كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تسوية الأراضي في الضفة الغربية: خطوة إسرائيلية لفرض واقع قانوني وسياسي جديد

تسوية الأراضي في الضفة الغربية: خطوة إسرائيلية لفرض واقع قانوني وسياسي جديد

تاريخ النشر: 2026-02-16 | 11:25

تمضي الحكومة الإسرائيلية بخطوات متسارعة لإعادة تشكيل الواقع القانوني والإداري في الضفة الغربية، من خلال خطة شاملة لما يسمى «تسوية الأراضي» وفتح سجلات الملكية لأول مرة منذ عام 1967. ورغم تقديم هذه الخطوة في الخطاب الرسمي الإسرائيلي باعتبارها إجراءً تنظيميًا يهدف إلى ضبط الملكيات وحمايتها، إلا أن مضمونها وسياقها السياسي يكشفان عن مسار أعمق، يتمثل في تكريس السيطرة الإسرائيلية على الأرض، وتهيئة البنية القانونية لضم تدريجي غير معلن، بعيدًا عن أي إعلان سياسي رسمي.
القرار الذي أُقرّ عبر الكابينيت السياسي–الأمني، وليس من خلال الحكومة الإسرائيلية بكامل مؤسساتها، يتيح للمستوطنين شراء الأراضي في الضفة الغربية دون القيود التي كانت مفروضة بموجب القوانين الأردنية السارية قبل الاحتلال، والتي كانت تحظر أو تقيد بيع الأراضي لغير المواطنين. ويُخشى أن يؤدي ذلك إلى فتح الباب أمام عمليات بيع مشبوهة، أو نزاعات ملكية معقدة، خصوصًا في ظل التعارض القائم مع القوانين الفلسطينية التي تجرّم بيع الأراضي للإسرائيليين، وما قد يرافق ذلك من ضغوط اقتصادية وقانونية على المالكين الفلسطينيين.
وتشمل الخطة إعادة تفعيل آلية «أمين أملاك الدولة»، بما يسمح للدولة الإسرائيلية بالعمل كوسيط مباشر في تسجيل الأراضي ونقل ملكيتها، أحيانًا عبر شركات أو جهات مرتبطة بالمؤسسة الاستيطانية، من بينها الصندوق القومي اليهودي. هذا الدور لا يقتصر على الجانب الإداري، بل ينطوي على تدخل جوهري في حق الملكية ذاته، ويُضاعف من مخاطر تغيير الصفة القانونية للأراضي المحتلة، وتحويلها تدريجيًا إلى «أملاك دولة» وفق التشريع الإسرائيلي.
وفي سياق متصل، اتخذت إسرائيل إجراءات تمس جوهر الصلاحيات الإدارية والتنظيمية في مناطق (أ) و(ب)، عبر سحب أو تقييد صلاحيات التخطيط والبناء الممنوحة للسلطة الفلسطينية والبلديات المحلية، بذريعة حماية الآثار أو البيئة أو الموارد المائية. وتُعد هذه الخطوات، عمليًا، إخضاعًا غير مباشر لهذه المناطق للسيطرة الإسرائيلية، بما يسمح بالتدخل في عمليات التنظيم العمراني، ووقف أو هدم منشآت فلسطينية، وإعادة رسم حدود النفوذ البلدي، وهو ما يشكل تقويضًا فعليًا للترتيبات المرحلية التي نصت عليها اتفاقيات أوسلو، ويفرغها من مضمونها على أرض الواقع.
وفي مدينة الخليل، برزت خطوة نقل صلاحيات التخطيط والبناء في محيط الحرم الإبراهيمي والمناطق الاستيطانية إلى «الإدارة المدنية» الإسرائيلية، في تجاوز واضح لما نص عليه بروتوكول الخليل لعام 1997، الأمر الذي يتيح تغييرات أحادية في موقع ديني وسياسي بالغ الحساسية، ويزيد من احتمالات التوتر وعدم الاستقرار.
كما منحت الحكومة الإسرائيلية «رموزًا بلدية» لبؤر استيطانية كانت تُصنف سابقًا على أنها غير قانونية، ما يتيح لها الحصول على ميزانيات وخدمات رسمية، ويُدخلها فعليًا ضمن منظومة الحكم المحلي الإسرائيلي، في انتقال واضح من إدارة استيطان مؤقت إلى دمجه المؤسسي الكامل.
وتكشف تصريحات وزير المالية ووزير الأمن الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش البعد السياسي الحقيقي لهذه الإجراءات، إذ عبّر صراحة عن هدف تعزيز الاستيطان في «يهودا والسامرة» وطي صفحة اتفاقيات أوسلو، بما يعني إلغاءها من طرف واحد عبر فرض وقائع قانونية وإدارية جديدة.
من منظور القانون الدولي، تثير هذه السياسات إشكاليات خطيرة، إذ تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة وأحكام اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر على دولة الاحتلال نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة، أو إجراء تغييرات دائمة في وضعها القانوني أو الديموغرافي. ويؤكد خبراء القانون الدولي أن تسجيل الأراضي المحتلة كأملاك دولة، حتى وإن تم تغليفه بإجراءات إدارية داخلية، لا يترتب عليه أي أثر قانوني مشروع، ويُعد باطلًا من منظور الشرعية الدولية.
وفي هذا السياق، تبرز ضرورة تحرك إقليمي ودولي جاد، وبخاصة من قبل دول الاتحاد الأوروبي، لوضع مخرجات مؤتمر نيويورك وقرارات محكمة العدل الدولية لعام 2025 موضع التنفيذ العملي، إلى جانب قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وعدم الاكتفاء ببيانات سياسية عامة. كما تستدعي هذه التطورات الدعوة إلى عقد جلسة طارئة في المحافل الدولية المختصة، وفي مقدمتها مجلس الأمن والجمعية العامة، لمناقشة الخطوات الإسرائيلية الأخيرة، والتنديد الصريح بكل الإجراءات التي تمس الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويتعين على المجتمع الدولي مطالبة الحكومة الإسرائيلية بالالتزام الصارم بقرارات الشرعية الدولية، ووقف أي سياسات أو إجراءات من شأنها إحداث تغيير في الجغرافيا أو الديموغرافيا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس، باعتبارها أراضي محتلة تخضع لنظام قانوني دولي خاص، ولا يجوز التعامل معها كأراضٍ متنازع عليها أو إخضاعها لتشريعات دولة الاحتلال.
في الخلاصة، لا يمكن النظر إلى ما يجري باعتباره مجرد عملية تنظيم عقاري أو إدارية، بل هو إعادة هندسة شاملة للمشهد القانوني والسياسي في الضفة الغربية، تهدف إلى تحويل الاحتلال من وضع مؤقت إلى واقع دائم. ويواجه الفلسطينيون في هذا السياق تحديات متزايدة، تتمثل في تآكل صلاحياتهم الإدارية، وإضعاف دور البلديات، وإلغاء فعلي لاتفاقيات أوسلو من طرف واحد. والتصدي لهذا المسار يتطلب تحركًا فلسطينيًا منظمًا، قانونيًا ودبلوماسيًا، مدعومًا بجهد عربي ودولي فاعل، لأن ما يُقيد اليوم في السجلات والخرائط، يُراد له أن يصبح حدود الغد على الأرض.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط