كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تفكيك الدول العربية

وسط التطورات المتلاحقة التى تشهدها منطقة الشرق الأوسط ، يفاجئنا التنظيم المسلح « داعش « (اختصار اسم الدولة الإسلامية فى بلاد العراق و الشام ) بتصدر الأخبار المحلية والعالمية،
 ليخبرنا بأنه استولى بالقوة على الموصل ثانى أكبر المدن العراقية وقبلها تكريت، وأنه فى طريقه للزحف نحو بغداد العاصمة لإقامة دولة «الخلافة السنية» ضمن مشروعه العابر للحدود الممتد من سوريا إلى العراق . لذلك فإن «داعش العراقية» هى صورة طبق الأصل من «داعش السورية» وما يتفرع عنها مما يسمى بـ«جبهة النصرة» التى مارست الدور نفسه فى سوريا ونجحت فى ضرب أهداف الثورة و مطالبها فى الحرية والعدالة وتحويلها إلى صراع من أجل اغتصاب السلطة، ضمن مشروع إقليمى أوسع يقوم على الطائفية والتطرف والعنف ويتبنى أفكار «السلفية الجهادية» أو «التوحيد والجهاد « القريب من عقيدة تنظيم "القاعدة" .
وتجتهد كثير من التحليلات و تختلف فى البحث عن جذور الأزمة التى يعيشها العراق الآن، فيراها البعض امتدادا للمواجهات المستمرة بين الفصائل العراقية (سنة و شيعة وأكراد) ويرجعها البعض الآخر إلى الغزو الأمريكى للعراق أو الى ما قبل ذلك بنحو عقدين من الزمان باندلاع الحرب العراقية الإيرانية ، أو حتى بقيام الثورة الإسلامية فى إيران ( 1979) التى أسست لحكم دينى طائفى ومشروع إقليمى لتصدير ثورته إلى باقى دول المنطقة و فى مقدمتها العراق ، بل هناك من يذهب بعيدا الى قرون طويلة مضت عندما وقعت معركة «كربلاء» التى تغير بعدها تاريخ المسلمين كله وانقسم بين «شيعة» و«سنة»، ولكن كل ذلك لم يعد يهم الآن، فالنتيجة المؤكدة أننا أصبحنا أمام وضع خطير يهدد ليس فقط العراق و إنما أغلب الدول العربية التى تعصف بها الحروب الأهلية و الطائفية و العنف المسلح و وتضعها أمام سيناريوهات التقسيم ، فصراعاتها الداخلية لم تعد محلية بل باتت لها أبعادا إقليمية و دولية تتداخل عناصرها لتشكل صراعا أكبر على المصالح و الثروة و النفوذ . فالدول السنية ( مثل السعودية و الخليج و تركيا على اختلاف توجهاتها و مصالحها ) هى طرف ، و الحركات والتنظيمات السنية المتشددة و العنيفة باتت طرف ، و مثيلتها الشيعية و فى مقدمتها إيران و ما يتبعها من تنظيمات مسلحة ( وهى بالعشرات ) و أحزاب ( مثل حزب الله ) أو سلطات حكم ( كحكم المالكى فى العراق ) هى طرفا ، و المرجعيات الدينية سنية و شيعية طرف ، و الولايات المتحدة وروسيا طرف ، وكل من هذه الأطراف تريد أن توجه الأزمة لخدمة مصالحها . إنها الحروب بالوكالة .
وبعيدا عن التفصيلات الجزئية وهى كثيرة، فان هناك من القضايا الكبرى التى يجب التوقف عندها لأنها تمس مستقبل الإقليم ككل وليس فقط مجرد دولة من دوله . أولاً ، أن أغلب دول المنطقة أصبحت هزيلة تعانى الفوضى و المشاكل بعد انهيار أنظمتها القديمة و العجز عن إقامة بدائل قادرة على تجاوز التحديات التى تواجهها ، أى أنها أضحت تندرج وفق كثير من المقاييس ضمن « الدول الفاشلة « على أفضل التقديرات .
ثانيا: إننا بتنا إزاء دول بلا جيوش نظامية تستطيع أن تدافع ليس فقط عن حدودها الخارجية و حمايتها (مثلما هى وظيفتها التقليدية) ، بل عن كيانها نفسه - أى كيان الدولة فبعض الدول دمرت جيوشها مثلما هو حال العراق حتى أن ما تبقى من جيشها الذى أنفقت عليه الولايات المتحدة مليارات الدولارات لإعادة تشكيله ، لم يتمكن من صد تنظيم مسلح مثل «داعش» من السيطرة على أهم المدن العراقية . والحال نفسه ينطبق على ليبيا، التى ربما لم يكن لها جيش فى الأساس منذ وقت القذافى، الذى اعتمد على مجموعات من المرتزقة من جنسيات مختلفة لتأمين نظامه وأمنه الشخصي، وأصبح الآن ما يسمى بالجيش الليبى هو تجميع لفرق مسلحة لا ترقى لمستوى الجيش النظامى لتنشق عنه أخيرا فرقة اللواء خليفة حفتر لتكوين ما يسمى «الجيش الوطني» فى محاولة لتشكيل «جيش دولة» وما زال الصراع دائرا يصعب التنبؤ بمساره ونتائجه. وقبل ذلك كانت حالة الجيش اللبنانى الضعيف الذى عرف ظاهرة الانشقاقات والفرق مبكرا منذ اندلاع الحرب الأهلية فى السبعينيات لتتصدر الميلشيات المسلحة المشهد و يتوارى الجيش النظامي. والشيء نفسه يحدث الآن فى سوريا رغم احتواء الأزمة إلى حين - بعد تشكيل الجيش» السورى الحر» المنشق عن الجيش السوري. و الأمثلة كثيرة تمتد من اليمن إلى السودان .
ثالثا: إن ضعف هذه الدول و انهيار جيوشها فتح الطريق إلى جماعات الإسلام السياسى للسيطرة، عليها فتمكن الإخوان من ليبيا ومن قبل السودان ، و يحاولون الآن فى سوريا (ربما كان فشلهم الوحيد فى مصر) وفى جميع الحالات فتحوا الباب واسعا لعودة الجماعات المسلحة و المتطرفة لتصبح فاعلا رئيسيا فى معادلة السلطة و الحكم .
رابعا، أصبحت تنظيمات إرهابية مثل «داعش» و«القاعدة» هى من يتحدث باسم العالم السنى وتبرر أفعالها، أو عنفها وطائفيتها برفع الظلم عنه و الدفاع عن قضاياه فى مواجهة الأنظمة القمعية والإقصائية! والشيء نفسه ينطبق على الطرف الآخر الشيعي، فهناك العشرات من التنظيمات المسلحة على الجانبين تتقاتل مع بعضها بعضا والمفارقة أنها قد تتصارع فيما بينها فى تنافس صريح على القوة والسلطة .
خامسا: إن ما تشهده الدول العربية فى الوقت الراهن ليس بعيدا عن تقلبات السياسة الدولية فى الشرق الأوسط و فى مقدمتها السياسة الأمريكية التى بدأت بالاعتماد على حلفاء تقليديين لدول بعينها (إيران فى عهد الشاه، السعودية منذ الأربعينيات، مصر فى عهدى السادات ومبارك) إلى السعى تدريجيا لبناء ما يسمى «تحالف الدول السنية «فى مواجهة ما يعرف «الهلال الشيعى» وأُعطى لتركيا دور بارز فيها ثم انتقلت من الاعتماد على الدول إلى استخدام وتوظيف «اللا دول» وتحديدا الحركات السياسية الإسلامية، وفى مقدمتها الإخوان لاحتواء الجماعات الراديكالية بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر. وأخيرا التحول إلى استقطاب الأعداء أى الانفتاح على إيران و إدخالها شريكا متضامنا فى الترتيبات الإقليمية، وليست روسيا أيضا ببعيدة عن هذه اللعبة، وهو ما يعنى فى النهاية الدخول فى صفقات متشعبة يتنافس فيها الجميع قد تنتهى بتفكيك الدول العربية و تقسيمها .
إن معركة العالم العربى اليوم لم تعد فى القدرة على استرداد الدولة الوطنية، وإنما فى محاولة بناء دولة لم تعد موجودة أصلا فى أغلب تلك الحالات .
عن الاهرام

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط