كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تشييع خامنئي في العراق: بين الرمزية السياسية وإرث النفوذ الإيراني

تشييع خامنئي في العراق: بين الرمزية السياسية وإرث النفوذ الإيراني

تاريخ النشر: 2026-07-02 | 11:25

د. مصطفي عبدالقادر
د. مصطفي عبدالقادر

أثارت التقارير المتداولة بشأن تنظيم مراسم تشييع رسمية لـ علي خامنئي في مدن عراقية ذات رمزية دينية، مثل النجف وكربلاء, جدلاً واسعاً يتجاوز البعد البروتوكولي إلى أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين بغداد وطهران، وحدود النفوذ الإيراني في العراق، وكيفية إدارة الذاكرة السياسية المرتبطة بسنوات من الصراع والتدخلات الإقليمية. وبينما تنظر بعض الأوساط إلى الخطوة بوصفها امتداداً للعلاقات الرسمية بين البلدين، يرى آخرون أنها تمسّ حساسيات اجتماعية وسياسية ما تزال آثارها حاضرة منذ مرحلة ما بعد عام 2003.

الرمزية الدينية والسياسية للمراسم

تحمل مدن مثل النجف وكربلاء وزناً دينياً استثنائياً في الوجدان الشيعي، ما يجعل أي حدث يُقام فيها ذا دلالات تتجاوز الإطار المحلي. ومن هنا، فإن تنظيم مراسم تشييع لشخصية بحجم خامنئي لا يمكن قراءته بوصفه مجرد حدث جنائزي، بل باعتباره رسالة سياسية ورمزية موجهة إلى الداخل العراقي وإلى البيئة الإقليمية الأوسع. كما أن الحديث عن استقبال رسمي في مطار النجف وتشكيل ترتيبات لوجستية وأمنية خاصة يعكس رغبة في منح الحدث طابعاً استثنائياً، الأمر الذي يرفع من حساسيته في سياق الانقسام العراقي حول دور إيران في البلاد.

إرث التدخل الإيراني بعد 2003

منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، تحوّل العراق إلى ساحة رئيسية لتنافس النفوذ الإقليمي، وكان لإيران حضور واسع في هذا المشهد عبر العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية، وعبر دعم فصائل مسلحة متعددة. وقد لعب قاسم سليماني دوراً محورياً في بناء شبكة النفوذ الإيراني داخل العراق، وهو ما جعل اسم إيران يرتبط لدى شريحة من العراقيين بمظاهر التغلغل في مؤسسات الدولة وبالنفوذ غير المباشر في القرار السياسي.

في المقابل، ترى أطراف عراقية أخرى أن التعاون مع طهران جاء في سياق مواجهة تنظيمات متطرفة وملء فراغ أمني كبير شهدته البلاد خلال سنوات الحرب. هذا التباين في تقييم الدور الإيراني يفسر حدة الانقسام الحالي حول أي محاولة لمنح رموز النظام الإيراني حضوراً احتفالياً أو تكريمياً داخل العراق.

انتفاضة تشرين والذاكرة الجريحة

تمثل انتفاضة تشرين 2019 نقطة مفصلية في العلاقة بين جزء من الشارع العراقي والقوى القريبة من إيران. فقد خرج آلاف المتظاهرين، ولا سيما في مدن الجنوب ذات الغالبية الشيعية، احتجاجاً على الفساد والبطالة وهيمنة السلاح والنفوذ الخارجي. وشهدت تلك الاحتجاجات أعمال عنف دامية خلّفت مئات القتلى وآلاف الجرحى، فيما وُجهت اتهامات لفصائل مسلحة مرتبطة بمحور إيران بالمشاركة في عمليات القمع.

كما تعرّضت قنصليات إيرانية في النجف وكربلاء للحرق خلال تلك الأحداث، في مؤشر على حجم الغضب الشعبي تجاه ما اعتبره المحتجون تدخلاً إيرانياً في الشأن العراقي. ولهذا السبب، فإن إقامة مراسم تشييع رسمية لخامنئي في هذه المدن تحديداً قد تُقرأ لدى كثيرين بوصفها تجاهلاً لذاكرة الضحايا ولمطالب الحركة الاحتجاجية.

البعد الاقتصادي للنزاع على النفوذ

لا يقتصر الجدل على البعد السياسي أو الأمني، بل يمتد إلى الاقتصاد أيضاً. فالعراق يرتبط بإيران بعلاقات تجارية واسعة تشمل الطاقة والسلع والاستثمارات، لكن منتقدي هذا الارتباط يرون أنه ترافق مع اعتماد اقتصادي مفرط ومع تهريب موارد وأموال وإضعاف بعض القطاعات الإنتاجية المحلية. وفي المقابل، تؤكد أطراف مؤيدة للعلاقة مع طهران أن السوق العراقية استفادت من التبادل التجاري ومن تلبية احتياجات أساسية في مجالات الكهرباء والغاز والسلع الاستهلاكية.

هذا التداخل الاقتصادي يجعل أي حدث رمزي كبير، مثل مراسم تشييع خامنئي، جزءاً من صراع أوسع حول اتجاه السياسة العراقية: هل تمضي البلاد نحو توازن أكبر في علاقاتها الإقليمية، أم تستمر ضمن شبكة النفوذ التي تشكلت خلال العقدين الماضيين؟

الحكومة العراقية بين الاعتبارات المتناقضة

تجد الحكومة العراقية نفسها أمام معادلة معقدة. فمن جهة، تسعى إلى الحفاظ على علاقات مستقرة مع إيران بوصفها جاراً مؤثراً وشريكاً اقتصادياً وأمنياً مهماً. ومن جهة أخرى، تواجه ضغطاً شعبياً وسياسياً من قوى تطالب بتأكيد السيادة العراقية وتقليص النفوذ الخارجي. ولذلك، فإن طريقة تعامل بغداد مع مراسم التشييع قد تُفسَّر على أنها مؤشر على توازن القوى داخل النظام السياسي العراقي أكثر من كونها مجرد قرار بروتوكولي.

السيناريوهات المحتملة

إذا أُقيمت المراسم بحجم رسمي واسع، فمن المرجح أن تثير احتجاجات سياسية وإعلامية، وربما تحركات شعبية محدودة في بعض المناطق. أما إذا جرى تقليص الطابع الرسمي والاكتفاء بترتيبات دينية محدودة، فقد تسعى الحكومة إلى احتواء الجدل وتجنب تحويل الحدث إلى أزمة داخلية.

وفي كل الأحوال، يكشف النقاش الدائر عن حقيقة أعمق: أن مسألة النفوذ الإيراني في العراق لم تُحسم بعد، وأن الذاكرة الجماعية المرتبطة بالحروب والاحتجاجات والتدخلات ما تزال عاملاً مؤثراً في تشكيل المواقف السياسية والشعبية.

الخاتمة

لا يمكن فصل الجدل حول تشييع خامنئي في العراق عن السياق الأوسع للعلاقات العراقية ـ الإيرانية خلال العقدين الأخيرين. فالحدث، إن تمّ، سيكون اختباراً لحدود الرمزية السياسية، ولقدرة الدولة العراقية على الموازنة بين اعتبارات الجوار الإقليمي وحساسيات الداخل. كما أنه يعكس استمرار الصراع على تفسير التاريخ القريب: بين من يرى إيران شريكاً وحليفاً، ومن يعتبرها قوة تدخلت بعمق في الشأن العراقي وتركت وراءها إرثاً من الانقسام والاحتجاج والدماء. وفي هذا المعنى، فإن الجدل حول المراسم ليس خلافاً على جنازة بقدر ما هو نقاش مفتوح حول مستقبل العراق وهويته السياسية وعلاقته بجواره الإقليمي.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط