كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تفاهمات العلمين أمام اختبار تطبيق المرحلة الثانية والانتخابات الفلسطينية

تفاهمات العلمين أمام اختبار تطبيق المرحلة الثانية والانتخابات الفلسطينية

تاريخ النشر: 2026-08-05 | 11:42

وليد العوض
وليد العوض

بين حسابات نتنياهو الانتخابية ومساعي ترامب لإنهاء الحرب… أين تقف غزة في المشروع الوطني الفلسطيني؟

أُعلن في الثاني من آب/أغسطس عن التوصل إلى تفاهمات في مدينة العلمين بين حركة حماس، ومعها عدد من الفصائل الفلسطينية، والوسطاء، لمعالجة عقدتي السلاح والحكم في قطاع غزة، بما يفتح الطريق أمام تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. وتزامن ذلك مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إطار يتعلق بنزع سلاح حماس وانسحاب إسرائيلي من أجزاء واسعة من قطاع غزة، الأمر الذي أعاد تحريك ملف ظل عالقًا منذ أشهر.

غير أن الإعلان عن التفاهمات لم يترافق مع تهدئة على الأرض، بل استقبلته دولة الاحتلال بموجة جديدة من العدوان، سقط خلالها عشرات الشهداء والجرحى، في مشهد يؤكد مرة أخرى الفجوة بين ما يجري على طاولة التفاوض وما يجري على الأرض. وفي المقابل، سارع نيكولاي ملادينوف إلى زيارة تل أبيب ولقاء بنيامين نتنياهو في محاولة لاحتواء التصعيد ودفع المسار نحو التنفيذ، بالتزامن مع التحرك المصري لعقد اجتماع قريب للوسطاء في القاهرة.

وتعكس هذه التحركات محاولة لدفع الاتفاق نحو مرحلته الثانية، لكنها تجري في ظل عراقيل كبيرة تجعل الانتقال من التفاهمات إلى التنفيذ الفعلي أمرًا غير مضمون. فالمشكلة لم تعد في وجود أفكار أو خرائط طريق، وإنما في استعداد إسرائيل للالتزام بما عليها، وفي كيفية ترتيب الخطوات وضمان تنفيذها بصورة متزامنة ومتبادلة.

العقدة الأساسية تتمثل في إصرار دولة الاحتلال على أن يسبق نزع سلاح حماس والفصائل أي انسحاب إسرائيلي إضافي، في حين لم تعد حركة حماس ترفع شعار أن السلاح خط أحمر، وإنما تربط التعامل مع هذه المسألة بوقف العدوان والانسحاب وتوفير ضمانات واضحة لتنفيذ بقية بنود الاتفاق. وقد أكد نتنياهو أن إسرائيل لن تنسحب من غزة قبل نزع سلاح حماس بالكامل، وهو موقف يتعارض مع التصور الأميركي الذي يربط نزع السلاح ببدء الانسحاب والتقدم نحو المرحلة الثانية.

ويزيد استمرار القصف والخروقات الإسرائيلية من تعقيد المشهد، ويضعف الثقة اللازمة للانتقال إلى المرحلة الثانية. ومن هنا تكتسب زيارة ملادينوف ولقاؤه مع نتنياهو أهمية خاصة، ليس فقط باعتبارها محاولة لاحتواء التصعيد، وإنما باعتبارها اختبارًا لقدرة الإدارة الأميركية والوسطاء على تحويل ما جرى التفاهم عليه إلى التزامات إسرائيلية قابلة للتنفيذ.

لكن ثمة سؤالًا سياسيًا أوسع ينبغي التوقف أمامه:

من الذي أعلن التفاهمات، ومن الذي يحتاج إلى فرضها؟

فالتفاهمات الأخيرة لم تأتِ فقط نتيجة حوار فلسطيني ـ فلسطيني أو فلسطيني ـ مصري مع الوسطاء، بل جاءت في سياق إعلان أميركي مباشر من الرئيس ترامب، الذي يبدو أنه يحاول دفع نتنياهو نحو قبول ترتيبات لا تتطابق بالكامل مع ما تريده حكومته.

وهنا تبرز أهمية التوقيت.

إسرائيل تتجه إلى انتخابات عامة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، بعد حل الكنيست، فيما يخوض نتنياهو معركة سياسية سيكون مستقبلُه السياسي أحد عناوينها الرئيسية.

وهذا يفتح الباب أمام سؤال لا ينبغي تجاهله:

هل بدأت إدارة ترامب تلعب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في ملف الانتخابات الإسرائيلية؟

قد لا يكون المقصود التدخل في الانتخابات بالمعنى المباشر، لكن من الصعب تجاهل أن فرض تسوية في غزة، أو دفع نتنياهو إلى إنهاء الحرب والقبول بانسحاب إسرائيلي، يمكن أن يؤثر بصورة كبيرة في البيئة السياسية الإسرائيلية عشية الانتخابات.

فترامب، الذي يملك أدوات ضغط واسعة على الحكومة الإسرائيلية، قد يرى أن استمرار الحرب إلى ما لا نهاية لا يخدم مصالحه الإقليمية ولا مشروعه الأوسع، بينما قد يرى نتنياهو أن إبقاء غزة على صفيح ساخن، وربما نقل مركز التصعيد إلى الضفة الغربية، أكثر ملاءمة لحساباته الانتخابية، من خلال إعادة إنتاج حالة الخوف الأمني وتعبئة الجمهور الإسرائيلي حول خطاب اليمين المتطرف.

وهنا تكمن إحدى أخطر نقاط التباين بين الرجلين: ترامب يريد اتفاقًا يمكن تقديمه باعتباره إنجازًا سياسيًا، بينما قد يحتاج نتنياهو إلى استمرار الصراع بوصفه مادة انتخابية.

ومن هنا يمكن فهم سبب التردد الإسرائيلي تجاه التفاهمات الأخيرة، ولماذا لا يكفي الإعلان الأميركي عنها لضمان تنفيذها. فنتنياهو يستطيع القبول من حيث المبدأ، ثم إدخال شروط جديدة، أو إبطاء التنفيذ، أو رفع سقف المطالب، أو إبقاء الباب مفتوحًا أمام العمل العسكري، بما يسمح له بالحفاظ على هامش مناورة حتى موعد الانتخابات.

والأخطر أن هذا المنطق قد لا يتوقف عند غزة.

فإذا كان نتنياهو يحتاج إلى إبقاء المشهد الأمني ملتهبًا لاستعادة تماسك معسكر اليمين، فإن انتقال التصعيد إلى الضفة الغربية، عبر تكثيف الاستيطان واعتداءات المستوطنين والاقتحامات والقتل والتهجير، قد يصبح جزءًا من هذه المعادلة.

وبذلك لا يعود السؤال الفلسطيني محصورًا في كيفية وقف الحرب على غزة، بل يصبح مرتبطًا بمنع انتقال نارها السياسية والميدانية إلى الضفة، وتحويل الأراضي الفلسطينية إلى ساحات مفتوحة للاستخدام في المعركة الانتخابية الإسرائيلية.

لهذا، فإن اختبار تفاهمات العلمين لا ينبغي أن يقتصر على عقدة السلاح، ولا أن يتحول إلى نقاش تقني حول ترتيبات أمنية وإدارية. المطلوب اختبار الإرادة الإسرائيلية في تنفيذ الاتفاق بكامل عناصره: وقف إطلاق النار، والانسحاب، وفتح المعابر، وإدخال المساعدات، وتهيئة الظروف لعودة النازحين، وبدء إعادة الإعمار، وصولًا إلى استعادة الولاية الفلسطينية على قطاع غزة.

وفي هذا السياق تكتسب الجهود المصرية أهمية خاصة، لأن القاهرة قادرة على جمع الأطراف والوسطاء حول آلية تنفيذ واضحة. والمطلوب من الاجتماع المرتقب في القاهرة ألا يكون مجرد جولة جديدة من المفاوضات، وإنما الوصول إلى جدول زمني وآلية تنفيذ متزامنة ومتدرجة، بحيث يقابل كل التزام فلسطيني التزام إسرائيلي واضح، وتوجد جهة قادرة على مراقبة التنفيذ وضمان عدم تحويل المرحلة الانتقالية إلى حالة مفتوحة بلا سقف زمني.

لكن، إلى جانب ذلك كله، هناك قضية سياسية أوسع لا يجوز إغفالها، وهي مستقبل غزة وموقعها في النظام السياسي الفلسطيني.

فلا يجوز أن تتحول المرحلة الثانية إلى مجرد ترتيبات أمنية وإدارية تتعلق بالسلاح وإدارة القطاع، بينما يجري تأجيل المسألة السياسية إلى أجل غير معلوم.

غزة جزء من الأرض الفلسطينية، ومستقبلها يجب أن يبقى مرتبطًا بوحدة الأرض والشعب والنظام السياسي الفلسطيني، لا بترتيبات تؤدي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى دحرجة القطاع نحو الفصل عن الضفة الغربية، وإضعاف إمكانية إقامة الدولة الفلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967.

ومن هنا، فإن الترتيبات الخاصة بغزة ينبغي أن تفتح الطريق أمام مشاركة أهلنا في القطاع في العملية السياسية والانتخابية الفلسطينية التي يجري التحضير لها في 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، لتكون مدخلًا لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتجديد شرعيته على قاعدة الشراكة والديمقراطية، لا أن تصبح غزة مجرد ورقة تفاوضية أو منطقة مستثناة من إعادة بناء الشرعية الفلسطينية.

وهنا تحديدًا يمكن أن تفتح المرحلة الثانية الباب أمام الانتخابات الفلسطينية.

فكلاهما ــ المرحلة الثانية والانتخابات ــ يتعلق بإعادة بناء المجال السياسي الفلسطيني بعد حرب الإبادة، وكلاهما يجب أن يقود إلى إنهاء حالة الانقسام والفصل الجغرافي والسياسي، لا إلى تثبيتها تحت مسميات انتقالية أو أمنية أو إدارية.

الخطر الحقيقي يكمن في أن تطول المرحلة الانتقالية، فتتحول من جسر نحو إنهاء الحرب وإعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني إلى صيغة دائمة لإدارة غزة تحت ترتيبات أمنية أو دولية، بينما تبقى إسرائيل ممسكة بمفاتيح الأرض والمعابر والأمن، ويبقى المستقبل السياسي مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.

لذلك ينبغي أن تكون هناك ضمانات واضحة بأن المرحلة الثانية تقود إلى الانسحاب وإعادة الإعمار واستعادة الولاية الفلسطينية، بالتوازي مع استكمال العملية السياسية والانتخابية، وبما يحافظ على وحدة غزة والضفة والقدس باعتبارها وحدة سياسية وجغرافية واحدة.

نحن إذن أمام نافذة فرصة ضيقة وهشة، لكنها ليست بلا إمكانات. ونجاح الجهود المصرية وزيارة ملادينوف والتحرك الأميركي لن يُقاس بعدد الاجتماعات والبيانات، بل بقدرتها على تحويل التفاهمات إلى التزامات قابلة للتنفيذ، وإلزام إسرائيل بما عليها من استحقاقات.

أما فلسطينيًا، فالمطلوب ألا نتعامل مع المرحلة الثانية والانتخابات كملفين منفصلين. فكلاهما جزء من معركة سياسية واحدة: إنهاء الحرب، حماية وحدة غزة والضفة، منع تحويل المرحلة الانتقالية إلى وصاية دائمة، واستعادة الحياة السياسية الفلسطينية على قاعدة الشراكة والديمقراطية.

وفي الوقت نفسه، ينبغي الانتباه إلى أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ليست مجرد موعد داخلي إسرائيلي. فعندما يصبح مستقبل الحرب والتهدئة والانسحاب وإعادة تشكيل المشهد في غزة جزءًا من الحسابات الانتخابية الإسرائيلية، فإن السؤال الفلسطيني يصبح أكثر إلحاحًا:

هل سنبقى أسرى الانتخابات الإسرائيلية وحسابات نتنياهو، أم نمتلك نحن أيضًا أجندتنا السياسية التي تربط إنهاء الحرب بإعادة بناء نظامنا السياسي ووحدتنا الوطنية؟

هذه هي المعركة التي ينبغي ألا نغفل عنها.

فنجاح المرحلة الثانية لا ينبغي أن يكون مجرد نجاح لاتفاق لوقف إطلاق النار، بل خطوة نحو استعادة السياسة الفلسطينية لدورها، وإعادة غزة إلى قلب المشروع الوطني، وفتح الطريق أمام انتخابات فلسطينية شاملة تعيد بناء الشرعية على قاعدة الوحدة والشراكة والديمقراطية.

فبينما يخوض نتنياهو معركته الانتخابية على حساب غزة، ينبغي ألا تتحول غزة إلى ورقة في الانتخابات الإسرائيلية؛ بل إلى بوابة لاستعادة الوحدة والقرار والمشروع الوطني الفلسطيني.

×
أخبار
الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط