كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تفكير بعقلٍ بارد في بيئة ملتهبة.. نحو خارطة طريق للخلاص الوطني الفلسطيني

لسنا أمام لحظة عابرة في التاريخ الفلسطيني، ولا امتدادًا رتيبًا لصراع طويل يمكن فهمه بالأدوات ذاتها التي حكمت تجربة الحركة الوطنية لعقود. نحن أمام طور شديد الكثافة والخطورة من التحولات، تتقاطع فيه ذروة العنف مع ذروة الانكشاف السياسي، حيث يُعاد تشكيل الواقع الفلسطيني بالقوة في قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس، في مسار لا يكتفي بإدارة الصراع، بل يتقدم نحو إعادة إنتاج وفرض وقائعه على الأرض بما يمسّ جوهر المشروع الوطني ذاته.

في غزة، ما يجري ليس مجرد عدوان تقليدي، بل تفكيك ممنهج لمقومات الحياة، يمتد من تدمير البنية المادية إلى استهداف النسيج الاجتماعي، بما يضع الإنسان الفلسطيني ذاته في قلب معادلة الاستنزاف. وفي الضفة الغربية والقدس، يتقدم مشروع الاستيطان والضم بوصفه عملية تراكمية هادئة في ظاهرها، متسارعة في جوهرها، تعيد رسم الجغرافيا السياسية والديموغرافية على نحو يقلّص المجال الفلسطيني الممكن، ويقوّض فكرة الدولة من داخلها لا من خارجها.

حين يصبح البقاء مشروعًا سياسيًا

ومع ذلك، فإن قسوة هذا المشهد لا تلغي مفارقته الأعمق؛ فقد أدّى حجم الكارثة الإنسانية والسياسية إلى انكشاف غير مسبوق للطبيعة العنصرية للمشروع  الصهيوني أمام العالم، وإلى إعادة تموضع القضية الفلسطينية في قلب الاهتمام الدولي، مع اتساع دوائر التعاطف والاعتراف والضغط السياسي والقانوني. غير أن هذه النافذة، مهما اتسعت، تبقى بلا أثر سياسي فعلي ما لم تُقابل بمراجعات جادة تفضي إلى خارطة طريق محددة لإعادة بناء داخلية جذرية في بنية النظام السياسي الفلسطيني.

ذلك أن الخطر الأعمق لم يعد خارجيًا فحسب، بل داخليًا في بنيته، حيث تحوّلت تداعيات الانقسام من حالة طارئة إلى بنية سياسية تُنتج العجز بدل المبادرة، وتعيد إنتاج الإقصاء والتفكك بدل الوحدة، وتمنع تشكّل إرادة وطنية قادرة على تحويل التضحيات الهائلة إلى مشروع سياسي منسجم وفاعل. وفي ظل هذا الواقع، تصبح أي فرصة خارجية هشّة بطبيعتها، لأن غياب وحدة القرار الوطني يعني غياب القدرة على تحويل التعاطف الدولي إلى قوة سياسية ملموسة.

ومن هنا، فإن استعجال الانتقال إلى أي استحقاق انتخابي قبل إعادة بناء الشروط الوطنية الجامعة لا يعبّر عن اكتمال مسار ديمقراطي، بل عن قفز فوق شروطه التأسيسية، بهدف تكريس الواقع الذي أوصلنا لما نحن عليه اليوم. فالديمقراطية، في معناها الجاد، لا تُنتج كيانية وطنية موحدة في فراغ سياسي منقسم، بل تفترض وجود إطار وطني موحد يسبقها ويضمن أن تتحول من أداة فرز إلى أداة توحيد. لذلك، فإن الأولوية ليست في إجراء الانتخابات، بل في إعادة بناء الأرضية السياسية التي تجعلها ممكنة وذات معنى وطني جامع.

لقد فشلت حكومة تل أبيب حتى الآن، ورغم كل جرائم الابادة التي ارتكبتها، أن تنتزع من شعبنا أي إنجاز سياسي ملموس. فهل نقدم لها ما عجزت عن تحقيقه ؟! 

إن نقطة الانطلاق لأي مسار للخلاص الوطني لا تكمن في الصندوق، بل في إعادة تأسيس الإطار السياسي الفلسطيني نفسه. وهذا يمر عبر تشكيل حكومة وفاق انتقالية لا تُقاس بتمثيلها، بل بوظيفتها التاريخية، بوصفها أداة لوقف الانهيار لا لإدارته. حكومة تتولى توحيد المؤسسات بين غزة والضفة، ووقف التدهور الإداري والخدماتي، وإدارة ملف الإغاثة وإعادة الإعمار باعتباره مسارًا يعيد وصل الجغرافيا السياسية لا مجرد استجابة إنسانية، وتهيئة الأرضية لانتقال سياسي لاحق أكثر استقرارًا واتساقًا.

وبالتوازي مع ذلك، تبرز ضرورة إعادة بناء مرجعية وطنية جامعة تُنهي حالة تعدد القرار غير المنضبط، وتعيد تعريف من يُنتج القرار الوطني وكيف يُصاغ، بما يضع حدًا لحالة التنازع على الشرعية، ويؤسس لفضاء سياسي واحد يُعيد للقرار الفلسطيني مركزه ووحدته. إن هذا الإطار لا يلغي التعدد السياسي، لكنه يعيد تنظيمه ضمن وحدة مرجعية تمنع تحوله إلى تفكك بنيوي يهدد جوهر التمثيل الوطني.

استعادة المبادرة والفعل الوطنيين

وفي العمق، تفرض هذه المرحلة إعادة تعريف مفهوم الشرعية ذاته. فالشرعية التي تأسست تاريخيًا على الصمود والمقاومة، رغم عمقها الأخلاقي والتاريخي، لم تعد كافية وحدها في لحظة يعاد فيها تشكيل الخرائط السياسية والوقائع الاستراتيجية. الشرعية الجديدة، إن أرادت أن تكون فاعلة، يجب أن تُبنى على القدرة على الإنجاز، أي على توحيد التمثيل، وبناء مؤسسات قابلة للحياة، وحماية المجتمع، وتحسين شروط وجوده، وتحويل الدعم الدولي المتزايد إلى قوة سياسية منظمة لا إلى مجرد رصيد رمزي.

وفي هذا السياق، فإن اتساع الدعم الدولي للقضية الفلسطينية لا ينبغي أن يُفهم كبديل عن الفعل الوطني، بل كفرصة مشروطة بوجود فلسطيني موحد وقادر على المبادرة. فالمعادلة باتت واضحة؛ تدويل الحقوق الفلسطينية ضرورة سياسية وقانونية، لكن تدويل القرار الفلسطيني هو تفريغ تدريجي للإرادة الوطنية من مضمونها. ومن دون هذا التمييز الدقيق، يتحول الدعم الخارجي من رافعة محتملة إلى بديل صامت.

إننا لا نعيش لحظة حسم نهائي، بل لحظة انتقال تاريخي مفتوح، يعاد فيها تشكيل الإقليم والنظام الدولي، وتُختبر فيها قدرة الشعوب على الحفاظ على مشروعها في بيئات شديدة الاضطراب والتبدل. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكفي البلاغة ولا الاندفاع، ولا استدعاء " الديمقراطية" لتعزيز الإقصاء والتفكك، بل يصبح التفكير البارد في بيئة ملتهبة شرطًا وجوديًا للبقاء السياسي، لا مجرد خيار فكري.

وقبل أي استحقاق سياسي أو انتخابي، فإن المهمة المباشرة التي لا تحتمل التأجيل تتمثل في  وقف الانهيار، وصدّ الخطر،واستعادة الحد الأدنى من وحدة الكيانية الوطنية. لأن أي بناء سياسي يُقام فوق أرضية متصدعة لا يصب سوى في إعادة إنتاج الأزمة ذاتها بأشكال جديدة وأكثر خطورة.

في المحصلة، لا يبدو أن أمامنا طريقًا قصيرًا أو سهلاً نحو استعادة المبادرة الوطنية. فالمسألة لا تتعلق بانتظار لحظة دولية مناسبة، ولا الاكتفاء بتراكم التعاطف أو الضغط الخارجي، بل تبدأ من إعادة تأسيس القدرة الداخلية نفسها على الفعل السياسي. إن أي مسار نحو الخلاص الوطني يظل مشروطًا بعملية إعادة تعريف جذرية للكيانية السياسية الفلسطينية، تبدأ باستعادة ثقة الشعب الفلسطيني ليس فقط بحقوقه، بل بقدرته على استعادتها، بما يتطلبه ذلك من توفير متطلبات الصمود والبقاء وفي مقدمتها إنهاء الانقسام بوصفه شرطًا وجوديًا قبل أن يكون خيارًا سياسيًا، ومن بناء مركز قرار وطني موحد باعتباره أولوية سابقة على أي اعتراف خارجي، ومن إعادة ترتيب البيت الداخلي على أسس مؤسسية واضحة تعيد وصل الجغرافيا السياسية والتمثيل الوطني والقرار السياسي في إطار واحد قابل للعمل والاستمرار، وليس لارضاء الحلقة الضيقة التي تسببت بهذا الخراب، ولا استمراء سياسة استرضاء الخارج على حساب الثقة الشعبية والحقوق الوطنية.

بهذا المعنى، لا يُقاس الخلاص الوطني بما يُمنح من الخارج ولا باسترضائه، بل بما ينجح الفلسطينيون في انتزاعه من داخل أزمتهم؛ أي من قدرتهم على تحويل العجز إلى بداية مسار، لا إلى قدر دائم. وإذا استمر الرضا الزائف عن الذات، واستمرت محاولات تجميل واقع أثبت فشله وعجزه عن مواجهة التحديات الوجودية الراهنة، فإن الواجب الوطني يفرض على كل القوى والشخصيات والفعاليات الحية أن تتقدم نحو أوسع جبهة أو تجمع وطني للإنقاذ، لا لمنازعة أحد على سلطة أو موقع، بل لإنقاذ القضية ذاتها، وإعادة بناء القدرة الفلسطينية على الفعل والمبادرة. فحين تبلغ الأزمات حدودها القصوى، يصبح التغيير ضرورة وطنية لا ترفًا سياسيًا.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط