كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تشي جيفارا: المرآة التي لا تنكسر..

تشي جيفارا: المرآة التي لا تنكسر..

تاريخ النشر: 2026-04-28 | 12:02

(عندما تصبح الكرامة سكينا في خاصرة الإستعمار ) 

 

"الثوار لا يبحثون عن الموت،لكنهم لا يخافون منه.." (تشي جيفارا)

 

 

لم يكن تشي جيفارا يخطب في قاعة الأمم المتحدة ذلك اليوم البارد من ديسمبر 1964،بل كان يشق جسد المنظومة الاستعمارية القديمة بسكين حادة اسمها الكرامة.

 وقف هناك،بمعطفه العسكري البسيط،ولهجة الثائر الذي لم يتعلم سياسة الدهاليز،ليقول للعالم ما لم يجرؤ أحد على قوله بصوت بشري: إن الحرية ليست هبة تُمنح،بل جثة تُدفن ثم تُبعث.!

لكن ما الذي يجعل كلمات "الحرية أو الموت" أكثر من مجرد شعار؟!

 إنها تلك اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن جسده قد يصبح سجنا إذا لم يتحول إلى قنبلة. جيفارا،ذلك الطبيب الذي ترك المشرط ليحمل البندقية،لم يكن يحلم بسلطة فوق الأرض،بل كان يحلم بأرض لا تحتاج إلى سادة.خطابه هناك لم يكن موجة عابرة في بحر دبلوماسي راكد،بل كان زلزالا تحت كراسي من يتاجرون بمقادير الشعوب باسم "المصالح المشتركة".

ثمة سرقة كبرى حدثت في تاريخ الثورات،حين اختزل بعضهم معنى "الحرية أو الموت" في لحظة بطولية عابرة،متناسين أن جوهرها الحقيقي ليس الموت نفسه،بل الرهبة التي يزرعها في قلوب الطغاة أن يجدوا شعبا لا يخاف الموت.!

إنها المعادلة المقلوبة التي أدار بها المستضعفون ظهورهم لمنطق القوة القديم: لستم أقوياء لأنكم تملكون القنابل،بل نحن أقوياء لأننا لم نعد نخاف منها.

وربما يكمن السؤال الأعمق هنا: لماذا يظل صوت تشي جيفارا يصدح بعد ستة عقود؟!

 ليس لأنه كان ثائرا عظيما فقط،بل لأنه عاش ما قال،ومات ما قال،وتحول جسده-بعد اغتياله-إلى أيقونة لا تُقتل.

و في عالم تتزاحم فيه الخطابات المعسولة عن "التغيير السلمي" و"الإصلاح التدريجي"،يظل تشي ذلك المزعج الضروري،الذي يذكرنا أن الحرية الحقيقية لا تُستعار،ولا تُشترى،ولا تُفاوض عليها. إنها وليدة تلك اللحظة النادرة التي يقرر فيها إنسان أن يصبح أكثر من جسد: أن يصبح فكرة، وأن تصبح الفكرة رصاصة،وأن تصبح الرصاصة أغنية يغنيها الأحرار حتى آخر نفس. 

فهل آن الأوان لنعيد قراءة تشي ليس كتمثال،بل كمرآة؟!

مرآة نرى فيها أي جزء منا لا يزال على استعداد لأن يقول "لا" دون أن يحسب الثمن.

وهكذا،يبقى تشي جيفارا أكثر من مجرد وجه مطبوع على القمصان،وأعمق من أيقونة تستهلكها التجارة.هو سؤال مفتوح في خاصرة كل عصر: هل آن الأوان لأن نكف عن تأليه الأبطال ونبدأ في عيش مبادئهم؟!

 تشي غيفارا لم يترك لنا وصية،بل ترك لنا مرآة. ومن يجرؤ على النظر فيها بعمق،سيرى أنه ليس حرا حتى يصبح هو الآخر قادرا على أن يقول "الحرية أو الموت" وكأنها أنفاسه الأخيرة التي لم تضع هباء.فالأرض لا تحتاج إلى تماثيل من برونز، بل إلى شهود من لحم وروح،يذكرونها كل يوم بأن الكرامة حين تثور،لا يُطفئ صوتها إلا الصمت المخزي للظالمين.

وهكذا،وبعد ستة عقود من ذلك الصوت الذي هزّ قاعة الأمم المتحدة،لا يزال تشي جيفارا يقف هناك،ليس كشبح من الماضي،بل كسؤال حيّ يُخاطب ضمير كل عصر.لقد علّمنا أن البطولة الحقيقية ليست في القبضة التي تطلق الرصاص، بل في الكفّ التي تترك المشرط لتمسح دماء الفقراء.علّمنا أن الثوري الأصيل لا يُقاس بعدد المعارك التي خاضها،بل بعدد المرات التي اختار فيها أن يكون مع من لا صوت لهم،حتى لو كان الثمن هو صمته الأبدي.

ربما يكون السر الأعظم لخلود تشي،أنه لم يمت أبدا داخل أولئك الذين فهموا أن "الحرية أو الموت" ليست نهاية،بل بداية لنوع آخر من الحياة. إنها تلك اللحظة التي يصبح فيها الإنسان أكثر من كائن بيولوجي،ويتحول إلى حالة من الوعي الثائر الذي لا يُسجن في زنزانة،ولا يُقصف بطائرة،ولا يُشترى بمال.حينها فقط،يدرك العالم أن جيفارا لم يُغتَال في بوليفيا،بل انتقل إلى كل زاوية يُطلق فيها طفل فقير صرخته الأولى رافضا الجوع، وإلى كل أم تقف في وجه الدبابة بجسدها العاري، وإلى كل مفكر يدفع ثمن قلمه بسجنه.

وقبل أن أغلق هذا المقال،لنتذكر أن تشي لم يكتب خطابه ذلك اليوم بمداد عابر،بل كتبه بدمائه التي ستروي أرض الأحرار إلى الأبد.إنه يدعونا الآن،من هناك حيث تتحول الأجساد إلى معان،أن نعيد تعريف الشجاعة: ليست في أن نصرخ بأعلى صوتنا،بل في أن نظل أوفياء للصرخة الأولى التي جعلتنا بشرا.

 فهل نحن،بعد كل هذه السنين،جديرون بهذه الوصية التي لم ينطق بها؟ هل نستطيع أن ننظر في تلك المرآة التي تركها لنا،فلا نرى وجوها مستعارة،بل قبائل من الأحرار لا تعرف معنى الاستسلام؟!

تشي جيفارا لم يكن ثائرا فقط،بل كان وعدا. وطالما أن هناك ظلما في العالم،سيظل ذلك الوعد يُكتب من جديد،كل يوم،على جدران الزنازين، وفي عيون الأطفال الذين لم يتعلموا بعد معنى الخوف. 

وهكذا،تنتهي المقالات ويبقى تشي،لأن الحرية الحقيقية هي الوحيدة التي تُخلق كل صباح من رماد المستحيل.

 

 

 

 

 

 

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط