كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تصريحات سموتريتش... من خطاب التطرف إلى مشروع إقليمي يهدد أمن المنطقة واستقرارها

لم تعد التصريحات الصادرة عن أركان حكومة اليمين الإسرائيلي مجرد مواقف إعلامية أو رسائل موجهة إلى الداخل الإسرائيلي، بل باتت تعكس بصورة متزايدة ملامح عقيدة سياسية وأمنية تحكم سلوك الحكومة برئاسة بنيامين نتنياهو، والتي تضم وزراء ينتمون إلى تيارات دينية وقومية متشددة. وفي هذا السياق، تكتسب التصريحات الأخيرة لوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش أهمية استثنائية، ليس فقط لما تضمنته من تهديدات مباشرة للفلسطينيين ودول الجوار، وإنما لأنها تكشف عن رؤية استراتيجية تتجاوز إدارة الصراع إلى محاولة إعادة صياغة الواقع الجيوسياسي في المنطقة وفق منظور أيديولوجي يستند إلى مفاهيم دينية وقومية متطرفة.
فحين يصرح سموتريتش بأن "السلطة الفلسطينية ستباد عندما تحاول رفع رأسها"، ويدعو إلى تعزيز الاستيطان في الضفة الغربية وغزة وجنوب لبنان، ويطالب حماس وحزب الله بتسليم سلاحهما، ويؤكد أن إيران تمثل التهديد الوجودي الأكبر لإسرائيل وأن على إسرائيل التحرك منفردة ضدها، فإن هذه التصريحات لا يمكن فصلها عن المشروع السياسي الذي يتبناه اليمين الإسرائيلي، والذي يقوم على فرض الوقائع بالقوة العسكرية، وتوسيع النفوذ الإسرائيلي، وإعادة رسم معادلات القوة في الشرق الأوسط.
من إدارة الصراع إلى تغيير الخرائط
تكشف تصريحات سموتريتش عن انتقال واضح في التفكير الاستراتيجي داخل الحكومة الإسرائيلية من مفهوم "إدارة الصراع" إلى مفهوم "حسم الصراع" من خلال فرض وقائع دائمة على الأرض.
فالسلطة الفلسطينية لم تعد، وفق هذا التصور، كيانًا يمكن التفاوض معه، بل أصبحت هدفًا للإضعاف والتهميش، تمهيدًا لإيجاد بدائل محلية تُدار ضمن رؤية أمنية إسرائيلية، بما يؤدي عمليًا إلى إنهاء أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة.
وفي الوقت ذاته، لا يُنظر إلى الاستيطان باعتباره سياسة إسكانية، وإنما باعتباره أداة سياسية لترسيخ الضم وتغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي، بما يحول الاحتلال المؤقت إلى سيادة دائمة، في مخالفة واضحة لقواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
الاستيطان... مشروع أيديولوجي لا مشروع أمني
الإعلان عن توسيع الاستيطان في الضفة الغربية، والتلميح إلى غزة وجنوب لبنان، يعكس أن المشروع الذي يتبناه اليمين الإسرائيلي يتجاوز الاعتبارات الأمنية التقليدية، ليصبح جزءًا من رؤية أيديولوجية تستند إلى مفاهيم "أرض إسرائيل الكبرى"، وهي مفاهيم تتبناها تيارات دينية وقومية ترى أن الحدود السياسية الحديثة لا تمثل نهاية المشروع الصهيوني.
وهذا ما يثير مخاوف متزايدة لدى المجتمع الدولي، لأن مثل هذه التوجهات لا تقتصر على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل تحمل انعكاسات مباشرة على استقرار المنطقة بأكملها، وتضع الدول المجاورة أمام تحديات أمنية وسياسية متزايدة.
العقيدة الدينية المتطرفة وأثرها على القرار السياسي
تكمن الخطورة الحقيقية في أن عدداً من الوزراء المؤثرين في الحكومة الإسرائيلية ينطلقون من قناعات دينية وقومية تعتبر التوسع الاستيطاني واجبًا عقائديًا، وترفض بصورة صريحة قيام دولة فلسطينية، وتتعامل مع الصراع باعتباره صراعًا وجوديًا لا يمكن حله بالتسويات السياسية.
وعندما تتحول هذه القناعات إلى سياسات حكومية، فإن القرار السياسي يصبح أسيرًا للاعتبارات الأيديولوجية أكثر من كونه خاضعًا لحسابات القانون الدولي أو مقتضيات الأمن الإقليمي، وهو ما يزيد من احتمالات التصعيد ويفتح الباب أمام دورات جديدة من العنف وعدم الاستقرار.
تهديد مباشر للأمن الإقليمي
لا تقتصر تداعيات هذه السياسات على الفلسطينيين وحدهم، بل تمتد إلى مجمل الإقليم.
فالحديث عن غزة، والضفة الغربية، وجنوب لبنان، وإيران، في سياق واحد، يعكس تصورًا استراتيجيًا يعتبر أن أمن إسرائيل يتحقق عبر إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بالقوة العسكرية، وليس عبر التسويات السياسية.
وهذا النهج يحمل في طياته مخاطر جسيمة، أبرزها:- توسيع نطاق المواجهات العسكرية خارج الأراضي الفلسطينية.
زيادة احتمالات اندلاع صراعات إقليمية متعددة الجبهات. ، تقويض فرص السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.
إضعاف منظومة القانون الدولي التي تقوم على احترام سيادة الدول وعدم الاستيلاء على الأراضي بالقوة. تعميق مشاعر الإحباط والتوتر، بما يغذي دوائر التطرف والعنف.
القانون الدولي أمام اختبار حقيقي
تتعارض هذه التصريحات والسياسات مع مبادئ القانون الدولي، وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة، واتفاقية جنيف الرابعة، وقرارات مجلس الأمن التي تؤكد عدم شرعية الاستيطان، كما تتناقض مع الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن عدم قانونية استمرار الاحتلال والإجراءات الهادفة إلى تكريس السيطرة الدائمة على الأراضي الفلسطينية.
ومن هنا، فإن التعامل مع هذه التصريحات بوصفها مجرد خطاب سياسي سيكون خطأً استراتيجيًا، لأنها تصدر عن مسؤول يتولى حقيبة سيادية ويتمتع بنفوذ واسع في إدارة ملف الاستيطان والسياسات المالية المرتبطة بالأراضي المحتلة.
خاتمة
إن تصريحات بتسلئيل سموتريتش تمثل مؤشرًا واضحًا على طبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة، حيث تتقدم الرؤى الأيديولوجية المتشددة على حساب منطق التسوية السياسية، ويتزايد تأثير التيارات الدينية والقومية المتطرفة في صناعة القرار الإسرائيلي.
وفي ظل استمرار حكومة بنيامين نتنياهو في منح هذه التيارات مساحة واسعة للتأثير، فإن الشرق الأوسط يواجه تحديًا استراتيجيًا يتجاوز حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ليطال منظومة الأمن الإقليمي بأسرها.
إن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على سياسات الضم، أو التوسع الاستيطاني، أو إلغاء حقوق الشعوب، ولا على تحويل المعتقدات الدينية المتشددة إلى سياسات دولة. فاستقرار المنطقة يتطلب احترام قواعد القانون الدولي، والالتزام بقرارات الشرعية الدولية، والاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، باعتبار ذلك المدخل الوحيد لبناء أمن جماعي مستدام يحقق الاستقرار لجميع شعوب المنطقة، بعيدًا عن منطق القوة والغلبة الذي أثبت التاريخ أنه لا ينتج إلا مزيدًا من الصراعات وعدم الاستقرار.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط