحه، سيعود وقد صارت إيران طرفاً إقليمياً فاعلاً على كل المستويات، دولياً وآسيوياً وإسلامياً وعربياً. نذكر جيداً أن إيران لم تكن في أولويات النموذج التركي عند طرحه في بداية الأمر، ونعرف الآن أنه لا يمكن تصور إعادة طرح نموذج تركي جديد أو منقح، متجاهلاً «الوجود» الإيراني، في أنحاء عدة من الشرق العربي.

من جهة رابعة، تبقى حقيقة جديدة تضاف إلى حقائق عدة استجدت، وهي أن أوروبا تنتظر من تركيا الآن وأكثر من أي وقت مضى دوراً فاعلاً في قضية اللاجئين، هذه القضية التي تحتل الآن موقع الصدارة في اهتمامات أوروبا الغربية والشرقية على حد سواء، وهي القضية التي يمكن أن تكون صاحبة الفضل في عودة تركيا إلى احتلال مكانة متميزة جداً في ملف المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي. كادت تركيا تنسى قضية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في غمار شوقها للعودة إلى قيادة المشرق العربي والعالم الإسلامي. ولكن يبدو أن بعدما تلقت خلال السنوات القليلة الماضية دروساً قاسية في التعامل مع العرب وقضاياهم وخلافاتهم وحروبهم الأهلية وسوء أدائهم السياسي، ما يحفزها على التفكير في وضع سياسة خارجية مختلفة عن تلك التي أساءت إلى صورة تركيا.

أتوقع أن تركيا في ظل حزب أقوى ورئيس منتصر ومدعوم ألمانياً وأميركيا ستعود إلينا بسياسة خارجية تفاصيلها تختلف عن تفاصيل السياسة التي جرّت عليها المشكلات. أتصوّرها تعود لتلعب دوراً تفاجئ به مختلف القوى الإقليمية والدولية.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط