كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

*تشابه الطغاة في تاريخ الإنسانية*

*تشابه الطغاة في تاريخ الإنسانية*

تاريخ النشر: 2025-04-05 | 22:52

*سيرة طاغية*
*كاليغولا*
من مصائب الشعوب أن يتحكّم في مصائرها قادة طُغاة تتملكهم  الأمراض النفسية  من نرجسية وسادية وجنون عظمة..
وعلى مر الزمن  شهد العالم  شخصيات خالية من المشاعر الإنسانية ، قهرت شعوبها وظلمتها ومارست عليها كل أنواع الإذلال والعنف ..
ومن هذه الشخصيات الإمبراطور كاليغولا ، الحاكم المطلق
للإمبراطورية الرومانية  التي ارتكبت كثيرا من الجرائم ضد الإنسانية،  فغرور القوة كان يحكم سلوكها السياسي والحربي طوال قرون، كما أن تاريخ بعض  أباطرتها يقدِّم الأدلة على خطورة الحكم الفردي الاستبدادي، وأنه لا يمكن أن تتمتع الشعوب بالعدل في ظل هذ النوع من الحكم.

وكاليغولا  هو الإمبراطور الروماني الذي حكم روما في الفترة من 37 حتى 41 للميلاد.
ويقول عنه مونتسكيو  في كتابه "تأملات في تاريخ الرومان"  أن هذا الإمبراطور وضع أخته دروسيلا بعد وفاتها في مقام الآلهة، ثم قرر أن البكاء عليها جريمة لأنها إلهة، كما أن عدم البكاء جريمة لأنها أخت القيصر.
وهكذا يتعرض كل مواطن في روما للعقاب إن بكى وإن لم يبكِ على أخت كاليجولا.
وتلك لم تكن الحادثة الوحيدة التي توضح القوانين الغريبة التي كان يصدرها، فقد كانت هناك معركة اسمها أكتيوم انتصر فيها الإمبراطور السابق له، فأصدر قانونا ينص على معاقبة كل من يحتفل بذكرى معركة أكتيوم، وعلى معاقبة كل مواطن لا يحتفل بذكرى تلك المعركة.

يعلق مونتسكيو على تلك الأحداث الغريبة بقوله "لا بد هنا من وقفة تدبر واعتبار.. هذه روما، كم خاضت من حروب، وكم سفكت من دماء، وكم استأصلت من شعوب، وكم كسبت من معارك وحققت من انتصارات، وكان مشروعها المذهل امتلاك الأرض بكاملها، فهل قامت روما بهذا المجهود الجبار لتشبع في النهاية نهم بعض  الوحوش  الذين حكموا روما من أهمهم كاليجولا..
عندما تم اغتيال كاليجولا، اجتمع مجلس الشيوخ لينظر في أمر خلافته، ولكن خلال الجلسة، اقتحم القصر مجموعة من الجنود بغرض النهب، فعثروا في أحد مخابئ القصر على شخص خائف يرتعد يدعى كلود، فعينوه إمبراطورا.
لذلك، يصف مونتسكيو كاليجولا وخليفته كلود بالبلاهة، ويقول: "لقد صبر أعضاء مجلس الشيوخ على كل أنواع الذل والمهانة، فلم يعد لكلامهم أدنى تأثير. وهكذا تعاقب على عرش الإمبراطورية 6 حكام طغاة، كلهم قساة، كلهم معتوهون، غير موفقين في معظم مشاريعهم، والأدهى من كل هذا أن كلهم مبذرون إلى حد الجنون".
هذه ألوقائع التاريخية كانت الموضوع الذي أستوحى منه ألأديب الشهير  ألبير كامو
مسرحيته عن كاليجولا،  
فهذه المسرحية تبرز  دور الأدب في تقديم التاريخ، وتصوير أحداثه، والمساهمة في تحقيق الوعي التاريخي للشعوب.
ومن المعروف أن ألبير كامو كان  ضد الفاشية،وثائراً على الظلم واستعمار الشعوب ، وتُعد مسرحية كاليجولا من أهم أعماله.
ولكن لماذا اختار ألبير كامو شخصية كاليجولا؟ من الواضح أن ذلك الاختيار يتفق مع رؤية كامو التي تقوم على أن القرن العشرين وصل إلى حافة الإفلاس
إن الرموز التي استخدمها ألبير كامو الهدف منها نقل مجموعة من الرسائل التي تشكل إدانة لعمليات الإبادة التي تتم في القرن العشرين، والتي لا تقل بشاعة عن تلك التي ارتكبها كاليجولا الذي ترعرع على مشاهدة الدماء، فهو لم يكتف بقتل شعبه وأعدائه، ولكنه وصل إلى قتل أقرب الناس إليه بعد أن رأى أخته -وهي عشيقته في الوقت نفسه- جثة هامدة.

لقد كان كاليجولا يرى أنه لا يوجد فرق بين الجريمة والفضيلة، وبين الخير والشر، وبين الموت والحياة.

يملك كل شيء لكنه تعيس
في الفصل الأول من المسرحية، يصور كامو تعاسة كاليجولا التي تزايدت بعد موت أخته وعشيقته دروسيلا، وكيف أن الشيوخ قد أقروا "سفاح القربى" (زنا المحارم) حفاظا على الإمبراطورية أو خوفا من كاليجولا.
وفي المشهد الرابع من هذا الفصل، يقول كاليجولا إنه يريد القمر "فهو أحد الأشياء التي لا أملكها، ولم أستطع الحصول عليه"، وهو يريد شيئا مستحيل التحقق.

يقول كاليجولا أيضا: "هذا العالم بحالته التي هو عليها لا يطاق، لهذا أحتاج إلى القمر أو الفردوس أو الخلود".

وكاليجولا لا يريد أن ينام، لأنه كما يقول: "إذا ذهبت إلى النوم فكيف سأحصل على القمر؟".

في الفصل الأول أيضا، يصدر كاليجولا قرارا بحظر توريث الملكية الخاصة للأبناء، فالدولة هي الوريث الوحيد لكل الشخصيات في الإمبراطورية.

ثم يصدر قرارا بقتل الشخصيات المهمة وفق جدول موضوع بشكل عشوائي لكي ترث الدولة كل شيء.

ويقول كاليجولا إن النظام الذي سيجري فيه تنفيذ أحكام الإعدام ليس مهما، فالجميع مذنبون، وسرقة المواطنين أمر لا يقل أخلاقية عن فرض الضرائب، وأن تتولى الإدارة هذا يعني أن تسرق.

ليس للحياة الإنسانية أهمية
عندما يعترض رئيس الديوان على قرار الإمبراطور يرد عليه: "عندما يكون للخزينة هذه الأهمية، فلن يكون للحياة الإنسانية أهمية تذكر.. وبما أنني أملك السلطة، فسترون أي ثمن ستدفعونه جراء هذا المنطق".

يقول كاليجولا: "أخيرا، أدركت فائدة السلطة، فمن الآن سوف أترك العنان لنفسي لتفعل ما تريد، من دون حدود، فلا أهمية لهذا العالم، ولا يوجد في إمبراطورية روما إنسان حر سواي.. افرحوا فقد ظهر عندكم في نهاية المطاف إمبراطور سيلقنكم دروسا في الحرية".

يقول كاليجولا: "من هو هذا الإله كي أرغب أن أتساوى معه؟ والذي أسعي إليه الآن، مستخدما كامل قواي، هو أن أترفع عن جميع الآلهة، إنني أتولى سلطة دولة عظمى، لأمرر فيها الحكم المستحيل".

هذه هي نتيجة الاستبداد أن يتصور الحاكم نفسه إلها كما فعل فرعون من قبل. يقول كاليجولا: "أريد أن أذيب السماء في البحر، وأن أصهر الجمال مع القبح، وأن أخلق من الألم فقاعات من الضحك، وأن أبدل كل شيء.. وسيصبح القمر بين يدي وعندها تحين فرصة التحول لي وللعالم أجمع معي، وعندها يتوقف الناس عن الموت، وفي نهاية المطاف يصبحون سعداء".

المال أهم شيء في الحياة
يقول كاليجولا: "الحب يا سيزونيا! لقد أدركت تفاهته. والمهم هو أمر آخر: خزينة الدولة، ومن هنا يبدأ كل شيء.. وفي نهاية الأمر سوف أعيش.. أعيش الحياة والحب".

في الفصول التالية من المسرحية، يظهر جبن وعجز الشيوخ والنبلاء وتسليمهم بأوامر كاليجولا وطاعته بالرغم من قراراته الغريبة، مثل إصدار حكم بإعدام ابن لابيدوس لأنه يحبه، ويريد أن ينزع الحب من قلبه، بالإضافة إلى إذلال هؤلاء الشيوخ، واستباحة أعراضهم، وإغلاق صوامع الغلال لإحداث مجاعة في روما.

لأنهم من رعايا كاليجولا
يبرر كاليجولا إصداره أحكام الإعدام بأن الناس يموتون لأنهم مذنبون، والناس مذنبون لأنهم من رعايا كاليجولا.. إذن الجميع مذنبون، وهذا يعني أن الجميع سيموتون. وما هذا إلا مسألة وقت.

لقد كان كاليجولا يريد إعدام كل شعبه طبقا لجدول زمني وضعه للاستيلاء على ممتلكاتهم.. كما أرغم زوجات النبلاء والشيوخ على العمل في دار البغاء التي دشنها، وقرر أن يمنح وسام "البطولة الأهلية" للمواطن الأكثر مداومة على ارتياد دار البغاء، والمواطن الذي سينال هذا الوسام سوف يحكم بالنفي أو الإعدام.

عندما تقترب المسرحية من نهايتها، يقول كاليجولا: "يا للغرابة.. عندما لا أمارس القتل، أشعر بالوحدة.. فالأحياء في هذه المعمورة غير قادرين على تبديد السآمة التي تقطن عيني.. والأمور تسير على ما يرام بيني وبين أمواتي فقط".

ثم يأمر بقص لسان رجل طلب منه الرحمة. ويقول: أنا أعيش، إذن أنا أقتل، هذا ما تعنيه السعادة: "الحقد على كل ما هو موجود على الأرض والدم ونشر الكراهية".

وتنتهي المسرحية بالثورة على كاليجولا وقتله، ولكن رغم كل ما صوره ألبير كامو في مسرحيته، فإن حقيقة هذا الإمبراطور كانت أكثر بشاعة وقسوة فالمسرحية لا تستطيع أن تحيط بكل المآسي والجرائم في السجل الحافل بالوحشية لهذا الحاكم المجنون..
فألبير كامو قد أغفل بعض الأحداث التاريخية المهمة، منها إهانة كاليجولا لمجلس الشيوخ، إذ دعاهم إلى وليمة بمناسبة تعيين حصانه عضوا بمجلس الشيوخ وقدم لهم التبن، وأمرهم أن يأكلوه، والغريب أنهم أكلوا التبن، وهذا يوضح مدى جبن النبلاء وعجزهم.
من الأحداث التي أغفلتها المسرحية أيضا أنه كان يريد أن يبني جسرا بين قصره وكوكب المشترى لأنه يعتبر نفسه الإله الحي، ويريد أن يجري مشاورات مع الآلهة، كما أنه أمر بإعدام كل رجل أصلع لأنه كان يكره الصلع، وفرض المجاعة على روما ليستمتع برؤية الناس يموتون، قائلاَ: "سأكون أنا بديلا لكم عن الطاعون".

ورغم أن المسرحية انتهت بقتل كاليجولا، فإنها لم توضح كيفية القتل، وهي أن اثنين من حراسه طعناه 30 طعنة، ثم قتلا زوجته وابنته.

وبعد مقتله، أصدر مجلس الشيوخ قرارا بحذف اسمه من تاريخ روما، وهذا هو كل ما استطاع مجلس الشيوخ أن يفعله بعد أن أكلوا التبن خوفا منه.

هذا نموذج واحد لأباطرة الرومان الذين سيطروا على العالم، وأخضعوا الشعوب بالقوة الغاشمة، ونهبوا ثرواتها.

وسيرته توضح ماذا يمكن أن يفعل غرور القوة عندما يدفع الطغاة إلى الاستهانة بحياة الإنسان، ويجعلهم يتصورون أنهم فوق البشر، وهذا يعد برهانا على أن الطغيان من أهم أسباب انهيار الدول والمآسي التي تعيشها البشرية.
هكذا هم الطغاة في كل زمان ومكان ..وهم متشابهة..يقتلهم ظلمهم
وما أشبه أميركا اليوم  بروما الأمس.. وكاليغولا الرومان بغول الأميركان !!

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط